دراسات وتحليلات

العلاقات الإسرائيلية-الأفريقية: نظرة على العامل الأمني والعسكري

خلال العقدين الماضيين شهدت العلاقات الإسرائيلية-الأفريقية انتعاشةً ملحوظة، بعد مرورها بمرحلتين متضادتين تمامًا. وقد عبَّر بنيامين نتنياهو عن هذه الانتعاشة خلال كلمته في مؤتمر الـ ECOWAS في نيروبي عام 2016 قائلًا:

إسرائيل تعود إلى أفريقيا، وأفريقيا تعود إلى إسرائيل.

تمثِّل أفريقيا فرصةً كبرى لإسرائيل؛ فمن جهة فتل أبيب تتطلع إلى كسب أصوات الدول الإفريقية في المحافل الدولية، ومن جهةٍ ثانية تُفيد التوقعات الاقتصادية بأن الاقتصاد الأفريقي سيمتلك أفضل فرص النمو، إلى جانب ما تختزنه القارة السمراء من موارد معدنية ومائية وطاقاوية وغيرها، ومن جهةٍ ثالثة يمكن توسيع نشاطها العسكري والأمني وتجارة السلاح في هذه القارة الممتلئة بالنزاعات والحروب الأهلية، إلى جانب تأمين طريق البحر الأحمر وعزل إيران وقطع طرق إمداد المقاومة الفلسطينية. أخيرًا، قد تقدِّم بعض دول هذه القارة حلًا لمشكلة طالبي اللجوء الأفارقة داخل الأراضي المحتلة، حيث لا ترغب حكومة إسرائيل ببقائهم وتسعى إلى إبعادهم.

وفي هذا السياق، نشر في معهد دراسات الأمن القومي التابع لجامعة تل أبيب، في إبريل الفائت 2021، في مجلته المعنونة بـ “Strategic Assessment”، ورقةً موسومة بـ “العامل الأمني في العلاقات الإسرائيلية-الأفريقية“، لمؤلفها “يارون سلمان” المُحاضِر في برنامج إدارة وحل النزاعات في جامعة بن جوريون. أمّا المعهد الناشر فهو أحد المعاهد المُقرَّبة من مراكز صناعة القرار، ومجالاته البحثية تتمحور حول مواضيع الأمن القومي والاستراتيجيا والحرب السيبرانية.

السياسات الأمنية والدبلوماسية

منذ نشأتها، احتلت السياسات الأمنية والعسكرية في إسرائيل أولويةً قصوى، حيث إنَّ هذه السياسات ترقى إلى مرتبة الوجود، فهي ككيانٍ استيطاني توسعي عنصري باركته قوى الاستعمار القديم والجديد تقف على الضد من مصالح الشعوب في المنطقة وتطورها، وبالتالي فإنَّ إزالتها من الوجود هدف رئيس عند أي قوة تقدمية.

تعي إسرائيل كل هذا، لكن القصة لا تنتهي هنا. إذْ تمتلك أيضًا صناعة عسكرية تحتل اليوم المرتبة الثامنة بين كبار مصدِّري الأسلحة في العالم، وهذه الصناعة تبحث دومًا عن التوسع في أسواق جديدة.

من جهة ثانية، تتطلب التحركات والجهود الدبلوماسية الجادة رصيدًا من الاستثمار لا قِبَل للكيان على المخاطرة به، فمن جانبٍ ثمّة المحدَّد الاقتصادي والموازنة المحدودة المخصصة للمساعدات الخارجية. ومن جانبٍ آخر ثمَّة عامل عدم التأكد، فأي استثمارٍ في الخارج قد لا يعود بالنتائج المتوقعة منه، فيذهب خسرانًا.

ظهرت هذه الحالة من التعارض بين الأمني والدبلوماسي، بين وزارة الحرب ووزارة الخارجية في إسرائيل، في أفريقيا الستينيات. حيث أنَّ دعاية “الكفاءة العسكرية الإسرائيلية” في القارة الأفريقية ولَّدَت عند حكوماتها تصورًا مؤداه أنَّ العلاقات الدبلوماسية مع إسرائيل تتضمن تلقائيًا الاستفادة من خبرتها العسكرية. بهذا ارتبطت سمعة إسرائيل في إفريقيا بتصدير هذه “السلعة”. ولكن، كان الانخراط العسكري الصهيوني في القارة السمراء يفوق قدراتها على تلبية توقعات ومطالب الحكومات الأفريقية.

رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق نتنياهو خلال جولة إفريقية
رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق نتنياهو خلال جولة إفريقية

العودة إلى أفريقيا

يمكن تمييز ثلاثة مراحل متباينة في مجمل العلاقات الإسرائيلية-الأفريقية:

  1. المرحلة الأولى:

امتدت منذ أواسط الخمسينيات تقريبًا إلى أواخر الستينيات، وتُسمى هذه الفترة بـ “العصر الذهبي” أو “شهر العسل”، حيث ازدهرت العلاقات الثنائية بين أغلب دول القارة والكيان، وافُتتحت العديد من السفارات، وأُرسِل الخبراء والمستشارون والمدربون، ووقِّعَت عقود مشاريع تتعلق بالبنية التحتية. هذه الاختراقة للقارة السمراء عزّزتها زيارة جولدا مائير، وزيرة الخارجية آنذاك، في العام 1958 إلى مجموعة من دول غرب أفريقيا.

بالمقابل، ولعدة عوامل جيوبولتيكية، منها علاقة الكيان بالدول الاستعمارية الغربية، وعدم قدرته على تلبية توقعات الحكومات الأفريقية والنفوذ العربي في القارة السمراء وتأييد طرح الاتحاد الأفريقي، أخذَت العلاقات الإسرائيلية مع دول القارة تتراجع منذ العام 1967 إلى أن انقطعت مع حرب أكتوبر 1973.

  1. المرحلة الثانية:

وهي “مرحلة القطيعة”، وقد امتدت على فترة تزيد عن عقدين. تحديدا منذ أواخر الستينيات حتى بداية التسعينيات، لم تشهد فيها الاختراقات الإسرائيلية في إفريقيا تحقيق أهدافٍ لافتة، بل كانت في مجملها عملية فاشلة.

  1. المرحلة الثالثة:

مع مطلع التسعينيات، وسقوط الاتحاد السوفييتي وتفكك الكتلة الشرقية وتوقيع اتفاق أوسلو ولاحقًا الحرب على الإرهاب، عادت تدريجيًا العلاقات إلى الانتعاش. كان التاريخ الأبرز هو العام 2009 مع زيارة وزير الخارجية آنذاك أفيجدور ليبرمان –يصحبه طائفة من تجار السلاح– إلى مجموعة من الدول الأفريقية (أغلبها في شرق القارة)، ومن ثَمَّ زيارة أخرى في 2014 بصفته وزير الدفاع هذه المرة، وبعدها زيارة نتنياهو في 2016، وألحقها بزيارة أخرى في 2018. كانت هذه هي “مرحلة الانتعاش”، والتي لازلنا ضمنها.

في المرحلة الأولى كان الهدف التمدد في أفريقيا جنوب الصحراء، وتحقيق نفوذٍ يُؤمِّن أطراف الشرق الأوسط للتخفيف من ضغط دول الطوق العربية، والاعتماد على الغرب وتوسيع حضورها في القارة السمراء، إلى جانب تحسين صورتها على الساحة الدولية.

كان إطار المرحلة الأولى إطارَ دولٍ مستقلة حديثًا تسعى إلى تطوير البنية التحتية ومؤسسات الحكم، إلى جانب صراع المعسكرات على كسب النفوذ في القارة. بينما في المرحلة الحالية، يتسم إطار العلاقات بحضور مسألة الحرب على الإرهاب، ومحاربة حركات التطرف والحركات المناوئة لأنظمة الحكم في القارة، فضلًا عن مسائل تطوير القطاع الزراعي والمائي والتنافس الأمريكي-الصيني.

أهداف العلاقات الإسرائيلية-الأفريقية

تعود إسرائيل اليوم إلى القارة مدفوعة بمجموعة من الأهداف، والتي يمكن تبويبها في خمس ملفات رئيسية:

  • الملف الاستراتيجي.
  • الملف العسكري.
  • الملف الاقتصادي.
  • الملف السياسي.
  • ملف الهجرة.

ففي الملف الاستراتيجي تسعى إسرائيل إلى استئصال النفوذ الإيراني وعزلها في القارة –أكد ليبرمان على هذا صراحةً– بما يمنع إيصال أي شحنات أو مساعدات إلى المقاومة الفلسطينية وحزب الله، وتأمين طريق البحر الأحمر لتجارتها، وكسب حلفاء وحضور في القارة يتيح لها لعب دورٍ فاعل في السياسة الغربية بالعموم والأمريكية بالخصوص فيما يتعلق بالملف الأفريقي.

ليبرمان
ليبرمان

أمّا عسكريًا، فتتزاوج أهدافها مع أهداف بعض الحكومات الأفريقية، على سبيل المثال أعرب نتنياهو صراحةً عن أنَّ أعداء كينيا هم أعداء الكيان. حيث تسعى إسرائيل في سياستها إلى محاربة الحركات الإسلامية والراديكالية لمنع أي تهديد قد يطال خاصرتها البحرية، إلى جانب كسب حصة سوقية لصناعتها العسكرية في القارة، فهي سادس مُورِّد للأسلحة الخفيفة في القارة.

بينما يركز الملف الاقتصادي على فرص نمو القارة وإمكانياتها، ولا يخلو الأمر من تحديات تتمحور حول العوائق المالية، وتأمين الموارد، وتخفيف المخاطر الأمنية المتعلقة بالحضور الإسرائيلي في بعض مناطق القارة.

في حين يُنتظَر من الملف السياسي تحسين الصورة الدولية لإسرائيل، وفي المقام الأول كسب الأصوات الأفريقية في المنظمات الدولية، أو على الأقل امتناع الدول الأفريقية عن تأييد القرارات المناهِضة لها، بالغياب عن التصويت أو عدم التصويت.

أخيرًا يأتي ملف الهجرة، وهو ملف يُقدِّم صورة عن عنصرية هذا الكيان، إذْ مع دخول مجموعة من المهاجرين الأفارقة هاربين من مناطق النزاع نحو الاراضي المحتلة، دخلت إسرائيل في سعيٍ محموم للتخلص منهم، وإعادة توطينهم في مناطق أخرى خارج الأراضي المحتلة، وقد وقَّعت سرًا مع رواندا وأوغندا اتفاقًا تستقبل -بموجبه- الدولتين مجموعة من طالبي اللجوء، لكن بعد ظهور القضية في الإعلام أنكرته الدولتان.

أمّا دول القارة الأفريقية فترى في العلاقات مع إسرائيل فرصةً لفتح أبواب مغلقة في واشنطن، لعل المثال الأبرز حالة السودان واتفاقه على تطبيع العلاقات مقابل إزالته عن قائمة الإرهاب وفرص الحصول على المساعدة الأمريكية.

كما تهدف بعض الدول إلى الحصول على دعمٍ في مواجهتها لحركات التشدد والتطرف والحركات المناوئة لها، وهذه الحكومات تجد في إسرائيل ما يُقدم لها عونًا، وفي الوقت عينه تجده إسرائيل فرصة لا بد من استغلالها، كما أنَّ عدم اكتراث إسرائيل بمسائل حقوق الإنسان حين يتعلق الأمر بمحاربة جماعات إسلامية، وبالتالي عدم اكتراثه بالخروقات واستخدام مستورداته العسكرية في هجمات تطال المدنيين أو تنتهك حقوق الإنسان، تجعله مُفضّلًا عند الحكومات الأفريقية هذه.

إلى جانب هذا يلعب ضباط متقاعدون ورجال أعمال إسرائيليون دورًا وسيطًا –بفضل صلاتهم وعلاقاتهم– في عقد وإتمام صفقات الأسلحة بين الحكومات الأفريقية وبعض صُنَّاع الأسلحة الغربيين أو الدوليين بالعموم.

الجانب العسكري والأمني

تُشكِّل صادرات السلاح إلى القارة الأفريقية ما نسبته بين 2-4% من مجمل صادرات السلاح الإسرائيلية. من الناحية الرقمية، تبدو هذه النسبة ضئيلة وهامشية. لكن في الواقع فأهمية هذه العلاقات الأمنية والعسكرية لا يمكن التقليل منها.

في الجدول الأول، يظهر اتجاه متصاعد شبه مستقر لصادرات الأسلحة من الكيان إلى أفريقيا، بل إنَّ الصادرات تضاعفت بنسبة 100% تقريبًا بين العام 2018 و2019، مقارنة بانخفاضها على مستوى صادرات السلاح إلى العالم.

جدول رقم (1): اتجاه صادرات السلاح الإسرائيلي إلى العالم مقارنة مع اتجاه صادرات السلاح الإسرائيلي إلى أفريقيا.

من جهة أخرى يعطينا الجدول الثاني فكرة أوضح عن مكانة صادرات السلاح ضمن مجمل الصادرات إلى القارة الأفريقية. حيث أن نصف الصادرات من إسرائيل إلى أفريقيا في العامين 2017 و2019 كانت صادرات عسكرية.

جدول رقم (2): نسبة صادرات السلاح الإسرائيلي إلى أفريقيا من مجمل الصادرات الإسرائيلية إليها.

تهتم إسرائيل اليوم بشرق أفريقيا وغربها بالعموم، لكنها تُولي المنطقة المحاذية للبحر الأحمر أهمية خاصة، فهي منطقة حيوية بالنسبة لأمنها ونشاطها التجاري. وتتركز أنشطتها العسكرية هنا حول التدريب (الحرس الرئاسي وقوات الشرطة والأمن وغير ذلك) والتسليح وتوفير الخبراء والمستشارين العسكريين والتعاون الاستخباراتي.

أغلب صادرات إسرائيل العسكرية إلى القارة الأفريقية أسلحة خفيفة وطائرات مُسيّرة أو عتاد خفيف بالمجمل، ولا يشكِّل غياب العتاد الثقيل سياسة عند إسرائيل  حيث تحظر تصدير مثل هذه الأسلحة إلى القارة السمراء. بل مرد ذلك الضعف المالي لهذه الدول وعدم قدرتها على تحمل أعباء هذه الصفقات ماليًا. كما أنَّ طبيعة حرب العصابات وشيوع النزاعات الداخلية (لطالما دعمت إسرائيل الطرف الرجعي أو الأكثر رجعية في هذه النزاعات) بدلًا من الحروب بين الدول يُعطي أفضلية للعتاد الخفيف على حساب العتاد الثقيل.

ويمكن العودة إلى الخريطة التي أعدتها هيئة “American Friends service Committee” للحصول على معلومات هامة عن الأسلحة الإسرائيلية في بعض دول القارة واستخداماتها على الأرض.

على صعيدٍ آخر، تتسم البيانات الإسرائيلية الرسمية عن أنشطتها التجارية العسكرية بعدم الشفافية والتكتم، وقد صنَّفها تقرير مسح الأسلحة الخفيفة والصغيرة الصادر في العام 2019، بأنَّها من الدول الأقل شفافية في هذا الميدان. ولئن كان هذا حال التكتم والسرية على المستوى العالمي، فإنَّ السرية والتكتم في أفريقيا أشد.

حيث أن لامتناع إسرائيل عن تقديم معلومات تفصيلية حول نشاطها العسكري في القارة علاقةٌ بتزايد العنف فيها، كذلك لطبيعة العمليات التي تستخدم فيها الموارد العسكرية الإسرائيلية (سواء أسلحة أو تدريب أو استشارات) والتي تنصف أغلبها بالعمليات القذرة –أشار إليها تقريرٌ لمنظمة العفو الدولية وبعض مجموعات حقوق الإنسان المحلية–، وسعيها لغسل يديها من دماء الأبرياء والمدنيين في القارة، فما نعلمه عن البُعد العسكري والأمني الإسرائيلي في القارة ليس سوى ما ظهر على السطح وما خفي أعظم. إذْ لطالما قدَّمَت إسرائيل نفسها على أنَّها مقاول جيد لمصالح الدول الغربية والولايات المتحدة لإنجاز المهام القذرة نيابةً عنهم، وتعتبر حالة تعاونها مع نظام الأبارتايد الجنوب الإفريقي كاشفة في هذا الصدد.

إسرائيل في أفريقيا

الخلاصة

تُشكِّل منطقة شرق أفريقيا بالعموم، ومنطقة القرن الأفريقي بالخصوص، منطقة بالغة الأهمية لإسرائيل، وذلك لتأمين طريق تجارة البحر الأحمر، وقطع طرق تعزيز المقاومة في فلسطين ولبنان بالسلاح، وعزل إيران وإبعادها عن أفريقيا.

لكن بالمقابل ثمَّة تحديات تواجه هذه العلاقات، فمن جهة يحضر في القارة لاعبون كبار، الصين وروسيا والولايات المتحدة وفرنسا، ولكل منه استراتيجيته وتكتيكاته، ومن ثَمَّ فإن ميزانية المساعدات الخارجية الإسرائيلية الهزيلة لا يمكن أن تُوفِّر لها نشاطًا مدنيًا في القارة، وفي حال لم تستطع إسرائيل تقديم ما يُنتَظَر منها، لن يتسع لها أفق العلاقات على النحو المأمول، حدث هذا في الماضي ويمكن أن يحدث اليوم.

بإيجاز، تقوم العلاقات الإسرائيلية-الأفريقية اليوم على المنفعة المتبادلة. بينما تحتل العلاقات الأمنية موقعًا جوهريًا ضمن مجمل العلاقات الإسرائيلية مع الخارج لتحسسها الخطر الوجودي الدائم، بالمقابل تحاول التكتم والتستر على أنشطتها العسكرية، ومع ندرة المصادر تتأكد أهمية هذا الجانب وخطورته.

اقرأ أيضًا: تحليل إسرائيلي: حكومة إسرائيلية جديدة بلا أمل للفلسطينيين

علاء بريك

كاتب ومترجم سوري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى