ثقافة وفنمختارات

ملكة “الفن الهابط”.. كيف تحولت فريدا كالو إلى موضة مبتذلة؟

 

عندما ماتت فريدا كالو عام 1954 كانت معروفة كفنانة ناجحة ذات تاريخ شخصي مأساوي.. كان بعض جوانب حياتها مألوفًا مثل زواجها مرتين بالرسام واسع الشهرة دييجو ريفيرا، وانخراطها في الدوائر البوهيمية الفاتنة، وتوجهها السياسي اليساري، ومشكلاتها الطبية المُنهكة طويلة الأمد.. كانت شخصية مثيرة للاهتمام، معروفة في وطنها المكسيك، مع صدى محدود خارج الفئات المثقفة في العالم.

استمرت سمعتها على هذه الحال 20 عامًا، حتى اكتشفها نقاد الفن النسويون في السبعينات، فوجدوا فيها امرأة مثيرة للفضول، طريفة مع كونها هامشية، فنانة بنت لحظة تاريخية محددة اخترعت لوحات غريبة بروح فلكلورية تتمحور حول ذاتها.

فريدا كالو

أيقونة بأثر رجعي

ومع ذلك، فإن كالو الآن واسعة الانشار، تتلقى الإشادة كفنانة عظيمة، والأهم كسيدة عظيمة.

جدير بالملاحظة سرعة انتشار علامتها التجارية، التي انتقلت من الهوس إلى الابتذال. لقد ظهرت صورتها على طابع بريد أمريكي، وورقات نقدية مكسيكية، وكانت موضوعًا لرقصة بالية وعملي أوبرا وعدة مسرحيات، وحصل فيلم سيرتها الذاتية، بطولة سلمى حايك، على 6 ترشيحات للأوسكار، لم يحصد منها سوى جائزتين في فئتي أفضل مكياج وأفضل موسيقى تصويرية.

وظهر ألبوم لموسيقى الجاز يحمل اسمها، وكانت موضوعًا لعدد لا يحصى من الكتب وثلاث روايات.

والآن صار منزلها في مدينة مكسيكو متحفًا يزوره 25 ألف زائر شهريًّا وعلى مقربة منه حديقة تحمل اسمها، وحصلت على لوحة في “طريق قوس قزح” بمدينة سان فرانسيسكو، المخصص للاحتفاء بالشخصيات البارزة من مجتمع الميم (المثليين) LGBQT.

لوحة لفريدا كالو

من جهة أخرى، أثبت مظهرها المُميز جاذبيته بالنسبة إلى صانعي التفاهة، ففي 2018 أنتجت شركة “ماتل” دمية باربي على هيئة فريدا، احتفالاً بيوم المرأة العالمي، وتسببت هذه الخطوة في بعض الجدل لأن الدمية كانت رفيعة للغاية، ودون اتصال الحاجبين المميز لكالو، والذي كانت تدرك أنه يمثل علامة خاصة بها حرصت على إبرازها باستخدام مستحضرات التجميل الفرنسية.
وأثارت الدمية مزيدًا من الجدل بعد أن قاضى ورثة كالو الشركة، رافضين استخدام صورتها.

باربي فريدا

إذا لم تستهوك “باربي فريدا” يمكنك التبختر بحذاء فريدا الرياضي، والاحتساء بأكواب وزجاجات مياه تحمل صورة فريدا، والجلوس على وسائد فريدا، وارتداء جوارب تحمل وجه فريدا، وحقائب وأثواب عليها رسمة فريدا، وحماية هاتفك المحمول بحافظة فريدا، وحتى حماية نفسك من فيروس كورونا بارتداء قناع فريدا.

سحر أسلوب حياة فريدا

أما بالنسبة إلى فنها، فقد صارت أول فنانة من أمريكا اللاتينية تجني مليون دولار عندما بيعت لوحتها “دييجو وأنا” في مزاد علني بـ1.43 مليون دولار، وكانت صورتها الشخصية بعنوان “الإطار” أول صورة لفنان مكسيكي في القرن العشرين يشتريها متحف معرض دولي عملاق، حين اقتناها متحف اللوفر عام 1939، وهي الآن في المركز الوطني للفنون والثقافات (بومبيدو) بفرنسا.

وفي عام 1984 حظرت المكسيك تصدير أعماها إلى الخارج، وسوّد النقاد فيها مئات الصفحات، واستشهد بها فنانون معاصرون بمن في هؤلاء سينديشيرمان ومارينا أبراموفيتش باعتبارها أثرت فيهن، أما مادونا، التي تجمع لوحاتها، فتسمي نفسها مولعة شغوفًا بكالو.

لوحة لفان جوخ

يعتبر فان جوخ أقرب منافسي كالو من حيث الشهرة والأسطورية، ومع ذلك سيكون من الهرطقة أن نُلمِّح إلى أن أهميتها الفنية ليست بنفس عمق أهميته، لكن رغم ذلك فإن أساس شهرتها المعاصرة ليست لوحاتها على الإطلاق وإنما حياتها، وفوق كل ذلك نجد حقيقة أن تلك الحياة التي عاشتها قد أُنفقت على الألم، الجسدي والعاطفي، الذي لا يستطيع عصرنا الحالي مقاومة جاذبيته.

وقد كتب الناقد جون بيرجر في مجموعة من المقالات عام 2001: “يعود سبب كونها أسطورة عالمية جزئيًا إلى حقيقة أن تقاسم الألم يعد واحدًا من الشروط الأساسية لاستعادة الكرامة والأمل في هذه الأيام المظلمة للنظام العالمي الجديد”.

إنه لجدير بالتذكر كم الإغراء الذي تقدمه لنا سيرتها الذاتية، وذلك بفضل نقاط التقائها الكثيرة مع اهتمامات حياتنا اليوم.

بدايةً لقد ولدت كامرأة مختلطة العرق عام 1907 لأب ألماني وأم ذات تراث أوروبي مختلط، وفي طفولتها أصيبت بشلل الأطفال.

كانت فريدا تهدف إلى دراسة الطب وهي سمة ظهرت بوضوح في لوحاتها وتفاقمت بسبب إصاباتها المدمرة التي عانتها في سن الثامنة عشرة في حادث حافلة: “اخترقني عمود حديدي كما يخترق السيف الثور”، فثقب بطنها ورحمها وكسر عمودها الفقري.

فريدا تمارس الرسم في فراشها

براند فريدا الدامي

كانت إصاباتها تعني أنها قضت معظم حياتها في مشدّات داعمة من الصلب أو الجبس، كما أنها أجرت نحو ثلاثين عملية جراحية وتعرّضت للإجهاض وخضعت لبتر ساقها اليمنى بسبب إصابتها بالغرغرينة. قالت صديقة لها إنها “عاشت حياتها تُحتضر”.

بدأت فريدا الرسم لتمضية وقت تعافيها بعد الحادث واتخذت نفسها موضوعًا لما ترسم: “أرسم نفسي لأنني غالبًا وحدي، وأنا أكثر موضوع أعرفه”. شكل اهتمامها بالفن ما قبل الكولومبي وتأثرها بحركة المكسيكانيداد (وهي شكل من أشكال القومية التي يغلب عليها الحنين إلى الماضي) أسلوبها الخاص.

تزوجت فريدا برسام الجداريات دييجو ريفيرا للمرة الأولى عام 1929 وبعد طلاق قصير تزوجا مجددًا عام 1940. كانت لديها علاقات غرامية مع رجال ونساء، منهم ليون تروتسكي، وقد دافع عنها “بابا السوريالية” أندريه بريتون.

سافرت كالو إلى أمريكا وأوروبا وانضمت إلى الحزب الشيوعي المكسيكي وباعت لوحاتها إلى بطل أدوار الشر الشهير، الممثل إدوارد ج روبنسون، وعرفت مارسل دوشامب وبيكاسو وألهمت مصممة الأزياء إلسا شياباريللي وصنعت لنفسها اسمًا كرسامة للصور التي يصعب تصنيفها، وكشخصية لافتة للنظر.

فريدا ودييجو ريفيرا

طوال حياتها أصرت كالو على كونها مكسيكسة، وعلى توجهها السياسي، وعلى قوتها كسيدة وأهميتها كرسامة. وفي مقابلة مع مذيع تليفزيون أمريكي، قالت عن زوجها ريفيرا، ذائع الصيت آنذاك، إنه “يحسن صنعًا بالنسبة إلى فتى صغير، ولكنني أنا الفنانة الكبيرة”.

اتسمت سنواتها الست الأخيرة بالألم والأزمات الطبية، وماتت عن عمر ناهز السبعة والأربعين عامًا وسط شائعات عن انتحارها.

صرفت هذه القصة الرهيبة والبطولية انتباهنا عن فريدا الفنانة البارزة، حتى لو كانت شديدة الذاتية (55 من 143 لوحة لفريدا هي بورتريهات ذاتية، وهو أمر مفهوم).

كان تصويرها للألم عميقًا ومثيرًا، وأسلوبها، الذي يدعي السذاجة، مبتكرًا، وكان سعيها لتعرية الذات متسقًا مع ميل الحركة الطليعية آنذاك.

فريدا في مرسمها

قد تقوم الحجة المضادة على أن لوحات كالو سهلة القراءة كترجمة حرفية لحالتها الجسدية والعقلية، وأنها لم تُظهر إلا تطورًا ضئيلاً في الموضوعات والأسلوب، وأن لوحاتها السياسية مثل “الماركسية تقدم الصحة للمرضى”، أو “صورة شخصية على الحدود بين المكسيك والولايات المتحدة” هي لوحات ضحلة وعتيقة، وأن الأسلوب الذي اختارته يفشل في الانتباه للدقائق أو التعبير المرهف الرقيق، فانحرف بها نحو الفن الهابط، وليس سهلاً أن نجد أثرًا لكالو في الفن اللاحق عليها.

لكن كل هذا ليس خطأها، فقد كانت رغبتها في التفوق الفني في ذلك العصر، كامرأة بإعاقة جسدية، في حاجة إلى دفعة للأمام، أما اليوم، فإن معجبيها الذين يهللون لها دون نقد، باعتبارها شهيدة وأُمًّا للنسوية والسيولة العرقية والجنسية ومناهضة الرأسمالية والاستعمار، فهم الذين يسيئون إليها إساءة فادحة.

 

المصدر
The critic

ياسمين أبو أحمد

كاتبة ومترجمة مصرية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى