دراسات وتحليلاتمختارات

محنة الظهور والانكسار.. الغزالي وابن تيمية في خيال الناس

 

مقدمة

عرفت الحضارة العربية الإسلامية ظهور العديد من القامات العلمية الفكرية، والتي أثرت كثيرا في تأسيسها وتشكيلها عبر قرون، من بين هؤلاء يظهر اسما حُجَّة الإسلام أي حامد الغزالي الطوسي، المتوفَّى 505ه، وشيخ الإسلام تقي الدين أحمد بن تيمية الحراني، المتوفَّى 728ه، بوصفهما العالمين الدينيين الأكثر تأثيراً في الثقافة الإسلامية السُّنية منذ القرنين الخامس والسابع الهجريين، على الترتيب، وحتى اللحظة الراهنة.

الصور الذهنية الجمعية الشائعة عن الغزالي وابن تيمية تذهب في مجموعها إلى أن الأول كان يميل إلى التسامح مع الآخر وإلى قبول الاختلاف والتعددية، بينما تُظهر الثاني وقد وقف في طليعة الفريق السلفي الأثري الرافض لكل تجديد، والمدافع عن الفهم الحرفي للدين.

ولكن هل فعلاً يمكن الجزم بصحة هاتين الصورتين المتخيَّلتين عن الرجلين؟ وهل يمكن التسليم بموثوقيتهما وموافقتهما الحقيقة التاريخية أم أنها لا تعدو أن تكون مجرد صور مشوهة منقوصة لا يمكن قبولها والتسليم بتفاصيلها ورتوشها؟

لمّا كانت الصور الذهنية المعاصرة المُتخيلة لكل من الغزالي وابن تيمية، منبثقة أساسا عن رؤية عصرية تعمل على تقييم الإرث الفكري التاريخي لكل منهما بعرضه على منظومة القيم الحداثية المتعارف عليها الآن، فإن القراءة الموضوعية المتأنّية لمشروعيهما الفكريين، من شأنها أن تؤكد تقارب/ تباعد آرائهم فيما يخص العديد من النقاط الإشكالية، والتي طالما أُثير حولها جدلٌ وتناولها باحثون حداثيون بالنقد، وهو الأمر الذي سيتمخض في النهاية عن تحرير الصور الذهنية النمطية للرجلين من أسر الدوجما والقوْلبة، وسيسهم بالتبعية في إعادة تصويرهما بما يتوافق مع الحقائق التاريخية المجردة.

يمكن أن نميز هنا موضوعات فكرية مهمة يدور حولها الجدل المستمر فيما يخص الرؤية التراثية للشريعة والدين وحقوق الإنسان، وهي على الترتيب الخلط بين المجالين الديني والسياسي، وما يتصل بذلك من العلاقة مع الآخر المذهبي، والفهم الفقهي التقليدي للشريعة، هذا فضلاً عن الموقف من الصوفية، وكيفية تقبُّل العلوم الجدلية، ومنها الفلسفة والمنطق وعلم الكلام.

وللتعرف على أهم السمات المميزة لمشروعَي الغزالي وابن تيمية، ينبغي الرجوع إلى رأيهما في كل نقطة من النقاط الإشكالية السابقة، وذلك لرسم صورة متكاملة عن أفكارهما، ولتبيان نقاط الاختلاف ومواضع الاتفاق بينهما.

صور تعبيرية لكل من الغزالي وابن تيمية

 

اضغط.. على كل محور يمين الصفحة للقراءة
اضغط.. على كل محور لقراءة مضمونه

 

1- “التكفير والخلط بين الديني والسياسي” وفهم الشريعة

أولاً: – فيما يخص مسألة التكفير والخلط بين المجالين الديني والسياسي، فيمكننا أن نلاحظ قدراً معقولاً من التسامح من جانب الرجلين فيما يخص الطوائف والفرق البعيدة عن دائرة السياسة والمعارضة، لكن الأمر يختلف بصورة شبه كاملة عند تناول الفرَق غير السّنية التي تعمل بالسياسة.

على سبيل المثال، ها هو الغزالي، الموالي للسلطة السلجوقية، يُفتي بكُفر الشيعة الإسماعيلية -أعداء الدولة السلجوقية حينذاك- ويصنف كتاباً كاملاً في ذمّهم، وهو المعروف باسم “فضائح الباطنية وفضائل المُستظهرية”، ويُشهر ضدهم سلاح التكفير بلا هوادة، إذ يذكر رأيهم في وجوب تأويل الآيات القرآنية التي تصف الجنة والنار.

ويُعلّق على ذلك بقوله “والذي نختاره ونقطع به، أنه لا يجوز التوقف في تكفير مَن يعتقد شيئًا من ذلك، لأنه تكذيب صريح لصاحب الشرع ولجميع كلمات القرآن من أولها إلى آخرها”، وسرعان ما يبني الغزالي على مسألة تكفيره الإسماعيلية أحكامًا فقهية أخرى، تساعد الدولة السلجوقية في البطش بهم واستئصال شأفتهم، إذ يعتبرهم -أي الإسماعيلية- مُرتدين، ويقول: “والقول الوجيز فيهم أنه يُسلك لهم مسلك المرتدين في النظر في الدم والمال والنكاح والذبيحة…”. والمهم هنا أن اعتبار الإسماعيلية مرتدين قد أطلق يد ولي الأمر في التعامل معهم والقضاء عليهم قضاءً مبرمًا، لأن المرتدين بحسب قول الغزالي “لا سبيل إلى استرقاقهم، ولا إلى قبول الجزية منهم، ولا إلى المَن والفداء، وإنما الواجب قتلهم وتطهير وجه الأرض منهم”. ويبالغ الغزالي بعد ذلك، عندما يُفتي بقتل نساء الإسماعيلية وأبنائهم، إذ يقول: “وأما النسوان فإنا نقتلهم.. أما صبيانهم، نعرض الإسلام عليهم، فإن قبلوا قُبل إسلامهم، ورُدت السيوف عن رقابهم إلى قربها، وإن أصروا على كفرهم متبعين آباءهم، مددنا سيوف الحق إلى رقابهم وسلكنا بهم مسلك المرتدين”.

غلاف كتاب فضائح الباطنية للغزالي

أما ابن تيمية -الموالي لسلاطين المماليك- فلم يمنعه ما اُشتُهر به من تحرّج في مسألة تكفير المعين، من الإفتاء بتكفير أهل كسروان في لبنان من الشيعة الإمامية، عندما خرجوا عن السلطة المملوكية، فنراه يصفهم في كتابه للسلطان المملوكي الناصر محمد بن قلاوون المتوفَّى 741ه، بأنهم “أهل البدع المارقون، وذوو الضلال المنافقون الخارجون عن السنة والجماعة، المفارقون للشرعة والطاعة”. ويفسر الفقيه الشامي في تلك الرسالة، السبب الذي دعاه إلى تكفير أهل كسروان، فيقول: “إن اعتقادهم أن أبا بكر وعمر وعثمان، وأهل بدر وبيعة الرضوان، وجمهور المهاجرين والأنصار والتابعين لهم بإحسان وأئمة الإسلام وعلماءهم أهل المذاهب الأربعة وغيرهم ومشايخ الإسلام وعبادهم، وملوك الإسلام وأجنادهم، وعوام المسلمين وأفرادهم، كل هؤلاء عندهم كفار مرتدون، أكفر من اليهود والنصارى، لأنهم مرتدون عندهم، والمرتد شرّ من الكافر الأصلي”.

ثم يدعو السلطان المملوكي في ختام الرسالة إلى استكمال مجهوداته في القضاء على أهل البدعة كافة في جميع أنحاء مملكته، خصوصاً في بلاد الشام والعراق والحجاز.

ثانياً:- أما فيما يخص مسألة فهم الشريعة، فالنصوص التي نُقلت عن الرجلين، تؤكد أن كليهما قد التزم الفهم الفقهي الحرفي التقليدي للشريعة، وإن أمكن ملاحظة بعض التحرر التيمّي في فهم بعض المسائل، فها هو الغزالي في كتابه “الوجيز في فقه الإمام الشافعي”، يعيد تأكيد مجموعة أحكام يُنظر إليها بقدر وافر من الاستهجان في عالمنا المعاصر، إذ يقطع بعدم جواز قتل المسلم بالكافر، وبعدم جواز أخذ الحر بالعبد، وما إلى ذلك من الأحكام والفتاوى التي تتعارض مع ما اُستقر عليه من القوانين الوضعية الحديثة السائدة في شتى جنبات العالم المعاصر.

أما ابن تيمية، فرغم خلفيته الحنبلية وفهمه التقليدي للشريعة، فنراه يشذ عن جمهور الفقهاء في مسائل بعينها من تلك التي أُخذ برأيه فيها في عالمنا المعاصر، فعلى سبيل المثال، اعتبر أن طلاق الزوج لزوجته بلفظ الطلاق لثلاث مرات أو بصيغة ثلاثية في مجلس واحد أنه مجرد طلقة واحدة، كما أنه أجاز إخراج زكاة الفطر في صورة أموال بدلاً من أطعمة، إن عُرف في ذلك تحقق مصلحة للفقير.

 

2- الموقف من التصوف والتعاطي مع العلوم غير الشرعية

ثالثاً: – رغم أن الموقف من التصوُّف مسألة طالما وُجهت بسببه سهام النقد تجاه ابن تيمية، فإن القراءة الموضوعية لسيرته من شأنها أن تقدم وجهة نظر مختلفة.

فإذا كان الغزالي قد عُدَّ رائد التصوف السّني، بعدما حكى في كتابه، “الإحياء”، أنه قد اعتزل الناس وتنقل كثيرًا بين دروب وطرق الفلاسفة والمتكلمين، حتى استقر في نهاية الأمر على طريق الصوفية، فقال واصفاً ذلك “وانكشفت لي في أثناء هذه الخلوات أمورٌ لا يمكن إحصاؤها واستقصاؤها، والقدر الذي أذكره لينتفع به أني علمتُ يقينًا أن الصوفية هم السالكون لطريق الله تعالى، خاصة أن سيرتهم أحسن السير، وطريقهم أصوب الطرق، وأخلاقهم أزكى الأخلاق”، فإن ابن تيمية في السياق نفسه قد أظهر الدفاع عن بعض أهم الرموز الصوفية في التاريخ الإسلامي، عندما أكد أنهم كانوا يلتزمون بالشرع وبأحكام الدين، وأن ما نُسب إليهم من كرامات لم يكن ليُبيح لهم الخروج عن ثوابت الإسلام، فيقول في ذلك: “فأمّا المستقيمون من السالكين كجمهور مشايخ السلف: مثل الفضيل بن عياض، وإبراهيم بن أدهم، وأبي سليمان الداراني، ومعروف الكرخي، والسري السقطي، والجنيد بن محمد، وغيرهم من المتقدمين، ومثل الشيخ عبد القادر، والشيخ حماد، والشيخ أبي البيان، وغيرهم من المتأخرين، فهم لا يسوغون للسالك ولو طار في الهوى أو مشى على الماء أن يخرج عن الأمر والنهي الشرعيين، بل عليه أن يفعل المأمور، ويدع المحظور إلى أن يموت، وهذا هو الحق الذي دل عليه الكتاب والسنة وإجماع السلف، وهذا كثير في كلامهم”.

نعم، تعرّض ابن تيمية بالنقد لكل من الحسين بن منصور الحلاج، المتوفَّى 309ه ومحيي الدين بن عربي، المتوفى 638ه، وغيرهما من أصحاب التوجهات الصوفية الباطنية التي تتمحور حول القول بوحدة الوجود أو الاتحاد والحلول، ولكن السؤال المهم هنا: تُرى هل كان لأبي حامد موقف معارض في تلك المسألة؟ ألم يقف عالم طوس في كتابه “مشكاة الأنوار” معتذراً ومؤولاً لكلمات الحلاج، دون أن يقبلها صراحةً؟

إذن الأقرب للصواب، أن الرجلين -الغزالي وابن تيمية- كانا ينطلقان فيما يخص التصوف من منطلق واحد، وأنَّ تراوُح موقفيهما في تقييم تلك المسألة كان نابعا بالأساس من تباين خلفيتهما الفكرية ومزاجيهما وظروف عصريهما، إذ لا يمكن أن نتغافل عن الأثر العظيم الذي لعبه الشيخ الأكبر محيي الدين بن عربي في نشر التصوف الوجودي في بلدان المشرق الإسلامي خلال القرن السابع الهجري، مما فرض على ابن تيمية مواجهته فيما بعد للحفاظ على ما اعتبره الطابع السّني السلفي المحض الموافق لتقاليد أهل القرون الهجرية الثلاثة الأولى، وهو الأمر الذي لم يقع بالكيفية نفسها مع الغزالي  في القرن الخامس الهجري.

رابعاً: – أما بالنسبة للنقطة الإشكالية الأخيرة، والتي تتعلق بكيفية وطبيعة التعاطي مع العلوم غير الشرعية، كالفلسفة والمنطق وعلم الكلام، فإننا نلاحظ اتفاقا ضمنيا بين منهجي الغزالي وابن تيمية، إذ ذهب كل منهما لنقد تلك العلوم ونقضها والتشكيك في مكانتها وأهميتها، ولكن بعدما درس كل منهما القواعد والأصول المؤسسة لتلك العلوم صارا يتكلمان فيها كأهلها.

هذا المنهج يتضح في حالة الغزالي في دعوته الجادة لإبعاد العوام عن الجدل الكلامي، وهو ما يُظهر في عنوان كتابه الشهير “إلجام العوام عن علم الكلام”، كما يظهر ذلك بشكل واضح في عنوان كتابه الأشهر “تهافُت الفلاسفة”، والذي وجّه فيه سهام النقد والتشكيك لمجموعة من كبار فلاسفة الإسلام، كأبي نصر الفارابي، المتوفَّى 339ه، وأبي علي الحسين بن سينا، المتوفَّى 427ه. ومع ذلك يتضح تأثر الغزالي بالفلسفة، فيما اشتُهر من قول تلميذه أبي بكر بن العربي الأندلسي المالكي، المتوفَّى 543ه: “شيخُنا أبو حامد: بَلَعَ الفلاسفةَ، وأراد أن يتقيَّأهم فما استطاع”.

 

في السياق نفسه، فإن ابن تيمية، الذي عُرف بحملته الشديدة على الفلاسفة، والمنهج الأرسطي على وجه الخصوص، كتب في ذلك العديد من المصنفات للرد عليهم وتفنيد حُججهم، ومنها كتابه المُعنْون بـ”الرد على المنطقيين”، وقد أظهر معرفة واسعة بالفلسفة والمنطق في الكثير من كتاباته، للحد الذي جعل العديد من الباحثين المعاصرين يصفونه بالفيلسوف أحيانا، ويرونه ناقدا خبيرا بالفلسفة الأرسطية أحيانا أخرى، فعلى سبيل المثال،  يذكر الدكتور عبد الفتاح أحمد فؤاد في كتابه “ابن تيمية وموقفه من الفكر الفلسفي”: “كان الشيخ خبيرًا بمذهب فلاسفة اليونان القدماء، فضلاً عن معرفته الواسعة بآراء فلاسفة الإسلام، ولا يتضح ذلك فقط عندما يكون بصدد عرض الخطوط العريضة لمذاهب الفلاسفة، وإنما يتضح أيضا عندما يورد التعريفات الدقيقة للمعاني الفلسفية”.

إذن، يمكن القول إن المشروعَين الفكريين لكل من أبي حامد الغزالي وأحمد بن تيمية، قد تشابها فيما يخص القضايا الجدلية الكبرى المثارة على الساحة الفكرية والسياسية المعاصرة، وذلك رغم الفرق الشاسع في اعتقاداتهما المذهبية وتحيزاتهما الأصولية ومبانيهما الفقهية، إذ يمكن الادعاء بأن العلَمين قد انطلقا من أرضية واحدة، وهي الاحتكام للنص المقدس (القرآن والحديث)، وتطويعه في خدمة المشروع السياسي السني (السلجوقي/ المملوكي)، وتطبيقه وإنزال أحكامه وفق آليات المنظومة الفقهية التقليدية، والتي شاع الرجوع إليها في العصور الوسطى.

 

 

 3- تقلُّبات الغزالي وثبات ابن تيمية وانتشار الأشعرية وتقلص نفوذ أهل الحديث

يُطل علينا السؤال المُلح حول أسباب اختلاف الصور الذهنية السائدة عن الرجلين في الذهنية الجمعية المعاصرة، فإذا كان كل من المشروعين الفكريين للغزالي وابن تيمية، يتفقان مع بعضهما في علاقتيهما بأهم الإشكاليات الحداثية المعاصرة، فكيف نفسر إذن ما جرت عليه العادة من الاحتفاء بالغزالي وترسيمه كأب روحي للإسلام المعتدل، في الوقت الذي ارتبط فيه اسم ابن تيمية بالإرهاب وبفتاوى القتل والدماء؟

يمكن القول إن الإجابة عن هذا السؤال تستلزم مناقشة أربع نقاط رئيسة، من شأنها مجتمعة أن تفسر هذه الصور التقليدية الشائعة.

أولاً: – تقلُّبات الغزالي وثبات ابن تيمية، الأطوار المتقلبة لحياة الغزالي ووفرة إنتاجه الفكري في كل طور منها كانت من أسباب محاولة الكثير من الجهات الفكرية الإسلامية ضمّه إلى مدرستها وإثبات صحة انتمائه إليها.

فالأشاعرة اعتبروه أحد أهم أعلام مذهبهم عبر التاريخ، فيما نظر إليه الشافعية على أنه فقيه شافعي خبير مُجرب لا يُشق له غبار، هذا فضلاً عن انتمائه الأصيل للخط الصوفي الموغل في نزعته الروحية.

فوق كل ذلك، فإننا نرى مجموعة مذاهب وتيارات متضادة رحبت بضم الغزالي إلى دائرتها، عبر بعض الأقوال والروايات الضعيفة أو المتهافتة، فبينما عملت مدرسة أهل الحديث على ضم الغزالي إليها بواسطة إشاعة رواية توبته وندمه في آخر عمره، ورجوعه عن كل ما قال به من عقائد أشعرية، لدرجة أنه قد قُبض وصحيح البخاري على صدره، في إشارة قوية لاعتماده النص وحده ونبذه علم الكلام بالكلية، فإن طائفة من الشيعة الإمامية قد ادعت تشيُّعه على يد الشريف المرتضى، المعروف بعَلَم الهُدى، المتوفَّى 436ه، بعدما غلبه الأخير في بعض المناظرات وأثبت له أحقية الأئمة من آل البيت بالولاية بعد الرسول، كما أكدت تلك الطائفة ذلك الأمر من خلال الاستناد إلى ما ورد في أحد الكتب المنسوبة للغزالي، وهو كتاب “سر العالمين وكشف ما في الدارين”.

على الجهة المقابلة، كان ابن تيمية – نقيض الغزالي- مخلصًا لمذهب واحد ولتيار فكري محدد طوال عمره، فنراه -وعبر العشرات من المصنفات- سلفيا أثريا بامتياز، يميل بوجه عام للفقه الحنبلي، وإن خالفه في بعض الأحيان، اعتمادا على ما اعتقده في نفسه من كونه مجتهدًا مطلقا يجوز له الأخذ رأسا من القرآن والحديث الشريف.

من هنا، لا نستطيع أن نميز أطوارًا فكرية متباينة عند ابن تيمية، ولا نلاحظ ارتيابه في أي موضع من مواضع كتبه الكثيرة، بل كان على الدوام يتكلم بلسان ما اعتبره “الحق المطلق”، فأغلق الأبواب في وجه أي تيار فكري مخالف، كان من المُحتمل أن يضمه إليه في وقت من الأوقات كما وقع في حالة الغزالي.

ثانياً: – الانتشار الواسع للأشعرية وتقلص نفوذ أهل الحديث، يمكن الادعاء بأن الانتشار الواسع للمذهب الأشعري من جهة، وتقلص أعداد الخط الأثري السلفي عبر التاريخ من جهة أخرى، هو أحد أهم أسباب تفوق الغزالي على ابن تيمية في المخيال الإسلامي الجمعي.

كل من الغزالي وابن تيمية كان عَلَما لا يُبارى في نسق الجماعة العقائدية التي ينتمي إليها –الأشاعرة أو أهل الحديث على الترتيب- وتشهد على ذلك الأقوال المتواترة لعلماء الفريقين في تبيان وإظهار مكانة كلا العلمين.

معنى هذا أن الأشعرية قد تمثلت في شخص الغزالي بالقدر نفسه الذي ظهرت فيه مدرسة أهل الحديث في شخص ابن تيمية، ولمّا كانت الأشعرية هي أكثر المدارس العقائدية السنية انتشارا ورواجا في العالم الإسلامي السني، فقد كان من الطبيعي أن يصبح الغزالي هو الممثل الأكثر اكتمالا للعالم الربَّاني ورجل الدين الإسلامي في أعين السواد الأعظم من المسلمين عبر القرون، في حين بقي ابن تيمية مستأثرا بهذا الدور المهم في محيط الدعوة السلفية الحنبلية على وجه الخصوص.

ظهر الغزالي في الذهنية الإسلامية الجمعية على أنه أحد أهم العلماء في تاريخ الإسلام، فهو “حُجّة الإسلام”، و”مجدد القرن الخامس الهجري”، فضلاً عن كونه صاحب اليد الطولى في تقعيد المذهب الأشعري بعد كل من المؤسسين الثلاثة الأوائل، أبي الحسن الأشعري، المتوفَّى 324ه، وأبي بكر الباقلاني، المتوفَّى 402ه، وأبي المعالي الجويني المتوفَّى 478 ه.

ليس من الغريب إذن أن يُقحَم اسم الغزالي في نسيج العديد من القصص والروايات التي اختلط فيها الديني بالسياسي من جهة، وتداخلت عوامل التاريخ والمخيال في صياغتها من جهة أخرى. فتارة يظهر الغزالي كخصم عنيد أمام حركة الحشيشية الإسماعيلية المتمركزة في إيران، وتارة أخرى نجده يدافع عن وعد الرسول وإقطاعه بعض قرى فلسطين للصحابي تميم الداري، وذلك إبان إقامة الغزالي في بيت المقدس، عندما حكم بعض القضاة برد الإقطاع إلى الدولة.

حسن الصباح مؤسس طائفة الحشاشين –صورة تعبيرية

ورغم البعد الجغرافي والثقافي، فإن أصداء علم الغزالي قد وصلت إلى المغرب والأندلس، فهو الذي يرسل إلى أمير المرابطين يوسف بن تاشفين، المتوفَّى 500ه، ليطلب منه غزو الأندلس والقضاء على ملوك الطوائف، فيطيعه ابن تاشفين وينفذ أوامره ويضم أملاك المسلمين في شبه الجزيرة الأيبيرية إلى دولته الواسعة.

وكما كان الغزالي سببا في قيام دولة المرابطين وتوسعها، فإنه يظهر أيضا في مشهد نهايتها وأفول نجمها، إذ ذكرت مصادر تاريخية مغربية أن فقهاء الأندلس قد كرهوا ما كتبه الغزالي في “إحياء علوم الدين”، فحرقوا الكتاب في قرطبة أمام العامة، ولما عرف الغزالي بذلك من تلميذه المغربي محمد بن تومرت، دعا بأن يُبدّد الله مُلك المرابطين على يد ابن تومرت، وبالفعل، تُستجاب تلك الدعوة بعد حين، وتتمزق الدولة المرابطية على يد ابن تومرت، الذي ادعى المهدية، وخليفته عبد المؤمن بن علي.

ومن القصص التي تؤكد رفعة مقام الغزالي بين عامة المسلمين، تلك المنامات والرؤى المتواترة التي ذكرها تاج الدين السبكي، المتوفى 771ه، في كتابه “طبقات الشافعية الكبرى”، والتي يظهر فيها كل من الرسول و”أبو بكر” وعمر بن الخطاب وهم يصوّبون فعل الغزالي ويشهدون بأفضليته حينا، ويخطّئون أعداءه ومنافسيه في أحيان أخرى. ومنها أيضً ما شاع من أن الصوفي الكبير، أبا الحسن الشاذلي، قد رأى الرسول في منامه وهو يباهي موسى وعيسى بالغزالي، ويقول لهما “أفي أمتكما حَبْر كهذا؟”.

في السياق نفسه، وقفت الدعاية الأشعرية في صف التأكيد على أهمية مؤلفات الغزالي، فعلى سبيل المثال، بالغ الإمام يحيى بن شرف النووي، المتوفّى 676 ه، في تبيان أهمية كتاب “إحياء علوم الدين”، فقال “كاد الإحياء أن يكون قرآنا”، أما السبكي فقد وصفه في طبقات الشافعية الكبرى بقوله “لو لم يكن للناس في الكتب التي صنفها الفقهاء الجامعون في تصانيفهم بين النقل والنظر والفكر والأثر غيره لكفى”، كما وصفه في موضع آخر من كتابه “وهو من الكتب التي ينبغي للمسلمين الاعتناء بها وإشاعتها ليهتدي بها كثير من الخلق، وقلما ينظر فيه ناظر إلا ويتعظ به في الحال”.

ورغم أن العديد من الروايات المعظمة لابن تيمية قد عملت على إضفاء مسحة مماثلة من القداسة والتعظيم على شيخ الإسلام، فإنها –في معظمها- قد ظلت متقوقعة داخل الحيز الحنبلي الأثري، ولم تتمكن من التوسع والانتشار خارجه، خصوصا أن العديد من كبار العلماء المسلمين الذين عاصروا ابن تيمية أو لحقوا به، قد ذهبوا لتخطئته واستنكار مقالاته وأقواله.

 

4- موقف المستشرقين والاختطاف المؤدلج

ثالثا: – موقف المستشرقين، يعدّ موقف الأغلبية الغالبة من آباء الاستشراق بين العوامل المؤثرة في فهم أسباب التباين الكبير الحادث في رسم وتكوين الصورة الذهنية المعاصرة السائدة عن الغزالي وابن تيمية.

الأديب والأكاديمي المصري الدكتور زكي مبارك بيّن في كتابه “الأخلاق عند الغزالي” الموقف العام للمستشرقين تجاه الغزالي بقوله:

“ومما يتصل بتأثير الغزالي في الحياة العلمية عناية الأجانب به: فقد كتبت عنه عدة مؤلفات بالفرنسية، والإنكليزية، والألمانية. ومنهم من يتعصب له فوق ما يفعل المسلمون”.

على سبيل المثال، أكد المستشرق المجري الأشهر اجناس جولدتسيهر أن الغزالي “كان صاحب اليد الطولى في إشاعة التصوف بين العامة ليصبح من أهم العوامل الفعالة في الحالة الدينية الإسلامية على وجه العموم”، فيما ذهب المستشرق الهولندي دي بور إلى أن الغزالي هو “أعجب شخصية في تاريخ الإسلام”، أما المستشرق الفرنسي أرنست رينان فقد عدّه “روح المدرسة الإسلامية الأكثر إبداعًا”، وأن الفلسفة العربية لم تنتج فكرا مبتكرا عبر تاريخها الطويل كهذا الفكر الذي أنتجه الغزالي في القرن الخامس الهجري.

في السياق نفسه، ربط بعض المستشرقين كذلك بين مبدأ الشك الشهير الذي عبر عنه الغزالي بقوله “الشك أولى مراتب اليقين”، وبين المدرسة الفلسفية الديكارتية التي ستظهر في أوروبا بعدها بقرون على يد ديكارت، وزعموا أن ديكارت قد اطلع على بعض مؤلفات الغزالي، وأنه ربما قد تأثر بها في أثناء تدشينه نظرياته الفلسفية.

على النقيض من كل ما سبق، لم يحظ ابن تيمية بالاهتمام الكافي من قبل مستشرقي القرن العشرين، فإذا كان العديد من أفذاذ المستشرقين قد اهتموا بكتابات الغزالي، وقضوا سنوات في تحليل شخصيته وتبيان مآثره وأدواره المهمة في إثراء الحضارة الإسلامية، فإن القليل منهم قد تعرض لابن تيمية بالدرس والتحليل، فكان معظم ما قيل عنه في تلك الحقبة الاستشراقية المبكرة مجرد شذرات غير كافية وغير مستوعبة للإرث الفكري الضخم الذي تركه شيخ الإسلام.

المستشرق الأمريكي الجنسية جورج مقدسي كان من بين المستشرقين المعاصرين الذين أبدوا اهتمامهم بالخط الحنبلي، وعمل في كتابه المهم “الإسلام الحنبلي” على تفنيد أسباب حيود معظم أساتذته عن دراسة شيخ الإسلام، فكان مما قرره في هذا الكتاب أن إطلاق القول بأورثوذكسية الحنابلة قد أسهم في تحميل مذهبهم بأكبر مما يحتمل، إلى الحد الذي نسب إليهم الكثير من الاتهامات الباطلة التي شاعت مع مرور الوقت دون دليل أو شاهد، ومن ذلك القول بأنهم من المجسمة، وهو الأمر الذي عاد بالسلب على الصورة الانطباعية العامة لابن تيمية في أذهان الأوساط الاستشراقية عموما.

المستشرق الأمريكي جورج مقدسي

أيضا يذكر المؤلف أن قلة أتباع المذهب الحنبلي في القرن التاسع عشر قد أثرت كثيرا في الحط من قدر كتابات المستشرقين، فالمستشرق الألماني كارل بروكلمان على سبيل المثال لم يضع المذهب الحنبلي على قدم المساواة مع المذاهب الثلاثة الأخرى المعروفة عند أهل السنة (الحنفية- المالكية- الشافعية)، ومن جهة أخرى، قصر الباحث التركي فؤاد سزكين مصطلح أهل السنة والجماعة على المذاهب الثلاثة، ولم يضم إليها المذهب الحنبلي.

في السياق نفسه، انتقد “مقدسي” الخطاب الاستشراقي، الذي يعمل على دراسة الحركات الدينية في الإسلام، لأنها “مجموعات كُتْلوية متجانسة تقف ضد بعضها، وكل واحدة منها تأخذ شكل كتلة صُلبة من حجر صخري، وفي تعارض فوري مع كل حركة أخرى”.

“مقدسي” أكد أن غياب الدراسات المونوغرافية الدقيقة لأعمال وأفكار الممثلين الكبار للحركات الإسلامية عبر القرون، قد نتج عنه الاتجاه إلى “التعميم، والتوصيفات السهلة، والشهادات من مصادر لدى أصحابها مصالح مختلفة يخدمونها”.

“مقدسي”، عبّر عن وجهة نظره تلك، باستشهاده بما اعتبره مفارقة في التقييم الاستشراقي لعلاقة الغزالي وابن تيمية بالتصوف، “إذ انتقد الغزالي –مثل ابن تيمية- التصوف الحلولي وفي إساءته لمنزلة الشريعة، وهو بذلك كان يلتقي فكريًا مع الحنابلة، ولكن في حين أن الغزالي استحق مديح المتخصصين بالدراسات الإسلامية، تعرض ابن تيمية على العكس منه إلى إدانتهم.. هنا نحن أمام اختلاف في الرؤية.. وها قد حان الأوان لأن نعطي عن هذه المسألة رؤية أعدل وأدق”.

ولعل من نافلة القول تأكيد التأثير القوي الذي لعبته المدارس الاستشراقية الغربية في تدريس تاريخ الذهنيات بالعالم الإسلامي نفسه في القرن العشرين وما تلاه، فمن المعروف أن النسبة الأكبر من الأساتذة والأكاديميين العرب والمسلمين في تلك الحقبة قد استقوا معارفهم -بالأساس- من خلال الباحثين والمستشرقين الأكثر بروزا على الساحة الأكاديمية الغربية، ومن هنا فقد كان من الطبيعي أن ينتقل الإعجاب الاستشراقي بالغزالي إلى الأكاديميا الإسلامية في سهولة، في حين تم تهميش تراث ابن تيمية إلى حد بعيد.

رابعا: الاختطاف المؤدلج للشخصيتين، أما السبب الأخير، فهو ذلك المتعلق بالاختطاف المؤدلج للشخصيتين في العالم المعاصر، فبناء على كل ما سبق تم تصدير صورتين متناقضتين للعالمين الجليلين، إذ تم تقديم أولهما كنموذج للإسلام الوسطي المعتدل، الذي يُدرّس في المعاهد الإسلامية الكبرى في شتى جنبات العالم الإسلامي السني (الأشعري والماتريدي)، فيما اختُطف الثاني من جانب جماعات الإسلام السياسي، لا سيما الجماعات الراديكالية الجهادية التي بُنيت رؤيتها العنيفة في مواجهتها للسلطات الحاكمة على موقف ابن تيمية من السلطة المغولية التي حكمت دمشق لفترة قصيرة في بدايات القرن الثامن الهجري.

أسست الجماعات الإرهابية رؤيتها العنيفة على أفكار ابن تيمية

كان حُجة الإسلام مختطفا إذن من قبل أصحاب الأيديولوجيات القومية والوطنية المتعايشة مع الدين كنظام اجتماعي وعُرفي، في حين كان شيخ الإسلام هو النموذج الأكمل للعالم المجاهد الذي يناضل في سبيل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

وفي حين تقبلت أغلبية المجتمعات الإسلامية النموذج الأول في محيطه الأيديولوجي، باعتباره “المعتدل المعبر عن سماحة الإسلام”، والذي صُور في الذهنية المعاصرة كأقرب ما يكون إلى “شيخ السلطة”، فإنها -أي أغلبية تلك المجتمعات- قد رفضت الصورة الذهنية الانطباعية التي صدرتها جماعات الإسلام السياسي للنموذج الثاني، خصوصا بعدما بدأت نصوص شيخ الإسلام وفتاواه تتسرب شيئا فشيئا إلى أدبيات تلك الجماعات، للدرجة التي تشكلت معها صورة ابن تيمية مع مرور الوقت على أنه الشيخ الثائر ضد الطاغوت، والذي سُجن لسنين في كل من دمشق والقاهرة والإسكندرية، مدافعا عن معتقداته السياسية، وتغافلت تلك الصورة -بالكلية- عن حقيقة أن فتاوى ابن تيمية ضد المغول كانت ذات سياق تاريخي موضوعي بامتياز.

 

 

محمد يسري أبوهدور

كاتب وباحث مصري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى