ثقافة وفن

فيلم “الصيد”.. كيف نسرد واقعة التحرش بعين محايدة؟

ذات صباح ذهبت الطفلة “كلارا” إلى مديرة الحضانة، وأخبرتها أنها رأت العضو الذكري لمعلمها “لوكاس”، وأنه أمسك بجسمها. شعرت المديرة بالخطر، فالطفلة التي على الأرجح لم تتجاوز أعوامها الستة لا تكذب قطعاً، وبالتالي كان عليها أن تأخذ خطوات جادة في مواجهة المعلم، وإخبار أهل “كلارا” بما حدث. انتشر الخبر في أنحاء المدينة الصغيرة، وبقي “فيلم لوكاس” وحده يدفع ثمناً غالياً عقاباً له على “التحرش بالأطفال”.

زاوية أخرى للسرد

فيلم The Hunt
فيلم The Hunt

المشهد السابق من الفيلم الدنماركي The Hunt يضعنا أمام حادث تحرش معلم بطفلة هي أيضاً ابنة صديقه، لكن المخرج وكاتب الفيلم “توماس فنتربيرج” بالاشتراك مع “توبياس ليندهولم” يعرف في أيّة زواية يضع الجمهور، ووفقاً لتلك الزاوية اختار طريقته في سرد أحداث الفيلم.

في الفصل الأول من الفيلم نتعرف على عالم الشخصيات في هذه المدينة الصغيرة التي يحترف بعض رجالها الصيد، أما عالم البطل “لوكاس” والطفلة “كلارا” فنراهما بعين محايدة، نرى مقتطفات خاطفة من حياتهما، ونجمعها نحن كقطع البازل.

كان الاختيار أن نرى “لوكاس” في بداية الفيلم وهو يلعب ويلهو مع الأطفال، ويساعدهم على قضاء حاجتهم، لكننا لا نرى لوكاس يمارس سلوكاً شاذاً أمام “كلارا” أو أي طفل آخر.

هذا التمهيد الدرامي سيثير بداخلنا الشك في حقيقة البطل، لكن صُنَّاع الفيلم اختاروا تغييب الحقيقة، لذلك سننظر إلى الحادث بشيء من الإنسانية لا بقدر هائل من الغضب أو التحامل. ففي النهاية نحن لسنا أمام فيلم إثارة، لكننا أمام فيلم إنساني في كل جوانب معالجته الدرامية.

أيضاً لا يريد السرد أن يؤيد الطفلة أو يكذّبها، لكنه بطريقة متوارية يخبرنا أن اعتراف الطفلة ليس كاذباً، كل ما في الأمر أنه ملتبس قليلاً.

المدينة بأكملها، بما في ذلك مديرة المدرسة، تصدق أن طفلة في سن “كلارا” لا تكذب، فهي صغيرة على ممارسة ألاعيب الكبار المراوغة في الكذب، وحتماً ليست مهتمة بأن تُدبّر لمعلمها مكيدة انتقام،  وهذا أمر لا يقبل الشك، لكن هناك مشهدين يكشفان ملابسات هذا الاعتراف.

إعادة تأويل الواقعة

The Hunt 2012
The Hunt 2012

أثناء مشيها مع “لوكاس” إلى البيت قالت له “كلارا”: أنت حزين ووحيد وتعيش في بيت واسع بمفردك، “كلارا” سمعت هذه المعلومات من أبيها (صديق لوكاس)، وهي جملة عابرة إلا أنها تخبرنا أن ليس كل ما تقوله “كلارا” هو من بنات أفكارها، بل كلمات سمعتها من هنا أو هناك، وترددها كأنها أفكار أو انطباعات تخصها. “كلارا” لا تستنتج أن معلمها المَرِح في الظاهر، حزين في حياته، بل سمعت بالأمر.

في مشهد آخر نرى “كلارا” واقفة أمام النافذة في البيت بينما صديق أخوها يجري وبيده آيباد يشاهد عليه صوراً إباحية لأعضاء ذكورية، يجري في البيت في حالة ضحك هستيرية، ولا يراعي براءة هذه الفتاة الصغيرة فيضع الشاشة أمامها ويجبرها على رؤية هذه الصور الإباحية، وتسمع منه كلمة قضيب لأول مرة. “كلارا” رأت بالفعل قضيب، ولا تفهم ما هذا، لكنها لأول مرة تتصور ما يمتلكه الرجال أسفل ملابسهم.

نسمع من مديرة الحضانة أن “كلارا” خيالها واسع، تُنسى هذه المعلومة في طوفان هيستيريا الاتهام بالتحرش، وإلى جانب هذا تعاني “كلارا” من عدم التركيز، فهي إذا مشت في طريق طويل وحدها تثبت تركيزها على خط طويل أمامها لتستطيع أن تكمل المشي.

وهي ملاحظة عابرة  أيضاً ستغيب حتماً عن أهلها الذين شعروا بالذعر من حادث التحرش، بينما المشاهد يرى ويضع كل الإشارات جنباً إلى جنب وعليه أن يدرك أن ثمة خللاً والتباساً يحدث في عقل الصغيرة ذات الخيال الواسع.

هي بالفعل رأت قضيب لكنه ليس قضيب “لوكاس”، وهي مشيت معه عندما تاهت عن البيت، ولعبت معه، وحملها، وأمسك بها لكن ليس بالصورة المسيئة التي فُهمت من كلامها، بل إن عقلها الذي يجاهد من أجل التركيز ويتخيل أمور خيالية تلتبس عليه الأحداث، بل ويخلق ذاكرة جديدة تتداخل فيها المشاعر والأفعال.

هل هذا يعني أن “كلارا” تكذب؟ بالطبع لا، كل ما حكته حقيقي لكن عقلها يجمع عناصر متفرقة، ويروي حكاية من صنعه وبمفردات طفلة صغيرة بالكاد تعي بالعالم من حولها.

فيلم The Hunt
فيلم The Hunt

“لوكاس” منذ اللقطة الأولى في موضع اتهام، فعمله يتحتم عليه التواجد بين الأطفال، اللعب معهم ومساعدتهم في نظافتهم الشخصية، وغيرها من أمور ينجزها لهم لو استدعى الأمر.

من هنا تتفجر الشكوك، ويعترف الأطفال أنه لطالما حملهم، ولعب معهم، وساعدهم في الحمام، لكن كل هذا يثبت عليه بالفعل تهمة التحرش؟ لا توجد كاميرات مراقبة لتكشف الحقيقة بسهولة، كل ما نملكه هو شهادة “كلارا” وكلام الأطفال الذين لن يكذبهم أحد.

لكن منْ يجزم بأن هذه اللمسات بها شبهة تحرش أو إساءة؟ الإجابة: لا أحد.

اختار “لوكاس” الصمت أمامنا، نحن لا نرى دفاعه عن نفسه أمام تحريات الشرطة، ولا نرى موقفاً قاطعاً بشأن ما حدث، فقط نسمعه يسأل “هل تصدق أني فعلت ذلك؟”

كان صمته هو اختيار السيناريو أن يكون محايداً، لكنه يعطينا إشارات من زوايا أخرى ولا يحسم الحقيقة.

في واحد من مشاهد لعبه مع الأطفال بالحضانة يتظاهر “لوكاس” أمامهم بالموت، ثم يفتح عيناه ويلعب معهم فيهيج الأطفال حوله ضحكاً.

في هذا المشهد تقف “كلارا” بعيداً. “كلارا” تحب معلمها الذي أوصلها إلى البيت عندما تاهت، وتكن له مشاعر طيبة، حب وامتنان لا يفهمه عقلها الصغير.

عندما أفاق “لوكاس” من تظاهره بالموت قبّلته “كلارا” في فمه، وكان رد فعل “لوكاس” أن أبعدها عنه منزعجاً، وأخبرها بهدوء أننا لا نقبل أحداً من فمه عدا الأم والأب. هل ينتج رد الفعل هذا من متحرش بالأطفال أو شخص بيدوفيلي؟ الإجابة: لا.

تغييب الحقيقة وعدم حسم صحة واقعة التحرش هو اختيار درامي جعلنا نتأمل الوقائع الصغيرة تلك، ووضعنا على طاولة التحقيق لنفكر كيف تحولت المحبة الكبيرة التي يغمر بها الجميع “لوكاس” إلى خوف هائل منه، بل وكراهية وإقصاء اجتماعي قاسٍ.

بعد أن غرست قدماه في دائرة الاتهام نسى الجميع كل فضائل المتهم ليصبح وحيداً أمام المجتمع من حوله، فالخطوة التالية بعد الاعتراف بالتحرش أن يُمارس عليه وصم اجتماعي، وصم ينال منه ومن أسرته. 

الإنساني في هستيريا الاتهام

The Hunt 2012
The Hunt 2012

فجأة تتحول ألوان المشاعر في الفيلم إلى لونين أسود وأبيض، فيما تغيب بقية الألوان، وهو ما يشبه المشهد العام في أي مجتمع تظهر فيه حادثة تحرش، حيث تعلو أصوات دعم الناجيات وإدانة المتهم، وليس هناك مجال لمساحة رمادية، ولا مجال للبحث عن حقيقة ما حدث، فقط علينا التصديق دون أن نلتفت للملابسات، أو نفكر بموضوعية في صحة الروايات المذكورة.

في مثل هذه المواقف الصدامية تتحول الموضوعية إلى خيانة، ويُستباح دم المتهم قبل أن تنصب له المحكمة.

لا يريد الفيلم أن يأخذ موقفاً معادياً ضد شهادات التحرش، ولا يحكي حكاية ليثبت أن كل اتهام تحرش كاذب بالضرورة، بل هو يرمي لمساحة إنسانية أبعد من ذلك، مساحة تتجلى في سؤال “لوكاس” لصديقه والد “كلارا” فور معرفته بالأمر ، هل تصدق أني فعلت ذلك؟ فقال الأب: لا أدري.

هذا الارتباك هو محور القضية، فقد طلب “لوكاس” أن يُحلّ الأمر بينهم في هدوء بتبين الحقيقة قبل أن يتسع الأمر خارج دائرتهم، لكن ما يخشاه “لوكاس” حدث وتحول الأمر إلى وصمه عار في مجتمع لم يرحمه.

أكثر مشاهد الفيلم قسوة لم يكن مشهد اعتراف “كلارا” بل عندما تعرض “لوكاس” للطرد من السوبرماركت لأنه لم يعد مرحب به، أما الأكثر فظاعة فهو أن ابنه الذي لا ذنب له تعرض للإقصاء لأن والده متهم بالتحرش.

هنا يغلب اللون الأسود على المشهد العام، ويتحول الوصم –الذي هو الكارت الاخير للمجتمع في الانتقام وحماية نفسه- أداة قنص، بندقية عامرة  بالرصاص تطلق سهامها في جسد الفريسة قبل حتى أن نتحقق إن كانت مجرمة أو لا.

بطريقة غير مباشرة يدين الفيلم فعل الوصم الاجتماعي، فينقلب الميزان ليجعلنا نتعاطف أكثر مع البطل قبل أن تنكشف براءته، وكأن المجتمع ينتقم من مجرم ما بأشد الطرق إجراماً فيتحول الجميع إلى مجرمون، عصبة من البشر أمام فرد وحيد ضعيف، وتغيب الضحية الحقيقية ولا يعد مهماً أن نصلح جرحها بقدر ما نحفر بيدنا جرحاً جديداً.

لا يريد فيلم “الصيد” أن يصم أحداً ولا أن يتساهل مع مجرم، بل يبحث عن البراءة والنوايا الطيبة في نفس الإنسان، إلى أي مدى نرحم وإلى أي مدى نعفو ونصفح، وإلى أي مدى نتتبع الحقيقة ولا ننجرف وراء الظلم، وإلى أي درجة نصب غضبنا وانتقامنا في الاتجاه الصحيح.

لا نعرف إلام توصلت تحقيقات الشرطة، على الأغلب أسقطت عنه التهمة لعدم كفاية الأدلة، أصبح “لوكاس” بريئاً من تهمة التحرش بالأطفال وبات على المجتمع الذي وصمه بالأمس أن يتصالح معه اليوم، أن يتبدل وجه المجتمع كما يتبدل الليل والنهار.

يختار المجتمع فريسته

فيلم The Hunt
فيلم The Hunt

هل بإمكاننا الآن أن نفكر في عنوان الفيلم، “الصيد”؟ ما الذي يرمي إليه؟

مشاهد الصيد معتادة بين سكان  المدينة، في نهاية الفيلم نرى الغابة الفسيحة، وقطعات بين “لوكاس” وغزالة مستهدفة للصيد، أطلقوا عليها النيران، سقطت الغزالة مقتولة لا تملك أن تنجو بحياتها أو تدافع عن نفسها، هل هي مجرمة في شيء؟ لا، هل هناك من ينقذها؟ أيضًا لا، الغزلان تركتها وبقيت وحيدة، فريسة الرغبة في القتل.

لا يمكنني إلا أن أفكر في “لوكاس” مكان هذه الغزالة، قتلوه ونزعوا رأسه وعلقوها على حائط الاغتيالات، الصيد هو قتل شرفي نكافئ فيه الصياد، ولا نكترث بجسد الغزالة.

يتصدر الممثل الدنماركي “مادس ميكلسن” بوستر الفيلم بنظرة تعتلي وجهه هي مزيج من الحزن والعتاب وشعور إجباري بالذنب، ذنب لم يقترفه.

في الفيلم كانت هذه النظرة لصديقه، والد “كلارا”، الذي لم يعرف هل ينتقم منه أم يتعاطف معه.

كانوا في الكنيسة يحضرون قداس عيد الميلاد، إنه المكان المثالي للمسامحة والغفران، بينما الترانيم تغني، والكل في حالة إيمان يشتعل شعور “لوكاس” بالظلم، ينفجر في وجه صديقه ويطلب منه أن ينظر في عيناه ويخبره هل يرى فيهما شيء. كنظرة الفريسة لصيادها.

اقرأ أيضًا: مسلسل Mare of Easttown: رحلة امرأة إلى قلب متاهتها

تخوض الشخصيات صراعات داخلية بين الغضب والرحمة، الرغبة في الانتقام وعدم القدرة على المسامحة، ووالد “كلارا” الذي انفجر فيه “لوكاس” غضباً يتفتت قلبه على صديقه الذي أصبح في حال يُرثى لها، صراع إنساني يتعرى فيه الإنسان أمام القسوة واللين وتسقط عنه أقنعته المزيفة.

الصياد لا ينظر لعين فريسته بل إلى جسدها بالكامل، ونظرة “لوكاس” لا تكشف سوى شعور طاغِ بالظلم، وهي نظرة موجهة لنا أيضاً وتحرك بداخلنا ساكناً.

آية طنطاوي

صحفية مصرية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى