ثقافة وفن

علي حميدة.. صنيعة حميد الشاعري وضحيته

في 11 يناير الماضي، ظهر علي حميدة، للمرة الأخيرة له، مع الإعلامي عمرو أديب في اتصال تليفوني يشكو الضائقة المالية التي لا تسمح له حتى بتكفل مصاريف علاج أثناء مرضه الأخير.. كان ذلك قبل شهر من وفاته في الحادي عشر من فبراير 2021.. الرجل ذو الملامح السمراء والشعر الأشعث الطويل استطاع ضرب كل الأرقام القياسية لمبيعات الكاسيت بين أبناء جيله، حيث باعت أغنيته الأيقونة “لولاكي” ما يزيد على 6 ملايين نسخة بعد أن صدرت في يوليو 1988.

لولاكي.. One-hit wonder  

يطلق مصطلح الـ”one-hit wonder” على قطعة فنية تصل عنان السماء في لحظة ما، يُعرف صاحبها باسمها وتظل ملتصقة به طوال حياته بعد أن يعجز عن اكتشاف الخطوة الثانية بعد النجاح الأسطوري للأولى.. هكذا كان الفنان علي حميدة، صاحب “لولاكي”، التي لم يستطع تجاوزها طوال مسيرته الفنية التي لم تطل مقارنة بالتوقعات حينها.

كتب الأغنية عزت الجندي ولحنها سامي الحفناوي بينما تولى حميد الشاعري توزيعها.. كيف استطاع حميدة، بالتعاون مع هذا الثلاثي، إنتاج أسطورة “لولاكي” الخالدة؟

كتب عزت الجندي لولاكي كأغنية وطنية تبدأ بـ”لولاكي يا مصر ما غنيت”، ألقى حميدة الكلمات الأصلية في المداخلة التليفونية الأخيرة مع عمرو أديب: “لولاكي يا مصر ما حبيت ولا غنيت ولا دقيت على إيدي 3 وشمات م ص ر.. مانتي الهوى والشوق والعشق والمعشوق.. ليكي أنا غنيت”.

لم تكن تلك المفارقة الوحيدة حول “لولاكي”، حيث يقول الناقد طارق الشناوي إن الملحن سامي الحفناوي اعترض على التوزيع الموسيقي لحميد، معتبرا أنه لا يتناسب مع اللحن الأصلي، فضلاً عن الكلمات بطبيعة الحال. المفارقة الأخرى الجديرة بالذكر أن الأغنية كانت مكتوبة لمطرب آخر، وهو “أحمد ناجي“، حارس مرمى الأهلى السابق الذي لم يحالفه الحظ في الغناء.

حميد الشاعري

ثورة “الكابو”

فيما كانت الثمانينيات توشك على النهاية كان الجمهور المصري على موعد مع ظهور “الكابو” حميد الشاعري، الذي أحدث ثورة في الموسيقى، ولم يهتم أبدا بسؤال الأصالة والتقاليد الموسيقية والتراث الفني.

“حميد” كان يمثل الجيل “اللي مالوش كبير”، مثله مثل جيل الشباب في كل الحقب التاريخية.. تمرد “الكابو” على النمط الغنائي السائد، سواء في طبيعة الألحان والتوزيع ونوع الكلمات، تمرد أيضا على جيله من الشباب الذي كان يحاول مجاراة التقاليد واللعب على المضمون في أحيان كثيرة من خلال المزاج بين القديم من ناحية والجديد الذي يتلقاه الجمهور بحفاوة من ناحية أخرى، في محاولة لنيل رضا النقاد والمثقفين وتحقيق مكاسب مادية بالطبع.

نحن الآن في عام 1983، “حميد” يقدم أغنيات باللهجة الليبية وألحان بدوية في ألبومي “رحيل” و”عيونها”، محدثا تغييرات جذرية في الألحان، وبعد 5 أعوام من التجريب، وبالتحديد عام 1988، تعاون “حميد” مع “حميدة” في “لولاكي”.

في الأغنية تمكن الشاعري من إيجاد توليفة موسيقية، حيث كلمات سهلة لا تناقش موضوعًا ولا تهتم بقضية، بألحان بدوية مع استخدام توزيع صاخب وآلات موسيقية مواكبة لموسيقى الجيل والثورة التي أحدثها بنفسه منذ بضعة أعوام، بالإضافة إلى طريقة الكورال الذي يعتمد عليها كثيراً.

معرفة الشاعري بأغوار الموسيقى البدوية الليبية وانتماؤه لنفس الثقافة الموسيقية التي ينتمي إليها حميدة، كانت لها دور مهم في تسهيل التواصل بينهما.

المركز والهامش والطبقة الوسطى

يعتبر علي حميدة تمثيلاً حياً للهامش الاجتماعي والطبقي بكل تفاصيل الحالة التي أتى بها للوسط الفني: شاب مغمور من أقصى غرب البلاد في مرسى مطروح، الأقرب للجارة الليبية عن العاصمة والدلتا، لا يحمل مواصفات المغني التقليدي، سواء الجيل القديم أو جيل الشباب الصاعد حينها، فهو لا يعبر عن معايير الوسامة المتفق عليها بين شرائح الطبقة الوسطى المصرية، صوت خشن، شعر أشعث.. طويل بملامح تميل للسمرة.. نتذكر إذن محمد منير، أحمد زكي، وغيرهما.

وعلى الرغم من أن علي حميدة وصل إلى أعلى المراحل التعليمية، حيث إنه حاصل على درجة الدكتوراه في الموسيقى البدوية، وكان يعمل أستاذا للعود وعضو هيئة تدريس بأكاديمية الفنون بالقاهرة، وكان ممن تدربوا على يده الفنانة وردة الجزائرية والفنان محمد الحلو، لكنه حظي بنصيب الأسد من انتقاد الكثير من الأقلام، حيث عانى حميدة كغيره ممن لا ترضى عنهم “السلطة الفنية”.. ترافقت هذه الهجمة مع مشكلة أخطر تتعلق بفن حميدة نفسه، سنذكرها في الآتي.

الحديث هنا عن شاب من الأطراف المهمشة، يقدم نوعاً غنائياً جديداً لا يلتزم بأصول “زمن الفن الجميل” ليصل الأمر إلى وصفه بـ”راعي الغنم”.. لكنه لم يتراجع حينها، بل اشتبك مع المهاجمين، وربما كان ذلك سببا من ضمن أسباب فنية أكبر أسهمت في إنهاء مشواره الفني سريعا.

لم يتقبل الكثيرون حينها النجاح منقطع النظير لأغنية لا تتماشى مع “التقاليد” ولا يرضى عنها حماة الفن وكهنة معبده وربما بعض زملاء المهنة.

لم يستطع حميدة ومن عمل معهم اكتشاف عالم ما بعد “لولاكي”، فما كان منهم إلا أن حاولوا دائما استغلال النجاح الأسطوري للأغنية تارة من خلال السينما، حيث كانت هناك محاولة لعمل فيلم يجمع بين حميدة والسندريلا سعاد حسني، إلا أن المشروع لم يكتب له النجاح، ليعود عام 1993 بفيلم “لولاكي” بطولة معالي زايد، إلا أنه لم يلق نجاحا جماهيريا.

على الجانب الغنائي، أصدر حميدة ألبومه الثاني “كوني لي” بالتعاون مع حميد الشاعري أيضا، ولكن لم يقترب الألبوم من انتشار “لولاكي” بطبيعة الحال، على الرغم من استخدام الشاعري نفس التيمة الموسيقية التي كان يستخدمها مع حميدة وغيره من مطربي الجيل وقتها.

كيف ضيعه الشاعري؟

جورج وسوف أيضا كاد أن ينطبق عليه “الون هيت وندر” بعد أغنيته الفريدة “حلف القمر” التي اقتربت من التحول إلى “لولاكي” ثانية خاصة به، إلا أن الملحن أمجد العطافي أدرك تغير صوت جورج وسوف، وبالتالي انتبه إلى ضرورة تكوين ألحان وتيمات موسيقية تسمح له بحرية الحركة وتناسب إمكانياته، بالإضافة إلى اكتشافه لمواطن قوة صوت جورج وسوف، الذي يتألق في الألم و”الحزق”، كما يقول شارل عقل.. لقد أنقذ “العطافي” جورج من النسيان بقرار استثنائي.

فيما يتعلق بمشروع علي حميدة، أعاد “الشاعري” استنساخ ألحانه خلال العمل معه، وبالتالي لم يجد “حميدة” ذلك القرار الاستثنائي المأمول..

ظهر علي حميدة مع الفنان حمزة نمرة منذ خمس سنوات من خلال إحدى حلقات مشروع “ريميكس”، والتي أدى فيها أغنية “وين أيامك وين”، الخاصة بحميد الشاعري، وهي ألحان فلكلور ليبي، حيث شرح أصل الأغنية وأصحابها الأصليين.

لعب حميدة على العود الذي يحبه وقضى شبابه في تعليمه للطلاب بأكاديمية القاهرة للفنون، بدا صوت حميدة غاية في الحضور، مؤكد ليس بنفس جودة “لولاكي” ولكن من قال إن جورج وسوف مثلاً حين غنى “يوم الوداع” أو “بنفكر في الناس” كان بنفس صوته في “حلف القمر” أو “روحي يا نسمة”؟ الفارق هنا أن حميدة لم يجد من يتخذ له هذا القرار الاستثنائي.

رحل “حميدة” سريعاً بعد أن أقام 65 عاماً في الحياة، لكنه رحل عن تجربته الفنية أسرع مما توقعت له عمره ذاته.. رحيل لا يليق برقم 6 ملايين نسخة القياسي لأيقونة “لولاكي”.

عماد أدهم

كاتب مصري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى