ذات مصر Zatmasr

بين أوزيريس وسيت: كيف ظهرت أساطير الخلق في الديانة المصرية القديمة؟

عرفَتْ مصر ظهور الحضارة على أرضها منذ فترة مبكرة من تاريخ الإنسانية؛ ذلك أن المصريين الذين تجمعوا بعضهم مع بعض حول نهر النيل، قد استقروا في تلك الأرض الخصبة، فمارسوا الزراعة والتجارة، وعرفوا أنواعًا مختلفة من الصناعات والحرف، ولم يمر وقت طويل حتى أسسوا الدولة المصرية التي يحكمها الفرعون، الذي روج له على كونه سليلًا للآلهة، وكان جزء من الديانة المصرية القديمة.

الدين كان واحدًا من أهم العناصر التي حافظت على استقرار الدولة المصرية في تلك الحقبة الموغلة في القدم؛ إذ لعب دورًا مهمًّا في ترسيخ القيم المجتمعية الداعية للاستقرار والتعايش المشترك، كما ربط بين المصريين في رباط واحد مقدس، ليساعدهم على التصدي للأخطار الخارجية المحيطة بهم.

يمكن القول إن الديانة المصرية القديمة قد عرفت مجموعة كبيرة من القصص الأسطورية، والتي عبَّرت عن خصوصية الهوية المصرية، من خلال استخدام عديد من الإشارات الرمزية ذات الدلالات الجغرافية والاقتصادية والسياسية.

آتوم أحد آلهة في الديانة المصرية القديمة

كيف ظهرت الحياة على الأرض؟

هناك كثير من الأساطير التي حاول المصريون من خلالها تفسير ظهور الحياة على الأرض في الديانة المصرية القديمة، ومن بين تلك الأساطير تقف أسطورة مجمع هليوبوليس في المقدمة، وفق ما أورده الباحث السوري فراس السواح في موسوعته «تاريخ الأديان».

بحسب ما ورد في نصوص تلك الأسطورة، فقد اعتقد المصريون القدماء بأن العالم قد انبثق من الإله نون/ أونو، وهو الهيولي الأول أو المحيط الذي التقت فيه بذور جميع الموجودات قبل الخلق. ورغم الأهمية الكبرى للإله أونو في الفكر الديني المصري القديم، فقد بقي مفهومًا فكريًّا مجردًا، ولم تُبنَ له المعابد.

وإذا كان أونو هو المادة الهيولية التي ظهر منها كل شيء، فأن آتوم كان السلف الأعظم للجنس البشري، ومنه خرجت جميع الآلهة العظيمة التي عُرفت فيما بعد، ومن أهمها الإله رع، وهو الذي تحول فيما بعد ليصبح إله الشمس، وكان يُنظر إليه على كونه يركب قاربه ويتجول عبر مملكته من الشرق للغرب، وكان يحارب رمز الظلام أبيب -وهو الأفعوان الهائل الذي يسكن في أعماق النيل السماوي- ويتمكن من الانتصار عليه في كل مرة.

بحسب الأسطورة، فإن رع قد أنجب –دون امرأة- طفليه شو وتيفنوت، وسيصبح الأول منهما إلهًا للهواء، بينما ستصبح الثانية إلهة للرطوبة. فيما بعد، سيتسبب الهواء في ولادة إلهين آخرين، وهما جيب إله الأرض، ونوت إلهة السماء، وذلك عندما يفصل بينهما ليفترقا بعضهما عن بعض.

الإله سيت في الديانة المصرية القديمة

أوزير وسيت: قصة الصراع الأبدي بين الخير والشر

إذا كان الآلهة نون ورع وآتوم وشو وتيفنوت وجيب ونوت، قد مثَّلوا الآلهة العظمى التي فسر المصري القديم من خلالها ظهور الحياة والعالم المادي المحيط به في الديانة المصرية القديمة، فإنه قد احتاج للاعتقاد بمجموعة أخرى من الآلهة، في سبيل فهم طبيعة الصراع الأبدي الدائر بين الخير والشر في هذه الدنيا. ومن هنا نفهم ظهور الاعتقاد بالآلهة أوزيريس وإيزيس وسيت وحورس ونفتيس وأنوبيس.

في البداية، كان الإله أوزيريس إلهًا للطبيعة، يجسد روح الخضرة التي تموت مع الحصاد لتولد من جديد عندما تنتعش الحبوب، وبحسب ما يذكر لنا المؤرخ اليوناني بلوتارك، فإن أوزيريس كان الابن الأول لجيب ونوت، وقد ولد في طيبة بمصر العليا. وعندما ترك جيب الأرض وصعد للسماء، اعتلى أوزيريس عرش مصر بدلًا من أبيه، وألغى العادات الهمجية التي كانت معروفة وشائعة في البلاد، مثل أكل اللحوم البشرية، كما أنه عمل في الوقت ذاته على تعليم الشعب بعض العادات المتحضرة، مثل صناعة الأدوات الزراعية وإنتاج الحبوب وصنع الخبز والجعة.

وبحسب ما يذكر بلوتارك، فإن أوزيريس ترك مصر ورحل ليجوب العالم كله ناشرًا علومه وحكمته، ثم رجع ليقع ضحية المكيدة التي دبرها له أخوه الحسود سيت، ولما بُعث بعدها من الموت، رفض العودة لحكم مصر، فأضحى إله الموتى العظيم «ومنح عباده الأمل في حياة سعيدة أبدية في عالم آخر يحكمه ملك طيب وعادل»، ولعل الشعبية الكبيرة التي حظي بها الإله أوزيريس في شتى المدن المصرية القديمة، كانت بمثابة رد الفعل على إحساس الظلم والقهر الذي تغلغل في نفوس قطاع كبير من المصريين القدماء.

أما فيما يخص إيزيس، فيحكي بلوتارك أنها قد وُلدت في مستنقعات الدلتا، وأنها قد تزوجت من أوزيريس، واعتلت العرش إلى جانبه، وكانت تساعده في تحضير المصريين؛ إذ عملت على تعليم النساء الكثير من الأمور النافعة، ومنها طحن الذرة وغزل الكتان وحياكة القماش، ولما غادر أوزيريس مصر لينشر حكمته حول العالم، تولت إيزيس مهمة حكم مصر، وأدارت الأمور فيها بحكمة ودراية وخبرة.

نقطة التحول الأهم في سيرة الإلهة إيزيس وقعت عندما تم اغتيال أوزيريس، إذ تحكي الأسطورة أن الزوجة الوفية قد تملَّكها الحزن، «فقصَّت شعرها، ومزقت ثيابها»، وانطلقت تبحث عن الصندوق الذي يحمل جثة زوجها، وكان أتباع سيت قد ألقوا به في نهر النيل، وبحسب الأسطورة، فإن التيار قد جرف التابوت إلى مصب النهر على البحر، وانتقل التابوت إلى الساحل الفينيقي؛ حيث استقر على عند جذع شجرة في مدينة جبيل.

ولما كان التابوت مباركًا بسبب جثمان الإله أوزيريس، فإن الشجرة قد كبرت بسرعة عجائبية، وأحاطت بالتابوت، واشتهر أمر تلك الشجرة في جميع البلاد. فلما سمعت إيزيس بالخبر، عرفت السر، وذهبت إلى مدينة جبيل وهي متنكرة، وتولت رعاية ابن الملكة، ثم كشفت عن شخصيتها لها فيما بعد، فقامت الملكة بتسليمها التابوت، وعندها أخذت إيزيس جثمان زوجها الراحل، فغسلته وأخفته في مستنقعات الدلتا، ولكن –للأسف- تصل الأخبار إلى سيت، فيرسل أعوانه ليأخذوا جثمان أوزيريس ويقطعونه إلى 14 قطعة، ويبعثرونها في شتى أقاليم مصر.

الزوجة الوفية، تعمل مرة أخرى على تحقيق المستحيل، فتبحث عن جميع القطع المبعثرة، وتتمكن من العثور عليها جميعًا، ما عدا العضو التناسلي، فتقوم بتجميع جثمان زوجها، وتؤدي شعائر التحنيط، لتعيد القتيل إلى الحياة مرة أخرى، من خلال تلاوة بعض التعاويذ السحرية، ولكن زوجها يفضل العودة لعالم الأموات، لتأخذ إيزيس ولدها حورس وتربيه في أحراش الدلتا، بعيدًا عن عيون أعوان سيت.

وإذا كان أوزيريس وإيزيس قد مثَّلا قيم الخير والحق والعدل في الديانة المصرية القديمة، فإن الإله سيت على الجانب المقابل قد مثَّل النقيض، فبحسب ما يذكر لنا بلوتارك، فإن سيت كان يحسد أخاه، ولذلك دبر مؤامرته المشهورة، عندما دعا الملك إلى حفلة كبيرة، وبعد أن انتهت مراسم الاحتفال، أمر سيت بإحضار تابوت بديع التصميم، وقال إنه سيعطيه هدية لمن يناسب قياسه بالضبط. ودعا أوزيريس إلى النوم في التابوت، وبمجرد أن فعل ذلك، اندفع المتآمرون من كل صوب وأغلقوا التابوت عليه، وثبَّتوه بالمسامير، ثم ألقوا به في النيل.

يظهر سيت في الأسطورة باعتباره الخصم الأبدي لأوزيريس، وكتجسيد للصحراء وللجفاف والظلام، «فكل ما ينضوي تحت زمرة الخلق والبركة يأتي من أوزيريس، وكل ما ينضوي تحت زمرة التدمير والفساد يأتي من سيت».

رغم كل ما سبق، حظي الإله سيت بمقام محترم في كثير من الفترات التاريخية في مصر القديمة. فمثلًا، سوف نجد أن ملوك الهكسوس قد طابقوا بين الإله سيت من جهة، وإلههم المحارب سوتيخ من جهة أخرى. وفي خلال عصر المملكة الحديثة، لم يتردد رمسيس الثاني في إعلان نفسه «حبيب الإله سيت»، هذا في الوقت الذي تسمى فيه أبوه باسم سيتي الأول، نسبةً للإله سيت.

أما الإلهة نفتيس، فهي زوجة سيت، وتقول الأسطورة إنها كانت عاقرًا، ولما أرادت أن يكون لها ولد من أوزيريس، فإنها قد سقته خمرًا حتى سكر، وأخذته بين ذراعيها وحملت منه بابنها أنوبيس، وبعد أن دبَّر زوجها مؤامرته ضد أوزيريس، فإنها هجرت سيت، وساعدت أختها إيزيس في تحنيط جثة الإله القتيل.

تمثال للإله حورس

أما حورس، فهو الإله المنتقم، الذي ستربيه أمه إيزيس في أحراش الدلتا، حتى يشب ويكبر، ثم يأخذ حقه من عمه المغتصب. وقد صُورت حملات حورس ضد سيت على جدران معبد أدفو، ودامت الحرب بين الطرفين طويلًا، حتى انعقدت محكمة الآلهة، وأصدرت حكمها بإعلان حورس حاكمًا على مصر، ولقبته بحورس سيد الأرضين.

أما أنوبيس –الابن غير الشرعي لأوزيريس- الذي لطالما صوَّرته النقوش القديمة في هيئة ابن آوى أسود اللون ذي ذيل كثيف، فقد أظهرته الأسطورة وقد أصبح مساعدًا لأوزيريس في طقوس التحنيط، كما أنه يلعب دورًا رئيسًا في أحداث محاكمة الموتى.

وإذا كانت كل تلك الآلهة قد عبرت عن قيم الحق والخير والعدالة في فترة الدولة القديمة، فإن أشهر الآلهة الذين ارتبطوا بمصر -في العصور التالية- كان هو الإله أمون، الذي عُرف في بعض الفترات باسم أمون- رع.

وبحسب ما هو متوفر لدينا من معلومات، فإن الإله أمون لم يكن معروفًا في فترة المملكة القديمة، وبدأ ظهوره مع حكم الأسرة الثانية عشرة، والتي عُرف ملوكها باسم أمينمحات، بمعنى «أمون يقود». وفي تلك الأوقات تحديدًا تعاظمت مدينة طيبة، التي كانت مركز عبادة الإله أمون، ليصبح أمون هو الإله الأهم في كل البلاد المصرية، كما أن عبادته قد انتشرت في بعض الأقاليم التي تمكنت الدولة المصرية من السيطرة عليها في عصر الدولة الحديثة.

عبادة أمون في مصر تعرضت لضربة قوية في عهد الملك المصري أمنحتب الرابع، الذي غيَّر اسمه إلى إخناتون، وذلك بعدما رفض الملك عبادة أمون، ودعا الشعب لتوحيد الآلهة في شكل إله واحد فقط، وهو الإله أتون. ولكن الأمور سرعان ما عادت لطبيعتها بعد وفاة إخناتون، إذ تمكن كهنة أمون من استعادة سيطرتهم على الحياة الدينية في مصر، وأقنعوا الملك الجديد بتحويل اسمه من توت عنخ أتون إلى توت عنخ أمون، بمعنى «الصورة الحية لأمون».

من الجدير بالذكر هنا، أن عبادة أمون قد ارتبطت بمعبودين آخرين، وهما زوجته المسماة مُت، وكانت تظهر في هيئة القطة أو اللبؤة، وابنه خونس/ خينسو الذي عُرف بكونه إلهًا شافيًا وطاردًا للأرواح الشريرة.

رحلة البعث والخلود في الديانة المصرية القديمة

ديموقراطية الخلود ورحلة الحساب الأخروي

من السمات المهمة التي ميزت الديانة المصرية القديمة، أنها قد أفردت مساحة واسعة للحديث عن العالم الآخر، وعن البعث والحساب بعد الموت. تلك السمة لم تنشأ من فراغ، ولم تظهر من تلقاء نفسها، ولكنها –على الأرجح- قد ظهرت في سياق تطور الظروف المادية التي عرفتها مصر في تلك العصور السحيقة، فبحسب ما يذكر الباحث السوري فراس السواح في موسوعته عن تاريخ الأديان، فإن الاعتقاد المصري بالبعث بعد الموت، كان محصورًا لدى الفرعون في البداية، ثم تطور –تبعًا للظروف السياسية- ليتم تعميمه ليشمل جميع المصريين.

مع بداية التاريخ المصري القديم، كان يُنظر للفرعون على كونه السليل الشرعي للآلهة، وأنه سيُبعث بعد الموت، لتنضم روحه إلى أرواح أجداده المقدسين، ومن هنا كان من الطبيعي أن يتم الاهتمام بقبره، كما اهتم النبلاء وكبار رجال الدولة بوضع قبورهم بجوار قبر الفرعون، لعلهم يحظون بفرصة للبعث بعد الموت مثل مليكهم، ولكن مع اهتزاز صورة الملك كممثل أعلى للإله ونقطة اتصال السماء بالأرض، حصل اهتزاز شامل في القيم الدينية المعروفة في مصر. فمنذ نهايات حكم الأسرة السادسة، سادت اللامركزية السياسية، وعمل حكام الأقاليم على الاستقلال، كما عملوا على تنمية ثرواتهم المحلية، ولما كان الفرعون في تلك الفترة التاريخية قد تخلى عن دوره كمصدر لقوة ونفوذ النبلاء، فقد انعكس ذلك على الحياة الدينية؛ إذ تخلى الفرعون عن مكانه في المُتخيل الديني كشفيع من أجل الخلود.

هذا التغير سرعان ما سيلقي بظلاله على الحياة المعيشة؛ إذ سنجد النبلاء بعد أن كانوا يبنون مدافنهم قرب مدفن الفرعون، فإنهم قد عملوا على بناء قبورهم في مدنهم، وسرعان ما قلدتهم جميع فئات الشعب، «وبذلك ولدت فكرة الجنة السماوية المُعدة للصالحين جميعهم بصرف النظر عن منشئهم الطبقي، وساد ما يمكن تسميته بديموقراطية الخلود».

النصوص المنقوشة على جدران المعابد، والمدونة في البرديات القديمة، تخبرنا عن تفاصيل الحساب الأخروي في الديانة المصرية القديمة الذي كان المصريون يؤمنون بوقوعه بعد الموت. تبدأ تلك التفاصيل بعد وقوع الوفاة مباشرة؛ إذ سيتعين على المتوفَّى أن يجتاز الطرق الصعبة التي تفصل عالم الأحياء عن عالم الموتى. وعندما ينجح في الوصول للأخير، سيجد في قبالته الإله حورس أو الإله أنوبيس، وسيتم اقتياده إلى قاعة العدالة المزدوجة التي يجلس الإله أوزيريس في وسطها، وبجواره كل من الإلهة إيزيس والإلهة نفتيس، بينما يصطف 42 إلهًا –بعدد أقاليم مصر- بالقرب من الحائط، وفي منتصف القاعة يوجد الميزان الكبير الذي يقف الإله تحوث بالقرب منه، في حين يستعد الوحش عم- ميت للانقضاض على المتوفى.

في البداية، يمر المتوفَّى أمام الآلهة، فيعلن أمام كل منهم عن براءته من إحدى التهم الشنيعة التي كانت مرفوضة ومحرمة في مصر القديمة، وبعدها يقترب من الميزان، ليوضع قلبه في كفة، بينما توضع ريشة طائر –ترمز للإلهة معات إلهة العدالة- في الكفة المقابلة، ويسجل تحوث النتيجة ثم يرفعها إلى أوزيريس، ويكون المتوفى هنا أمام خيار من اثنين: الأول، وهو أن يُحكَم عليه بالذنب، لينقض عليه الوحش عم- ميت ليلتهمه ويمحي ذكره من الوجود، والثاني، وهو أن يُحكم له بالبراءة، فيُقتاد إلى أوزيريس، ليقول له الأخير: «دعوا الميت سالمًا منتصرًا، دعوه يمضي حيث يشاء، ويعيش في صحبة الآلهة وبقية الأرواح الصالحة».

إلى هنا تنتهي رحلة الحساب، ليدخل المتوفى الجنة، وهي عبارة عن أرض خصبة، تقع وراء الأفق الغربي، وتتخللها شبكة من القنوات المائية والأنهار، وتنمو بها الأشجار بمختلف أنواعها.

 

اقرأ أيضا: بين السحر، والطوطمية، والشامانية: كيف نفهم سمات الديانات البدائية؟