زوايا

حكاية أحمد حلمي..نصير “دنشواي” وأول سجين لحرية الرأي

سنَّت الحكومات القوانين، لوضع حَدٍّ للتطرف في: العمل أو القول. وتَدخُل في حرية القول: حرية التأليف؛ ومنها: حرية الصحافة. وكلٌّ يعلم فائدة الصحافة، ولا محل لإطالة الكلام في هذا الموضوع، لكن الصحافة قد تكون وبالاً على الأمة إذا لم تُؤد وظيفتَها على الوجه الصحيح، وقد تصبح شرًّا يجب ملافاة أضراره، ومن أسف أن بعض الجرائد بمصر اخترقت سياج القانون، وأساءت فهم الحرية الصحافية؛ فأخذت تنشر كل ما أُتيح لها صحيحًا كان أو غير صحيح! حسناً كان أو قبيحًا! “.

الفقرات السابقة ليست دفوعًا حديثة؛ بل كانت جزءا من مرافعة النيابة في 15 أبريل 1909م أمام محكمة السيدة زينب، التي انعقدت للنظر في قضية صاحب جريدة ” القطر المصري” “أحمد حلمي حسين علي جاهين”. وانتهت الجلسة بإصدار حكمٍ بحبسه عشرة أشهر.. حبسًا بسيطًا، كما أمرت المحكمة بتعطيل الجريدة لمدة ستة أشهر، وبإعدام كل النسخ التي تم ضبطها، وما تمَّ طبعُه في العدد (37) بالجريدة المذكورة .

المُلفت أو الغريب؛ أنه.. وبعد الطعن على الحكم والاستئناف، لم ترض المحكمة عن الحكم الابتدائي؛ بل غلَّظته وجعلتَه “سنة مع الشغل، وأربعة أشهر حبسًا بسيطًا”! بعد أن وجَّهت إلى المذكور تهمة جديدة هي: “أنه أهان المستشارين؛ وهم موظفو الحكومة المصرية خلال جلسات المحاكمة”!

حلمي وتغطية حادثة دنشواي

“أحمد حلمي” الذي كرَّمته ثورة يوليو بعد قيامها؛ بأن أطلقت اسمَه على واحدٍ من أهم شوارع القاهرة في شبرا – حيث وُلد وعاش – هو الجَدُّ المباشر للراحل العظيم الشاعر صلاح جاهين، وحلمي هو أيضًا أول صحفي مصري يُسجَن في القرن العشرين، لكنه لم يحصل على الشهرة التي حصل عليها سجناء الفكر الآخرين في تلك المرحلة؛ من أمثال: عبد العزيز جاويش، وعلي الغاياتي، وتوفيق دياب، وأمين الرافعى، ود. محمد حسين هيكل، والشيخ علي يوسف، وعباس محمود العقاد، والدكتور محمد مندور. رغم أنه كان أحد الأبطال الذين تصدوا للإنجليز في حادث “دنشواي”. بل إنه سافر بنفسِه إلى القرية التى تتبَع المنوفية عام 1906م، لتغطية أحداث المذبحة ثم المحاكمة. وقام من هناك بنقل الصورة البشعة للمجزرة، وكتب مقالاً اعتمد عليه مصطفى كامل بشكل واضح في مسعاه لعزل اللورد كرومر. وقد نجح حلمي في أن يَشحِن الرأي العام المصري والأجنبي ضد الإنجليز. وقد دعَّم الزعيم مصطفى كامل كل ما كتبه “حلمي”، حتى أصبح المحرر الأول لجريدة “اللواءَ”.

بدأت مسيرة أحمد حلمي مع الصحافة السياسية بمقاله في “اللواءَ” تحت عنوان: “أحلالٌ على الحكومة المصرية.. حرامٌ على الرعية؟!”. وكان قد عمِل قبل ذلك في: جريدة “السلام”، ومجلة “الهوانم”. ثم توالت مقالاته وتقاريره ضد الفاسدين، حتى طال الأسرة الحاكمة والحكومة !

عباس حلمي الثاني
عباس حلمي الثاني

وكانت الصحافة – بعد تولي الخِدِيو عباس حلمي الثاني الحكم عام 1892م – قد أُعطيت دَفْعةً جديدة من الحرية؛ فصُدِر عدد كبير من الصحف والمجلات، وقد اشترك الخِدِيو ذاته في تمويل بعضها، كما قامت سلطة الاحتلال بمساندة وتمويل بعض الأحزاب والصحف، واقترنت الصحافة في تلك المرحلة الليبرالية الأولى من تاريخ مصر بظهور الأحزاب المصرية التى عبَّرت عن كل الأطياف السياسية.

من المعروف أن الخِدِيو عباس حلمي اقترب من مصطفى كامل والحزب الوطني لسنوات طويلة، لكن المسافة تباعدت بينهما بعد ذلك، ثم زادت الشُّقَّة مع تولي محمد فريد زعامة الحزب الوطني. وعبَّرت كل الصحف التي تصدر عن الحزب الوطني، أو التي تدور في فلكِه عن ذلك التوجه الجديد، الذي كان: ثوريًّا وليبراليا ومصريًّا من الأساس، ويبتعد كثيرًا عن المنهج الذي خطَّه مصطفى كامل من قبل !

وفي تلك المرحلة تعرضت حرية الصحافة لحملة عاتية في ظل التصالح والتهديد بين عباس حلمي وسلطات الاحتلال البريطاني.

وبعد وفاة مصطفى كامل، استقال أحمد حلمي من جريدة “اللواءَ”؛ خصوصًا بعد أن كانت العلاقات قد ساءت بينه وبين علي فهمى كامل؛ شقيق الزعيم ووريثه في ملكية “اللواءَ”.

حلمي نصير العمال

كان “حلمي” من أوائل السياسيين والصحفيين الذين دعوا إلى حقوق العمال، ونبَّه عمال شركة “إلترامواي” لحقوقهم؛ فأضربوا عن العمل إضرابًا تامًّا. وكان هو أيضًا، أول من تبنى فكرة المقاطعة والإضراب عن شراء البضائع الإنجليزية، وبنى خُطَّته في ذلك على أن الرأي العام في إنجلترا له السلطات الأكبر على قرار الحكومة الإنجليزية، لذا من الضروري إيلام الشعب الإنجليزي الذي تستمد منه الحكومة في لندن شرعيتها.

ودعا “حلمي” أيضًا إلى اتحاد الجيش مع الشعب، لمقاومة الاحتلال الإنجليزي للبلاد متأسيًا في ذلك بما حدث في تركيا؛ حيث ظفرت تركيا بدستور تعيش حرة في ظلِّه. ودافع عن حريته وحرية الصحافة.

كما وقفت صحيفته موقف المدافع بعنف ضد بعث قانون المطبوعات القديم الصادر في عام 1881م. وقصة ذلك التصعيد؛ أنه بعد انفتاح دور الصحافة في خِضَم ما جرى في “دنشواي”.. طلب اللورد الدون جورست، خليفة كرومر من حكومة بطرس باشا غالي إعادة بعث قانون المطبوعات، بدعوى أن “عدم تنفيذ قانون المطبوعات لم يزد الجرائد إلا تماديًا في التطرف والخروج عن الحد”!

الاحتلال الانجليزي لمصر
الاحتلال الانجليزي لمصر

وبناءً عليه أصدر مجلس الوزراء في 25 مارس 1909م قرارًا بإعادة العمل بالقانون. وكان الهدف من ذلك مراقبة الصحف ومصادرتها وإغلاقها إذا اقتضى الأمر، ووضع القيود على الأقلام!

 تظاهرات رافضة للتضييق على الصحافة

ذهب محمد فريد زعيم الحزب الوطني إلى الخِدِيو عباس حلمي – في اليوم نفسه الذي صدر فيه القانون – بعريضة احتجاج على قرار الحكومة، واشتعلت المظاهرات الرافضة من هذا التضييق على الصحافة .

وكتب أحمد حلمي في جريدة “القطر المصري”: إن ذلك البعث ما هو إلا للتضييق على الصحافة الوطنية التي بدأت تُرشِد الشعب، وتنتقد أعمال الاحتلال وحكوماته.

فرَدَّ عليه بطرس غالي في حوار لـ” البروجريه” قائلاً: “الغرض من القانون ليس منع انتقاد الحكومة بصدق وحق؛ بل نحن نقابل الصحف التي تظهر للحكومة أخطاءها بالشكر والامتنان”. فعلَّق حلمى: “ما الفرق بين التقييد بسلاسل من ذهب أو من حديد؟ أليس التقييد واحدًا على كل حال”!

وقد تزعَّم “حلمي” إحدى المظاهرات الرافضة للقانون، وقُدِّر عدد المشاركين فيها بـ 25 ألفًا من المصريين في 31 مارس 1909م، لكنَّ قوات البوليس فرَّقتهم، وزُجَّ برئيس تحرير “القطر المصري” أحمد حلمي، ورئيس تحرير “اللواءَ” عبد العزيز جاويش إلى السجن بتهم منها: العيب في الذات الخِدِيوية، وتكدير السِّلْم العام بمقتضى ذلك القانون”.

حلمي وانتقاد الأسرة العلوية

وكانت مقالة “مصر للمصريين”.. هي الوسيلة المباشرة التي جرى استغلالها لتقديم أحمد حلمي إلى المحاكمة، رغم أنها كانت مقالة منقولة من إحدى الجرائد العربية، التي كانت تصدر من الأستانة. ورأى أحمد حلمي في تلك المقالة تصويرًا بليغًا لما تعايشه الأمة؛ فأعاد نشرها في جريدته.

وكانت المقالة قوية ومباشرة جدًّا، وتُرجِع شقاءَ المصريين، وتأخرهم إلى: ممارسات عائلة محمد علي؛ سواءَ كانت ممارسات أدبية أم مادية. ويؤكد كاتب المقالة أن المائة عام التي حكمت فيها تلك الأسرة مصر؛ كانت كافية لأن تبلُغَ خلالها مصر ما بلغته فرنسا من: تَقدُّمٍ في العلم، ورُقِي في الأخلاق والعادات، والاستعداد لحكم نفسِها بنفسِها.

ويُدلل كاتب المقالة على فساد عائلة محمد علي، وكُرههم للعلم بأن مُحمد علي حقَّق إنجازات لمصر هنا وهناك؛ وإن ذلك كان بغرض بناء جيشٍ يتخذُه في حروبه التي لم تجلب أي خير لمصر من ورائها!

وهاجم الكاتب المثقفين المنتفعين من تقرُّبهم للخِدِيو وأسرته، ووصفهم بأنهم “عُبَّاد سُلطة؛ يكذبون على التاريخ ويدَّعون في وقاحة أن العائلة العلوية خدَمت مصر، ويستدلُّون على ذلك بوجود بعض مدارس أنشأوها”!

كما فنَّد “حلمي” مُخصَّصات عائلة محمد علي من الخزينة المصرية؛ والتي تُقدَّر بـ “ثلاثمائة وخمسين ألف جنيه سنويًّا؛ قائلا: “وأيُّ شرٍّ دفعوه عنها؛ أم أيُّ خيرٍ جلبوه لها.. حتى يُكالَ لها المالُ جزافًا؟!”.

وكان ذلك المقال ومقالات أخرى مثل: “يا ولاة الإسلام وعلماءَ الأيام  في  دار السلام”، و”أمير المؤمنين عمر بن الخطاب”، و”أمير المصريين عباس بن توفيق”. وكذلك موقفه هو وجريدته من إحياء قانون المطبوعات سببًا للتعجيل بسجنه.

أسرة محمد علي

في البداية كان قد جرى التمهيد للتخلص منه بتهديده؛ بأن ذلك الطريق سيجلب له المتاعب، لكنه لم يتراجع واستمر في رسالته؛ ففُرضت عليه الرقابة، وكُلِّف بمراقبته قُرابة ثمانية من رجال الشرطة السريين.. كانوا يتتبعون أثره ليلاً ونهارًا!

ثم صدرت الأوامر للمطابع بمضايقته، وتعطيل طبع الجريدة. كما منعت الحكومة دخول الجريدة إلى السودان والهند، وحرضت على طرد ابنه من إحدى مدارس الأوقاف. فاضطر إلى إرساله إلى المدارس الأوربية لإكمال تعليمه  .

كما جرى أيضًا تحريض صاحب المنزل الجديد الذي كان يرغب في الإقامة فيه؛ فأذعَن للتهديد، مما اضطر “محمد فريد” رئيس الحزب الوطني أن يستضيفَه للإقامة في شقة كان يمتلكها. ثم كانت قمة المأساة بتقديمه إلى المحاكمة في 15 أبريل 1909م!

وقد حاول دفاع “حلمي” أن يُثبت للمحكمة أن المقالة منقولة، وبأيِّ حقٍ يُسأل الإنسان عن عمل لم يكن هو مقترفه، بل كل ما عملَه هو إعادة نشره، وأنه تولَّى الرد عليها في عددين تاليين!

وقد أحدثت تلك المحاكمة دويًّا هائلاً لدى الرأى العام وقتها؛ حتى خرجت مظاهرات تؤازره، وكانت قاعة المحكمة تمتلأ بالحضور، خلال جلسات المحاكمة!

حلمي والسجن الانفرادي

ومع صدور الحكم النهائي بحبسه، وخلال طريقه لتنفيذ الحكم.. التف حوله الجمهور؛ فحثَّهم على عدم الخوف والفزع، وأنه لن يتزحزح في سَجنه عن مبادرته، ولن يُفرِّط في مبدأ خَدمَه عشرات السنين.. ألا وهو: “مصر للمصريين”!

وكانت أوضاع سجنه سيئة جدًّا، وكان مصيره الحبس الانفرادي أكثر من مرة. ولأن سجنه الأول كان سنة مع الشغل، فقد عمل في صناعة السجاجيد؛ وآخر سجادتين صنعهما كتب على إحداهما اسم “أحمد”، وعلى الثانية اسم “حلمى”.. وعليهما تاريخ 1909م. وكلتاهما رسم عليهما رمز “هلال ونجمة”.

وقد حاولت السلطات معه بكل الطرق؛ ليتراجع عن مواقفه، ووعدوه بالعفو إن كشف لهم عن أسماءَ من كانوا يأتون له بأخبار القصر أو يشجعونه على المُضي في الكتابة على النهج الذي مضى عليه.. لكنه رفض كل ذلك .

فأرسلوا لزوجته سيدة تحتال عليها وتُمنيِّها بالعفو عنه إذا تقدمت باسترحام إلى الخِدِيو، لكن زوجته لم تنخدع بتلك الوعود، كما لم يُخدع فيها هو من قبل!

وعند خروجه من السجن؛ سلَّموه مبلغ 498 مليمًا أُجرته عن الشغل الذي قام به في سجن مصر لمدة عام كامل. وقد بعث برسالة إلى نائب رئيس الحزب الوطني متبرعًا بذلك المبلغ للحزب .

حلمي وأفول العمل الصحفي

وقد رفضت الحكومة إعادة إصدار جريدته “القطر المصري”؛ بعد أن انتهت الأشهر الستة بتعطيلها.. فجمع حلمي ملاحظاته العامة عن السجن، ونشرها في كتابه: “السجون المصرية في عهد الاحتلال الإنجليزي”. ثم اشتغل بالزراعة وكسب أموالاً كثيرة من ذلك. وأصدر جريدة “الزراعة” الأسبوعية، لكنها لم تستمر كثيرًا. وبعد فترة خسر معظم أمواله. وفي عام 1957م أُزيح الستار عن لوحتين تذكاريتين في نقابة الصحفيين: واحدة لعبد الله النديم، والأخرى لأحمد حلمي. كما كرَّمته ثورة يوليو 52؛ بأن أطلقت اسمه على الشارع الشهير بشبرا.

 سجل عائلة أحمد حلمي

في 25 ديسمبر 1930م؛ ولُد الطفل محمد صلاح بهجت أحمد حلمي (صلاح جاهين) في شارع جميل باشا بمنطقة بعد شبرا؛ على مسافة قريبة من الشارع الرئيسي الذي سيحمل اسمًا جديدًا بعد سنوات قليلة.

عمل والدُه المستشار بهجت حلمي في السلك القضائي، وأراد لصلاح أن يُقلِّده في ذلك. لكن الشاب محمد صلاح التحق بكلية الفنون الجميلة، ولم يواصل مشواره الأكاديمي بها. وأخيرًا انتقل إلى كلية الحقوق، لمواصلة مسيرة الأب. لكنه بعد ذلك عمل بالصحافة، ونبغ في شعر العامية والغنائية،  وأجاد فن الكاريكاتير.

ولم نعثر لذرية أحمد حلمي إلا على فرع المستشار “بهجت”؛ والد صلاح جاهين، رغم أنه كانت له ثلاث شقيقات.

صلاح جاهين وأولاده
صلاح جاهين وأولاده

وكانت زوجة “حلمى” تُجيد التحدث والكتابة بالإنجليزية إلى جانب الفرنسية. وإحدى شقيقات صلاح جاهين هي زوجة اللواءَ أحمد فخر؛ أحد أبطال حرب 1973م.

تزوج صلاح جاهين مرتين. الأولى: من زميلته في دار الهلال “سوسن محمد زكي” عام 1955م، وأنجب منها: أمينة، وبهاء شاعر وكاتب بمؤسسة الأهرام .

ثم تزوج “جاهين” مرة أخرى من الفنانة منى قطان عام 1967م، وأنجب منها “سامية” التي تعمل مطربة في فرقة إسكندريلا.

المصادر

  •  صحفيون خلف القبضان: مدحت البسيوني.
  •  تطور الصحافة العربية: إبراهيم عبده.
  •  نقابة الصحفيين “منارة الحرية”: مجموعة مؤلفين .
  • هؤلاءَ الرجال من مصر، “الجزء الثانى”: لمعي المطيعي.
  •  الصحافة والصحفيون في مصر.. عصور من الاستبداد لا تنتهي: عماد أبو غازي، مقال بجريدة الشروق المصرية.
  •  صفحات من تاريخ صاحبة الجلالة: محمد سعيد عبد الحفيظ، مقال بجريدة الشروق المصرية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى