ثقافة وفنمختارات

كائن لا تحتمل خدعته.. التفاهة الصهيونية لميلان كونديرا

 

ميلان كونديرا روائي داهية، وفيلسوف بارع في سبر ألغاز الحياة اليومية، لكنه أحد المُدّعين الكبار للإنسانية، دون أن يكون إنسانيًّا، كما أنه أحد الوُعّاظ السياسيين الكبار رغم جهله البيّن بالسياسة، ولا يَحول الذكاء البادي في تفحصه للنفس البشرية عبر رواياته دون ذلك، لأنه على حد تعبير كونديرا نفسه فإن “الروايات العظيمة أذكى بعض الشيء من مؤلفيها”.

يتبنى كونديرا نموذجًا من العدمية الفردانية، الهزلية، التهكمية، المُناهِضة للسياسة، واليائسة من تغيير العالم، والساخرة ممن لديهم أمل بتغييره، باعتبارهم جديين أكثر من اللازم، فهؤلاء برأيه أسرى “الكيتش”، الذي يُعرّفه كشكل من أشكال الرومانسية المُستبدة، إنه برأيه: الحلم الكبير، والأيديولوجيا، التي تُمثلها النزعة الموجودة لدى “من يرغبون في إسعاد أكبر عدد من البشر بأي طريقة”.

فهل يُقدّم كونديرا بديلاً معقولاً لـ”الكيتش”؟ بالطبع لا، ليس لأنه لا يُقدم بديلاً، ولكن لأنه يرفض أن يكون هذا البديل معقولاً من الأساس. وبدلاً من ذلك، يطرح كونديرا بديلاً إنسانيًّا ما بعد أيديولوجي، لا يبالي بالسياسة، أو بتغيير العالم إلى الأفضل، بل يحتفي بالتفاهة (التي يكرهها الأيديولوجيون)، بديل يُراعي الضعف البشري والتناقضات البشرية بحسب ما يرى، هذا البديل هو الخفة في مواجهة أثقال المعنى، والتفاهة في مواجهة الجدية البيروقراطية.

بالتأكيد، عانى كونديرا من استبداد البيروقراطية في أثناء حياته في تشيكوسلوفاكيا، لكنه يميل إلى إسقاط تجربته الخاصة على كامل التاريخ البشري، فكراهيته للجمود البيروقراطي دفعته إلى اعتبار كل أمل بتحسين الأوضاع البشرية، شرًّا تتبناه مجموعة من الحمقى الجادين، أو “كارهي البراز”، فهل نجح بديل كونديرا في تحقيق خير العالم؟ وهل نجح كونديرا في الاتساق مع طرحه حتى النهاية؟

ميلان كونديرا

الحيرة الحمقاء

يُعلن كونديرا، ببلاغة خطابية، كراهيته لوسائل الإعلام الجماهيرية، على اعتبار أنها تُساهِم في ترويج “الكيتش”، وإماتة الحس النقدي لدى مُشاهديها، وتمر هذه الادعاءات على سمع قرائه ومُعجبيه دون فحص كافٍ. فبخلاف ما يدّعي كونديرا، لا تروّج وسائل الإعلام “الكيتش” الأيديولوجي الجاد، بقدر ما تروّج التفاهة التي يحتفي بها كونديرا نفسه.

صحيح، تُعطّل البرامج الحس النقدي لدى المواطنين كما يُعلن كونديرا نفسه، لكن ليس بترويج سرديات كبرى ينتقدها الأخير مثل الصراع الطبقي أو المساواة… إلخ، وإنما بتحويل الحياة اليومية إلى مهرجان استهلاكي كبير، يُحوّل الإعلام عن طريقه الناس من كائنات اجتماعية فاعلة، ومن مُشاركين فاعلين في الحياة العامة، إلى مُجرد مُتلقين سلبيين، مُنطوين على أنفسهم، ومُغتربين عن جيرانهم وأصدقائهم، مُنشغلين بتفاهات الحياة الاستهلاكية لمشاهير يبيعون حياتهم اليومية على الشاشات.

