ذات مصر Zatmasr

الشعر الصوفي الإفريقي: مَدَد يا شيخة “نانا أسامو”

 

ظهر التصوف الإسلامي في النصف الثاني من القرن الثاني الهجري في العراق، بتأثيرات مختلفة من الفلسفة اليونانية وبعض الأفكار المنتشرة في بلاد فارس.. بدأ كنزعة تقشفية في مواجهة حالة الترف التي انتشرت في صدر الدولة العباسية، ثم ما لبث أن تحول إلى منظومة فكرية ترفض صراعات الفقهاء ومحاولات ترسيخ كهنوت مدعوم من الدولة، وسرعان ما تحولت تلك المنظومة الفكرية إلى فلسفة عميقة ترى العالم وعلاقة الإنسان بربه على نحو مختلف.

ووفقًا للتصور الصوفي، ثمة طريقة للتواصل المباشر مع الله إذا تخلى الإنسان عن ملذات الدنيا وتحلى بالإحسان، وبعد التخلي والتحلي، يأتي التجلي الإلهي ويحدث التواصل المباشر، قد تتبعه حالة أخرى تعرف باسم “الحلول والاتحاد”، وهي فناء العبد في مُراد الحق تعالى.

التصوف من المركز إلى الأطراف

ظلت الصوفية حركة فكرية وفلسفية فردية الطابع إلى أن ظهرت الطرق الصوفية في نهاية القرن الرابع الهجري، حين قرر بعض أقطاب التصوف إنشاء المدارس لنشر التصوف.

لقد اتبعوا منهجًا نظاميًّا يعتمد على مجموعة من الأفكار والأذكار، إضافة إلى بعض الطقوس والممارسات، وكان هدفهم من ذلك هو ما أطلقوا عليه اسم “تربية النفس”، واتبعوا أساليب متنوعة في تحقيق تلك التربية، من بينها إرهاق الجسد بممارسة الرياضة، وكثرة الصيام، والاعتزال عن الناس، وكان الهدف من إرهاق الجسد هو إيقاظ الروح لكي تتمكن من الالتحام بالكائن الأسمى.

أقبل المهمّشون على تلك المدارس الصوفية مع اقتراب انهيار الدولة العباسية، هربًا من الواقع الاقتصادي والاجتماعي المتردّي، وتشكل ما يُعرف بـ”الدين الشعبي”، الذي يستمد غالب مفرداته من المتصوفة.

وأدى الانحطاط الفكري في تلك الحقبة إلى تجاهل الناس لأبعاد التصوف الفلسفية، والانغماس في جانبها الطقوسي، بل وتطويره على نحو يناسب المُخيّلة الشعبية، وظهرت فكرة تقديس الأولياء والإيمان بالكرامات (معجزات الأولياء) وزيارة الأضرحة والاهتمام بحلقات الذكر والمسيرات الاحتفالية بالبيارق والأعلام، إضافة إلى الإنشاد الذي اقتصر في البداية على المدائح النبوية ثم توسع ليشمل مدح الأولياء وسرد قصص الكرامات، وساق الاختلاف بين التصور الصوفي وتصور أهل السنة والجماعة إلى غضب الفقهاء وأولي الأمر، الذين تعاملوا معها على اعتبارها تنظيمات شيعية الطابع، تستهدف الانقضاض على الدولة، لذلك اتُهم غالب المتصوفة الأوائل بالكفر والزندقة وقتل بعضهم بعضًا على نحو بشع، ودفع الاضطهاد كبار المتصوفة إلى اللجوء إلى أطراف الدولة الإسلامية، كبلدان المغرب العربي والسودان، بعيدًا عن سطوة الفقهاء ويد الدولة الباطشة.. هناك تأسست روابط وحركات صوفية قوية لعبت دورًا مؤثرًا بعد ذلك في نشر الإسلام في قارة إفريقيا.

درويش إفريقي

التصوف يغزو قلب القارة السمراء

دخل الإسلام إلى قارة إفريقيا مع فتح مصر في عهد الخليفة الثاني عمر بن الخطاب، وفي عهد عثمان بن عفان اتجه حاكم مصر عبد الله بن أبي السرح بجيش كبير للسيطرة على النوبة والسودان، إلا أن حملته العسكرية لم تنجح تمامًا، وانتهت بمعاهدة مهدت السبيل لانتشار الإسلام في السودان.

بعد عدة عقود، تحركت جيوش المسلمين غربًا في عهد الخليفة عبد الملك بن مروان، تزامنًا مع تحرك أسطوله على الساحل الإفريقي، ونجحت حملات الدولة الأموية في الاستيلاء على ما يعرف الآن بالمغرب العربي، كما سيطر الأسطول على المناطق الساحلية للحبشة والصومال.

اتجهت الجيوش الإسلامية شمالاً إلى الأندلس، بدلاً من التوسع جنوبًا في وسط وغرب إفريقيا.. لم يبدأ هذا التوسع إلا في القرن الخامس الهجري على يد دولة المرابطين في المغرب بقيادة يوسف بن تاشفين، الذي توسع على ساحل المحيط الأطلنطي وفي العمق الإفريقي، ولقد أسس المرابطون مدينة “تمبكتو” في أواخر القرن الخامس الهجري، وهي التي صارت بعد ذلك مرتكزًا إسلاميًّا قويًّا في غرب القارة السمراء، ونشأت، بعد ذلك، عدة ممالك إسلامية مستقلة في غانا ومالي والنيجر، ومنها انطلقت حملات عسكرية متتابعة نحو مناطق جنوب الصحراء الكبرى.

ويتفق غالب الباحثين على أن الطرق الصوفية، خاصة الطريقتين القادرية والتيجانية، قد لعبت الدور الأبرز في نشر الدعوة الإسلامية في مناطق جنوب الصحراء الكبرى وغرب إفريقيا، وانتشر عدد كبير من أقطاب الحركات الصوفية المغربية والسودانية في قرى ومدن إفريقيا شرقًا وغربًا منذ القرن الخامس إلى القرن الثالث عشر الهجريين، ولقد أسهمت جهودهم في مزج التصوف بالدين الإسلامي، كما نجحوا في نشر اللغة العربية وبعض مفردات الثقافة العربية، وبهذا نجحت الحركات الصوفية في تشكيل حزام صوفي، امتد جنوبي الصحراء الكبرى من ساحل المحيط الأطلنطي حتى ساحل البحر الأحمر.

ملامح التصوف الإفريقي

تحرك عدد من الفقهاء على هامش تلك الحملات العسكرية في محاولة لنشر الإسلام، إلا أن جهودهم لم تنجح.. لم يكن جهل سكان مناطق وسط وغرب إفريقيا باللغة العربية يسمح لهم بتقبل التعقيدات الفقهية التي سادت مطلع القرن الخامس الهجري. وكان من المنطقي تقبل الجانب الطقوسي من التصوف أكثر من جانبيه الفلسفي والفكري.. لقد انتشرت الممارسات الصوفية بسرعة بين سكان عُمق إفريقيا لأنها كانت أقرب لطبيعة حياتهم البسيطة ولا تختلف كثيرًا عن شعائرهم البدائية.

ليس لدينا ما يكشف عن طبيعة التصوف الإفريقي منذ القرن الخامس الهجري إلى مطلع القرن الثالث عشر الهجري، ولكن عندما نتأمل احتفالات المتصوفين الأفارقة في الوقت الحاضر، سنجد تشابهًا واضحًا بينها وبين الممارسات الإفريقية البدائية.. هناك مسيرات راقصة بالبيارق والأعلام، يرقص المشاركون فيها على نحو حماسي باستخدام حركات الجذع والأطراف.. هناك حلقات الرقص حول النيران ليلاً على إيقاع قوي صادر عن طبول ضخمة، يتوافق مع ترديد المشاركين لأغنيات بسيطة الكلمات ومتكررة المقاطع.. إجماليًّا، لن نجد اختلافًا كبيرًا بين ممارسات هؤلاء المتصوفة وبين الممارسات الإفريقية التقليدية ذات الأصول البدائية.

لدينا دليل آخر على مزج المتصوفة الأفارقة بين ممارسات التصوف التقليدي مع مفردات الحياة البدائية القديمة، ألا وهو التشابه الواضح بين الصفات التي يسبغونها على القطب الصوفي وصفات الشامان، ذلك الكاهن الطبيب الذي يعد مسؤولاً عن الحياة الروحية لأفراد القبيلة.

لقد لعب القطب الصوفي نفس الدور العضوي الذي يلعبه الشامان في حياة القبائل الوثنية، وحظي بنفس الاحترام الذي يصل إلى حد التقديس.. وهناك إيمان راسخ من الجماعة الشعبية بقدرة كل منهما على صنع المعجزات (الكرامات في الحالة الصوفية)، خاصة وهما يعتمدان على بعض الممارسات الخاصة في علاج أمراض جسدية ونفسية.

ويؤمن غالب المتصوفين الأفارقة، وفقًا لبعض الدراسات، بأن ترتيل الأناشيد والأوراد الصوفية بصوت مرتفع له قوة سحرية تشبه الرُقى والتعاويذ السحرية الوثنية.

توفر اللغة دليلاً ثالثًا، فالأفارقة في دول جنوب الصحراء الكبرى يستخدمون مفردات عربية في لغاتهم المحلية حتى الآن.. نلاحظ أن تحريفًا طفيفًا قد طرأ على غالبية تلك المفردات، ربما لأن اللغات الأصلية لتلك القبائل فرضت على المتحدثين بها عدم تسكين الحرف الأخير، وبالتالي تنتهي معظم الكلمات العربية بحرف الواو: (مثال: تنطق عبارة “يا كريم يا الله” على هذا النحو “يا كريمو يا اللهو”)، وهناك عشرات الأمثلة المشابهة لتحريف المفردات العربية وإدماجها في السياقات اللغوية الإفريقية

المختلفة.. نلاحظ كذلك أن تلك المفردات ذات طبيعة دينية بالأساس، وترتبط أكثر ما ترتبط بالابتهالات والأدعية والمدائح النبوية.

من الملامح المميزة للتصوف الإفريقي مكانة المرأة الرفيعة في الحركات الصوفية.. صحيح أن النساء يشاركن في طقوس الحركات الصوفية في المركز الإسلامي، إلا أن مشاركتهن كانت محدودة وقاصرة على النساء المهمشات، أما في غرب إفريقيا، فقد لعبت النساء دورًا بارزًا في الحركات الصوفية، وأبرزهن على الإطلاق هي “نانا أسامو” المعروفة كذلك باسم “نانا أسماء بنت عثمان فودي” (1793- 1864).

كانت “نانا” ابنة مؤسس خلافة سوكوتو الإسلامية في شمال نيجيريا، واهتمت بالشعر وتعليم المرأة، واعتمدت في ذلك على الزوايا والمدارس الصوفية في مملكة والدها وإخوتها.

زيارة لضريح نانا أسامو

الشعر الصوفي الإفريقي

تكشف الآثار اللغوية عن اعتماد المتصوفين الأفارقة الأوائل على اللغة العربية في السياق الديني فقط، في حين كانوا يستخدمون لغاتهم الأصلية في الحياة اليومية.. يدل هذا على أن المتصوفة الأفارقة الأوائل استخدموا اللغة العربية في الممارسات والطقوس الصوفية، واعتمدوا على الشعر المكتوب باللغة العربية في نشر مبادئ وتعاليم التصوف، وتشير مصادر عدة إلى أنهم حرصوا على إثراء لغتهم العربية عن طريق زيارة دولة المغرب بهدف الاحتكاك بالعلماء والأدباء العرب.

يرى الباحث النيجيري أولداميني أجوناكي، أستاذ الدراسات الدينية في جامعة هارفارد والمتخصص في الشعر الصوفي، أن المتصوفين الأفارقة لم يكتبوا الشعر الصوفي إلا في مرحلة متأخرة، وأن كتابته اقتصرت لفترة طويلة على رجال دين وشعراء من أصول عربية، وفي بداية القرن الثامن الهجري على نحو التقريب ظهرت قصائد صوفية لشعراء أفارقة لكنها لم تنل أي اهتمام في شعراء وأدباء المشرق العربي، ويرجع ذلك إلى عدم تمكن هؤلاء الشعراء من اللغة العربية، وكونهم يدمجون الكثير من الكلمات في لهجاتهم الأصلية في متن القصائد.

ويؤكد الباحثون في الشعر الصوفي الإفريقي أن قصائد الأفارقة الصوفية المكتوبة بالعربية كانت نوعًا من التقليد المباشر للقصائد التراثية، خصوصًا الأشعار الأندلسية وقصائد ابن الرومي وحافظ الشيرازي.

ولقد اقتصرت أغراض تلك القصائد على الوعظ والمدائح النبوية ومدح أولياء الله الصالحين، التي كانت تُلقى في (الحضرة) وفي المناسبات الدينية مثل شهر رمضان والمولد النبوي، ونادرًا ما كتبت قصائد في الغزل أو الخمريات، وافتقرت قصائد الأفارقة للبلاغة التقليدية في ذلك العصر، ولم تتطرق لأي من الموضوعات الفلسفية التي تناولها متصوفة من أمثال محيي الدين بن عربي في قصائدهم.

من الملامح المميزة الأخرى للشعر الصوفي الإفريقي هو كسر الحاجز بين المكتوب والمنطوق، فرغم سطوة التقاليد الشعرية العربية، تأثر الشعر الإفريقي المكتوب بالنزعة الشفاهية في الأدب الإفريقي القديم، وقد لاحظ بعض الباحثين وجود تأثير سابق من الأشعار والأهازيج الوثنية في المدائح النبوية.. وظلت عناصر سالفة من مدح آلهة وشيخ القبيلة في تلك المدائح.

القرن العشرون

نادرة هي القصائد الصوفية الإفريقية المكتوبة قبل مطلع القرن العشرين بسبب انعدام الطِباعة.. لقد طوى النسيان مئات القصائد والدواوين الشعرية وعشرات الشعراء، إلا أن هناك عدة قصائد مكتوبة على أوراق مفردة أو مطويات مصنوعة من الجلد.

ومن بين أشهر شعراء التصوف الأفارقة في القرن العشرين، من السنغال الشاعران: شيخ الإسلام إبراهيم ناسي، وأحمدو بامبا المُلقب بخادم الرسول، ومن نيجيريا الشعراء: أبو بكر العتيق سانكو، وعليو نا مانجي الملقب بالمعلم علي، وعثمان كبارا الملقب بشاعر الحب الإلهي.

لكل شاعر منهم تجربته الحياتية والشعرية الخاصة، إلا أن القاسم المشترك بينهم هو مولدهم في أواخر القرن التاسع عشر أو مطلع القرن العشرين، وأنهم كانوا يتقنون اللغة العربية إلى حد بعيد، فقد حصلوا على قسط من التعليم الديني منذ الطفولة في بلدانهم ثم زاروا المراكز الإسلامية في المشرق في أثناء رحلات الحج، خاصة الجامع الأزهر في مصر.

وكان لدى شعراء التصوف الإسلامي الأفارقة اطلاع واسع على الثقافة الإسلامية، وإن تخصص معظمهم في دراسة السيرة النبوية، كما تمتعوا جميعًا باحترام وتقدير كبيرين على المستويين المحلي والإسلامي، ويلاحظ أولداميني أجوناكي أن التعليم الإسلامي النظامي التقليدي الذي تلقاه غالب هؤلاء الشعراء أفادهم في تعميق فهمهم للإسلام، دون أن يكبح جماح خيالهم ويحد من التجارب الروحية الصوفية عرفانية الطابع.

وتتسم قصائد هؤلاء الشعراء بتبني الشكل التقليدي للقصيدة العربية والحرص على الوزن والقافية، كما تتبنى أغراض القصيدة التقليدية، وتستخدم التعبيرات البلاغية التي انتشرت في قصائد المتصوفة السالفين، مثل تعبيرات: الظلام والنور، والحب الإلهي، والفناء في المحبوب.. وتتمحور أفكار غالب القصائد على مشاهد من السيرة النبوية، خصوصًا رحلة الإسراء والمعراج، وغيرها من المواقف العجائبية المنسوبة إلى الرسول، وأقطاب الصوفية في الزمن الغابر.

التحول الكبير

بدأ التحول الأبرز في الشعر الصوفي الإفريقي في سبعينات القرن العشرين على يد مجموعة من الشعراء والشاعرات الشباب. كان التصوف في وجهة نظر هذا الجيل الجديد موقفًا إيمانيًّا ومعرفيًّا، وصارت الأفكار الصوفية بالنسبة إليهم موضوعًا لفهم العالم وكتابة القصيدة في ذات الوقت، وواكب هذا اهتمام شعراء الحداثة العرب بالنصوص الشعرية الصوفية والاستفادة من لغتها وأفكارها في أعمالهم.

عايدة توري

لقد نشأ شعراء هذا الجيل في ظروف مختلفة، من بينها القطيعة مع اللغة العربية، وعدم المعرفة بغالب الطقوس والشعائر الإسلامية والصوفية، إلا أن الإحباط الناجم عن إخفاق زعماء حركات التحرر في تحقيق الديمقراطية والرخاء الاقتصادي دفع بقطاعات كبيرة من المبدعين الشباب إلى البحث عن ملجأ للهرب من تبعات الواقع الكئيب.

علينا أن ندرك أن القصيدة الصوفية جاءت لتخدم مشروع هؤلاء الشعراء، وأنها كانت بين أشكال أخرى من القصائد عن الطبيعة والواقع السياسي والاجتماعي، وهناك عدد قليل من الشعراء الذين تخصصوا في كتابة الشعر الصوفي، أبرزهم على الإطلاق الشاعرة الجابونية عايدة توري، ومن أشهر قصائدها “كن كائنًا حقًّا” وتقول فيها:

ناضل لكي تكون ضعيفًا..

استشعر نعمة الأنوثة،

وأغرِق نفسك في الخواء،

وتمادَ في الغرق، 

وتعلّم 

قيمة الاستسلام..

ناضل حتى تكون ضعيفًا

لتعرف معنى القوة الحقيقية..

بعدها.. اغرق في ذاتك،

واندفع بقوة القصور الذاتي إلى معارج السماء..

لوحة فنية تتضمن قصيدة لعايدة توري

لقد اقترب هؤلاء الشعراء من الشعر الصوفي الإسلامي وهم مسلحون بمعرفة فلسفية غربية وتراث إسلامي صوفي عميق، امتزج بعناصر تقليدية بدائية، ممتزجة بمعارف حديثة عن العالم والتاريخ والفلسفة، وكان لهذا المزيج العجيب تأثيره الواضح في بينية القصيدة وأغراضها، ولقد تجاوزت القصائد الحديثة القالب التقليدي للقصيدة العربية، فقد تخلص الشعراء من قيود الوزن والقافية، ونادرًا ما نجد أثرًا لكلمات عربية في تلك القصائد الحديثة المكتوبة باللغتين الإنجليزية والفرنسية.

تخلص الشعراء الجدد كذلك من الموضوعات التقليدية للقصيدة الصوفية الإفريقية، فلا نجد أثرًا للوعظ والإرشاد والمدح النبوي.. يمكن القول إنهم اهتموا بالجانب الفكري والفلسفي للتصوف، وتجاهلوا الجانب الطقوسي، لذا نجد أن قصائدهم ذات طابع وجودي، تستغرق في تأمل الكون/ الوجود/ المعرفة/ الإنسان، وصارت القصائد أقرب إلى صلاة خاصة، يؤدي الاستغراق فيها إلى التحرر من سطوة العالم والتحليق بين طيات الوجود، على نحو يذكرنا بالهدف الأسمى للتصوف، وهو التخلي عن هذا العالم (عالم الفناء والعدم)، من أجل الارتقاء والالتحام بجوهر الوجود.