زوايامختارات

قبل الموت بسكتة ماء.. لماذا لا نستفيد من مياه الأمطار؟

 

مع كل شتاء يتكرر ذات المشهد في مصر، تهطل أمطار غزيرة وسيول لفترة زمنية قصيرة نسبيًّا فتغرق الشوارع، وتتضرر الطرق، وتتأجل الدراسة والأشغال، ومن ثم يتكبد المواطنون والدولة خسائر اقتصادية، ناهيك بالخسائر البشرية المتكررة نتيجة الصعق أو غيره من الحوادث المتنوعة التي تقع تقريبا في كل مكان.

وكانت موجة الأمطار والسيول في مارس/ آذار من العام الحالي قد كلّفت الدولة خسائر 800 مليون جنيه، في قطاعات الكهرباء والصرف الصحي والطرق والنقل والسكك الحديدية، بحسب ما أعلنه رئيس الوزراء آنذاك.

يدفعنا ذلك للتساؤل: ما كمية الأمطار المتساقطة على مصر؟ وما الكمية المستفاد منها؟ وهل نستغلها بالنحو الأمثل أم لا؟ وكيف يمكن أن نعظّم استفادتنا في ظل فجوة مائية متزايدة ومخاطر مستقبلية متعلقة ببناء سد النهضة الإثيوبي؟

حجم الأمطار المهدرة

يُقدّر خبراء ومركز البيئة والتنمية للإقليم العربي وأوروبا “سيداري” حصة مصر من مياه الأمطار بـ 55.5 مليار متر مكعب تقريبا (ما يزيد على 3% من الأمطار الكلية البالغة نحو 1660 مليار متر مكعب سنويًّا، المتساقطة على حوض النيل داخل 11 دولة)، وهي حصة مقاربة لمياه النيل، التي تبلغ 55 مليار متر مكعب.

لكن 80% تقريبًا من مياه تلك الأمطار نفقدها في مصر نتيجة التبخر، بحسب عباس شراقي، أستاذ الجيولوجيا وموارد المياه بكلية الدراسات الإفريقية جامعة القاهرة، ما يعني أن الكمية التي يمكن أن نستفيد منها قد تصل إلى 11 مليار متر مكعب، وهي حصة تزيد على الكمية المخصصة لمياه الشرب (10 مليارات متر مكعب)، وفقًا لأرقام الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء.

على أرض الواقع لا تستفيد مصر إلا من 10% تقريبًا من الأحد عشر مليارًا، فبحسب الميزان المائي الصادر عن وزارة الري والموارد المائية، فإن كمية الأمطار والسيول التي نجمعها تساوي 1.3 مليار متر مكعب، وهي نسبة ثابتة لم تعرف الزيادة منذ 2015-2016.

Made with Flourish

وتبلغ الفجوة المائية بين الطلب على المياه والمتاح منها نحو 20 مليار متر مكعب سنويًّا، وفقًا لما ذكره محمد عبد العاطي، وزير الري المصري، أي أن تعظيم الاستفادة من مياه الأمطار يُمكن أن يقلل تلك الفجوة للنصف.

وتبلغ نسبة مياه الأمطار من إجمالي الموارد المائية في 2019 تقريبًا 2% فقط، إذ تتصدر مياه النيل تليها إعادة استخدام مياه الصرف ثم المياه الجوفية.

Made with Flourish

بناء شبكات أمطار

تنقسم مياه الأمطار إلى مياه متساقطة على مناطق غير مأهولة، وهي التي تجمع منها وزارة الري الكمية المعلنة السنوية، وأمطار متساقطة على المدن والمناطق السكنية، وهي التي لا يُستَفاد منها لعدم وجود شبكات صرف لمياه الأمطار لأنها “مكلفة اقتصاديًّا، وفنيًّا أمر ليس في الإمكان”.. بتعبير عاصم الجزار، وزير الإسكان المصري خلال اجتماع بمجلس النواب لبحث غرق بعض الشوارع نتيجة الأمطار في نوفمبر/ تشرين الثاني من العام الماضي.

وقد ذكر مجلس الوزارء خلال أزمة الأمطار العام الماضي أن تكلفة بناء شبكات أمطار في القاهرة الكبرى فقط قد تصل إلى 300 مليار جنيه.

“معظم دول العالم تعتمد على شبكة صرف أمطار منفصلة عن شبكات الصرف الصحي، ولكن هذا لا يحدث هنا لأن تكلفتها كبيرة، ولأن الأمطار تمتد لفترة زمنية قصيرة، ففي حال حدوث أضرار تكون تكلفتها أقل من بناء الشبكة”، بحسب الدكتور أحمد فودة، المدرس بقسم الري والهيدروليكا بكلية الهندسة في جامعة القاهرة، الذي قال لـ”ذات مصر“: “في مصر نعتمد على شبكات الصرف الصحي لتصريف الأمطار وفي غالب الأحيان لا تحتمل ذلك لأنها مصممة بأقطار قليلة تبدأ من 200 ملليمتر حتى متر فلا تستطيع استيعاب كمية الأمطار إن كانت كبيرة بالإضافة إلى ما تسببه من عبء على المحطة التي تصلها كمية مياه أكبر من قدرتها سعتها”.

ويتراوح معدل هطول الأمطار السنوي بين حد أقصى يبلغ 200 ملليمتر -في منطقة الساحل الشمالي- إلى حد أدنى يقترب من الصفر في الجنوب، بمتوسط سنوي يبلغ 80 ملليمتر، في حين تتلقى القاهرة أقل من 1 سنتيمتر (10 ملليمترات) سنويًّا، ويصل في شمال سيناء إلى 120 ملليمترًا.

 

    رسومات توضح معدلات سقوط الأمطار في القاهرة والإسكندرية

    يشرح فودة معنى ذلك قائلاً: “2 ملليمتر مثلاً تُمثل كثافة الأمطار المتساقطة، فإذا افترضنا أن لدينا مربع أبعاده متر في متر هنا يكون ارتفاع المطر 2 ملليمتر، وبالتالي يمكن حساب الكمية من خلال ضرب المساحة المتساقط عليها في هذا الرقم من المليمترات”.

    ويعدد فودة وسائل تجميع الأمطار: “مشاريع حصاد الأمطار التي تسقط على الأودية ومخرات السيول بعيدا عن المدن تُسمى درء أخطار السيول، وهي عبارة عن سدود صغيرة تعمل كحواجز ومصدات على مسارات الأودية، ونفذتها وزارة الري في أماكن مثل رأس غارب ورأس سدر والبحر الأحمر وسيناء، وارتفاع السدود هذه يتراوح بين 5 أو 6 أمتار تعترض مجرى الوادي وبالتالي تتجمع المياه خلفها، وهناك أيضًا بحيرات تجميع حجمها يساوي كمية الأمطار المتوقعة أو أقل منها، والجزئية الثالثة تخص الاستفادة منها في الري الزراعي المباشر من خلال مزارع قريبة من مسارات الأودية وهي موجودة أكثر في سيناء”.

    مخرات السيول


    دراسة هامّة في جدوى تجميع الأمطار

    في دراسة نُشرت العام الماضي، توصل باحثان بجامعتي طنطا وكفر الشيخ إلى وضع تقييم جدوى حصاد مياه الأمطار للمناطق الحضرية في 22 مدينة بجميع أنحاء مصر، وقدر الباحثان أن الحجم السنوي يمكن أن يصل إلى 142.5 مليون متر مكعب في المدن المبحوثة شريطة جمع كل الأمطار التي تسقط في المناطق الحضرية.

    وأشارت الدراسة على سبيل المثال إلى أنه يمكن أن توفر مياه حصاد الأمطار في الإسكندرية نحو 12% من احتياجاتها المنزلية التكميلية المستقبلية من المياه، مع الأخذ في الاعتبار أن هطول الأمطار على المدن الواقعة في وسط مصر وجنوبها ضئيل للغاية، مقارنةً بمدينة كالإسكندرية.

    وحلل الباحثان بيانات الأمطار في 22 محطة رصد على مستوى الجمهورية، وأجريا دراسة إحصائية لهذه البيانات للوقوف على مدى فاعلية حصاد الأمطار في المناطق الحضرية، مستخدمين بيانات المحطات المتاحة من أجل إنتاج خرائط لقيم الأمطار بالكامل، وخرائط تصنيف الغطاء الأرضي للمناطق الحضرية عن طريق صور الأقمار الصناعية وتطبيقات نظم المعلومات الجغرافية لتقدير المساحات الحضرية، وتقدير معاملات الترشيح وكميات الأمطار التي يمكن حصادها في كل مدينة.

    ووفقًا لنتائج الدراسة يمكن أن يؤدي تسلل مياه حصاد الأمطار المباشر إلى طبقة المياه الجوفية دورًا مهمًّا في إعادة شحن الخزان الجوفي وتحقيق الإدارة السليمة والمستدامة للمياه في البيئات الحضرية، كما أن ذلك قد يؤدي إلى تقليل الأخطار الناتجة عن الفيضانات، وتقليل نفقات تركيب شبكات الصرف الصحي وتشغيلها.

    خزانات الآبار الجوفية

    تامر جادو، الباحث الرئيس في تلك الدراسة ورئيس قسم هندسة الري والهندسة الهيدروليكا بجامعة طنطا، قال لـ”ذات مصر” إن الأبحاث في هذا الشأن بدأت تزداد مؤخرًا، خاصة في المدن نتيجة المشكلات التي تتسبب بها الأمطار وعدم الاستفادة منها.

    حلول تطبيقية لتجميع الأمطار

    يتفق “جادو” على أن بناء شبكة صرف للأمطار سيكون حلاً مكلفًا للغاية خاصة أنه من الصعب تطبيقه  في المدن السكانية القائمة، ولكن ذلك لا يمنع التفكير في وسائل بديلة أو الاعتماد على تلك الشبكات في المدن الجديدة.

    ويوضح: “يمكن توجيه مياه الأمطار إلى أماكن الترع والمصارف القريبة من خلال ميل على جانبي الطرق بحيث تتكوم المياه ومن ثم تتحرك إلى بلاعات تأخذها لأقرب شبكة صرف أو ترعة”، وسيتطلب هذا الحل عملية معالجة لفصل الزيوت أولاً لأنها تجري على الإسفلت، بحسب فودة.

    ويضيف: “التصريف السطحي يسمح للمياه بالسير على سطح الطريق ولكن من أجل تحقيقه لا بد عند تصميم الطريق من التحكم في الميول الخاصة بها لتوجيهها إلى اتجاه محدد، ولكنه لا يمكن تطبيقه في المناطق القائمة، لكن من الممكن تطبيقه في المدن الجديدة”.

    “الحل الأفضل أن نستفيد من مياه الأمطار في إعادة شحن المياه الجوفية من خلال حفر آبار للتخزين للاستخدام الحالي أو لاحقًا”، وفقًا لما قاله جادو.

    منطقة التجمع الخامس كانت النموذج التطبيقي الذي استعان به جادو في دراسته لتقدير مستويات الجريان السطحي في حالة عدم إنشاء نظام لحصاد مياه الأمطار، ومقارنته بتلك الأرقام في حالة إنشاء النظام عبر آبار تغذية خزانات المياه الجوفية.

    وأوضحت النتائج أن تنفيذ مثل هذا النظام سيساعد على زيادة معامل ترشيح المياه من 10% إلى 75%، وانخفاض حجم الجريان السطحي نحو 82%.

    يتسق هذا الحل مع الرؤية التي تتبناها وزارة الري المصرية، فقد قال الوزير في تصريحات سابقة “إن معظم مواردنا من المياه الجوفية غير متجدد، ما يتطلب تبني سياسات فاعلة لإدارة مواردنا المائية المحدودة بآليات أكثر كفاءة واستدامة”.

    البنك الدولي كان حذر في تقرير له العام الماضي من أزمة مياه مطلقة في مصر بحلول 2025 إذ ستقل حصة الفرد عن 500 متر مكعب، ما سيؤثر بقدر كبير في الزراعة والاحتياجات الأخرى، مشيرًا إلى أهمية استغلال المياه الجوفية المقيدة بمحدودية إعادة تغذيتها، وعمق مقياس المياه.

    نماذج ناجحة

    يرى جادو أن النموذج المطبق في الأردن للاستفادة من مياه الأمطار يمكن الاعتماد عليه هنا: “من الممكن تجميع الأمطار من على الأسطح من خلال خزانات وتنزل المياه عبر مواسير صرف، لاستخدامها في احتياجات أخرى غير الشرب أي دون الحاجة لتنقيتها.. هذا النظام مطبق في الأردن، حيث يعتمدون على خزانات أرضية تخزن المياه ومن ثم تضخها”.

    ويشدد: “من المفترض أن توجه الدولة للبحث في هذا الشأن من أجل التوصل لأرخص الحلول”.

    أما فودة، فيعتبر أن اتجاه الحلول الذكية يمكن أن يكون مفيدًا في زيادة المساحات الخضراء: “الجزر المزروعة في الطرق يمكن خفض منسوبها بحيث يكون أقل من مستوى الطريق وينحدر الإسفلت ناحيتها فتتجه المياه إليها، أو من خلال الأسطح الخضراء المزروعة في المنازل”.

    مصريان حوّلا سطح إلى مساحة خضراء

    لا تُمثل الحاجة للاستفادة من مياه الأمطار جانبًا محوريًّا فقط على صعيد الاحتياجات المائية وإنما على صعيد الاحتياجات الصحية مؤخرًا، في ظل الحديث عن موجة ثانية من جائحة كوفيد-19.

    فالإجراء الوقائي الأول لمجابهة الفيروس هو غسل اليدين بالماء والصابون لمدة 20 ثانية على الأقل، غير أن اتباع هذا الأمر البدهي والبسيط يمكن أن يكون صعبًا في ظل شح مائي يحرم ما يقرب من 10 ملايين شخص في مصر من الوصول إلى مرافق غسل اليدين بالماء والصابون، بحسب لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغرب آسيا “إسكوا”، في تقريرها عن آثار الجائحة على المنطقة العربية الشحيحة بالمياه.

    وبالتالي، فإن تعظيم الاستفادة من جميع الموارد المائية واستغلال الأدوات المتوافرة يجب أن يكون على رأس الأولويات.

     

     

    لؤي هشام

    صحفي مصري

    مقالات ذات صلة

    اترك تعليقاً

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

    زر الذهاب إلى الأعلى