وتسهم هذه البرامج في خلق الأزمة المُعاصرة التي تعيشها الديمقراطيات الغربية، والمتمثلة في تدهور نموذج المواطن الحر والمسؤول لصالح نموذج المواطن المُستهلِك، هذه الأزمة التي تُهدد الحرية التي يدعي كونديرا الدفاع عنها.

فأين إذًا الرومانسية المُستبدة الجادة التي ينتقدها كونديرا في خطاب وسائل الإعلام؟ إننا لا نشاهد في البرامج رومانسية التنوير أو الصراع الطبقي، وإنما نشاهد رومانسية الاستهلاك، والاستهلاك لا يعرف الجدية أو التفاهة، بل ما يُباع. ولذلك، يسهل على الإعلام التلاعب (خفيف الظل) بقضايا الإنسان الذي يدّعي كونديرا مناصرته عبر تمجيد خفة الظل ذاتها.

فهل تستخف وسائل الإعلام بالعالم تقديرًا لذلك الضعف الإنساني الذي يبذل كونديرا جهده وقلمه في الدفاع عنه؟ بالطبع لا، بل تفعل ذلك لأن من مصلحة مُضطهِدي هذا الإنسان الفرد، ألا يأخذ الأخير العالم على محمل الجد، وبالتالي ألا يأخذ الاستبداد والتفاوت الطبقي والعنصرية على محمل الجد.

لماذا؟ لأن برجوازيًّا صغيرًا يسكن إحدى عواصم المركز الغني، ويحظى برضا وسائل الإعلام السائدة (بينما يدّعي معارضتها) بعد أن وجد ملاذًا آمنًا في إحدى العواصم التاريخية للاستغلال الاستعماري، ينقل خلاصة تجربته السياسية، فما هي تلك الخلاصة يا ترى؟ إنها الرضا بالأمر الواقع، ولماذا لا ينتبه كونديرا وأمثاله إلى بشاعة هذا الأمر الواقع إلى حد الاستخفاف به؟ بالطبع، لأنهم من المحظوظين الذين يتمتعون بامتيازاته.

الفيلسوف الهولندي باروخ سبينوزا

في مواجهة المعاناة، تتلبس هذا البرجوازي الصغير، ما سبق أن دعاه سبينوزا “الحيرة الحمقاء”، فيدعونا إلى تجاهل مشكلات العالم بحجة أننا لا نفهمه، رغم أننا نفهم جذور العديد من المشكلات الاجتماعية كالفقر والعنصرية والنهب الاستعماري، إن لم تكن جميعها، وأنا لا أقصد هنا المشكلات الوجودية التي ستبقى بلا حل للأبد، كالموت مثلاً، وإنما المشكلات الاجتماعية، التي بإمكان البشر أخذها على محمل الجد، لأنها تمس حياتهم اليومية، وحريتهم، وكرامتهم.

هنا تتضح الإنسانية المُزيفة لكونديرا، كبرجوازي صغير يؤمن بنهاية التاريخ، هذا التاريخ ينتهي بنهاية معاناة كونديرا نفسه، أي لحظة مُغادرته التشيك، ونجاته من الاستبداد الشمولي للبيروقراطية السوفييتية. فكأي برجوازي صغير نموذجي، تنتهي جدية المعاناة البشرية بانتهاء معاناته الخاصة. فتصبح مشكلات الآخرين بالنسبة إليه، تافهة، وضئيلة، وتتوقف مسيرة العالم والتاريخ عند حدود تغيير الوضع الشخصي للبرجوازي الصغير للأفضل، فيتحول تغيير العالم من حوله إلى مهمة مستحيلة، ينبغي ألا تؤخَذ على محمل الجد، فالجدية انتهت بانتهاء معاناته، ومنذ اللحظة تصير مشكلات العالم موضوعًا للسخرية والهزل.

ومن ثم يكتسب البرجوازي الصغير هالة الفاهم، والعدمي الحاذق، والإنسانوي النزيه، فهو يعرف عن الوضع البشري ما لا يعرفه حمقى الأيديولوجيات، الذين يبذلون حياتهم في سبيل قضايا “خاسرة”، فهو يعرف عن المُضطهَدين أكثر مما يعرفونه عن أنفسهم، أي أن قضاياهم بلا قيمة، وسعيهم بلا طائل. فهل يكون العدمي عدميًّا حتى النهاية، أم يخون نفسه؟

ميلان كونديرا

في حب “الكيتش” الصهيوني

تتبدى الإنسانية والعدمية الزائفتين لدى كونديرا أكثر ما تتبدى، في تأييده المُعلن لنظام الفصل العنصري الإسرائيلي، ففي خطاب قبوله لجائزة القدس عام 1985، يصف كونديرا إسرائيل بـ”قلب أوروبا النابض، قلب مميز موجود خارج جسده”. فها هو عدو الأيديولوجيات يتحوّل فجأة إلى أيديولوجي قدير، وعدو الكيتش يقع أسيرًا لكيتش “أرض الميعاد” المؤسس فوق رُكام شعب كامل.

يمتدح كونديرا في نفس الخطاب ما يصفه بـ”الروح اليهودية العابرة للعواطف القومية” والتي تُجسّدها إسرائيل في رأيه، مُظهِرًا جهلاً فريدًا بطبيعة النظام الذي منحه الجائزة، وهو نظام عنصري يمنح حقوق المواطنة على أساس العرقية الدينية. نظام يطرد شعبًا آخر من أراضيه، ويذيق الباقي منه الجحيم يوميًّا بين المعابر وخلف جُدران الفصل العنصري.

فإذا كان نظام الفصل الإسرائيلي، يأخذ العالم على محمل الجد، فيبني الجدران، ويقتل الأبرياء، ويُطارد كل من يهمس بنقد، وإذا كان السيد كونديرا لا يلمح آثار الكيتش في ذلك، لماذا على الفلسطينيين وغيرهم من المُضطهدين حول العالم، أن يعملوا بنصيحة كونديرا، فلا يأخذوا العالم على محمل الجد، ما دام الناصح نفسه قد اتضح أنه خائن لنصيحته؟

لماذا تصير جحيم الحياة اليومية التي يُعانيها الفلسطينيون في المعابر ومخيمات اللاجئين المُكدسة بعد طردهم من بيوتهم بلا قيمة في عيني كونديرا؟ ولماذا يصير الكيتش الصهيوني ممثِّلاً لانتصار الإنسانية؟ أم أن كونديرا كأي عُنصري أبيض –يختزل الثقافة الإنسانية إلى الثقافة الأوروبية مثلما يفعل كونديرا بنفس الخطاب–يرى أن النضال من أجل الحرية حق للتشيكيين، لكنه محظور على الفلسطينيين لأنهم غير أوروبيين، فهم مُطالبون بالانصياع لإرادة ممثل الرجل الأبيض “المتفوِق” في فلسطين، أي المُستوطِن الصهيوني، الذي يسرق أعمارهم بعد أن سرق أراضيهم؟

ولماذا يستنكر كونديرا “كيتش” عصر التنوير وأحلام الحرية والمساواة والإخاء الكونية ساخرًا من مُعتنقيها؟ ولماذا يؤيد عن طيب خاطر “كيتش” العرقية والعنصرية الصهيونية المُؤسَس على جملة في أسطورة قديمة؟

إن لا مبالاة كونديرا السياسية تتوقف عند حدود إسرائيل، حيث يتحول إلى مُناصِر أيديولوجي متحمس، كما أن حماسه الأخلاقي الإنسانوي يتوقف عند نفس الحدود، حيث يتحول إلى عنصري قميء لا يرى في الإنسان إلا الرجل الأبيض.

 

أمين حمزاوي

كاتب مصري، مهتم بالفلسفة والأدب

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى