زوايا

سيكولوجية الألم المتكرر.. نساء يحببن أكثر من اللازم

“إذا كان الفرد يستطيع أن يحب بشكل فعال وحقيقي، فهو قادر على حب نفسه. أما إذا كان يحب الآخرين فقط، فإنه لا يحب أصلًا”، إيريك فروم.

لماذا نحب رجالًا لا يبادلوننا نفس المشاعر؟ كلما رفضونا زاد إصرارنا على التمسك بهم. نشعر أننا نريد مساعدتهم وحمايتهم وتغيير حياتهم للأفضل، وكسب رضاهم، بل نصمم بكل ما أوتينا من قوة أن نبقى في علاقة لا نأخذ فيها أي شيء. نُستنفذ بكامل إرادتنا في سبيلها حتى تستمر.

حضرتُ دخول أصدقاء مصحات نفسية من أجل التعافي من نوبات اكتئاب وقلق بعد علاقة مثل هذه، أبقتهم غارقين في الذنب والغضب، يلتهمون ما تبقى من أنفسهم، مقتنعين تمامًا بأنهم بذلوا مجهودًا كبيرًا في سبيل نجاح العلاقة، وأنهم أطيب من ألا يحبهم من أحبوهم.

الغريب في هذا النمط أنه متكرر، يعني لا تكون علاقة واحدة وتمر، بل عدة علاقات تدخلها المرأة بنفس النمط، وبنفس الحماسة، وبنفس الخصائص النفسية والشخصية للرجل، وتنتهي نفس النهاية! وليس في العلاقات العاطفية فقط انما حتى في الصداقة والعمل العطاء المبالغ فيه دون الحصول على أي شيء. لم أقتنع يومًا أن هذا العذاب المتكرر نابع من طيبة أو حب حقيقي أو سذاجة حتى.

لماذا هناك نساء ينجذبون إلى هذا النوع من الرجال بالذات؟ سؤال دائمًا ما كان يشغلني.

في كتابها “women who love too much” تُخبرنا روبين نوروود عن سيكولوجية المرأة التي تحب أكثر من اللازم، المهووسة بحب الرجال الذين لا يحبونها. تجيب عن سؤالي وسؤال كثيرين: لماذا تنجذب بعض الناس لنوع الرجال غير المتاحين عاطفيًا؟  تُفرد روبين الخصائص المميزة لذلك المأزق على مهل، وتؤكد في بداية كتابها أنه ليس من السهل أن تقرأ امرأة كل هذا ولا تغضب وتنكر، على الأقل في البداية.

الطفولة المنتهكة

قبل أن نبدأ في سرد الخصائص المشار إليها في الكتاب، علينا أن نعي أن أي نمط متكرر، هو نتيجة لبرمجة حدثت في الطفولة.

إدمان هذا النمط غير الصحي من العلاقات يبدأ من الأم والأب، هما من علمونا كيف تكون النساء والرجال، وكيف هي العلاقات.

غالبية النساء اللاتي يحببن أكثر من اللازم، نشأن في أسر مفككة، وليس شرط أن يكون الأب والأم منفصلين، إنما مفككة بسبب انعدام التواصل بين أفرادها، والجفاف العاطفي.

بمعنى أنها عائلة يوجد بها أب (وغالبًا ما يكون الأب) عديم المسؤلية، ولا يهتم بصحة الأسرة النفسية، أو نرجسي؛ لديه تاريخ من الضرب والإهانة للأم أو لأطفاله.

اقرأ/ي أيضًا: “العلاقات الإلكترونية المُحرمة”.. وقائع تكشف قصورًا في قانون العقوبات

لحظتها تعتمد معظم الأمهات الاستراتيجية الكلاسيكية للتعامل مع الأب العنيف، وهي “نعدي اليوم”، أي التغاضي عن الأمر كأنه لم يحدث حتى ينتهي اليوم بلا تكسير عظام أحدهم، أو دون التعرض لنوبة غضب جديدة يسمع بها الجيران.

تضرب جذور تبعات هذا السلوك في تكوين الأطفال عاطفيًأ وفكريًا.

غالبية الأطفال الذين كان لهم أب أو أم نرجسيين، يصبحون أشخاصًا شديدي الحساسية (empath) عاطفيون؛ يشعرون بأدق التغيرات الحاصلة أو التي يمكن أن تحصل في المكان والأشخاص، حتى يتوخى أي ضربة أو حركة غدر أو نكد.

وبسبب هذه القدرة الفائقة يصبح هذا الطفل مع الوقت ممتص لنوبات غضب الأب، أو يطيب خاطر من يبكي ويحتضن الصغار، ويصمت أمام الإهانة والضرب. ولهذه الأشياء خلق الله كيس الوسادة، لكن الطفل بشكل ضاغط و لا واعي يصبح هو كيس الوسادة أو مُنظم المشاعر، ويعرف هذا الأم باسم التنظيم العاطفي الخارجي (Extrinsic interpersonal emotional regulation)، ويشير هذا المفهوم إلى محاولات تعديل السلوك والمشاعر، أو تغيير مسارها للتخفيف من حدتها على شخص آخر أو لتحقيق هدف ما.

وتستمر هذه الخاصية مع الطفل، وتتطور وتتعقد أكثر من مجرد أحضان وتهدئة، إلى تضحيات تكبر وتزداد تعقيدًا مع السن، كما أنها تجعله قادرًا على رؤية الذين يحتاجون للمساعدة ولديهم مشاكل مثله ومن ثم ينجذب إليهم، لأن العائلات المفككة ترسب رؤية للإهانة والعنف وقلة الحب والرعاية على أنها العادي وأمور مألوفة.

تقول روبين: “العائلات غير الصحية تشترك جميعها في عدم قدرتها على مناقشة المشاكل من جذورها، رغم أنها تناقش مشاكل أخرى حد الغثيان. لكن ذلك مجرد غطاء لما هو أسفل”.

اقرأ/ي أيضًا: ساطور العنف على رقبة المرأة: كله بما يُرضي المجتمع

لذلك كل طفل تربى داخل عائلة تستخدم العنف والإنكار والغرق في الحزن كعنصر أساسي مثل الخبز على الفطور؛ يظن بشكل لا واعي أنه عندما يضرب الأبُ الأمَّ أو يهينها، فهو يفعل ذلك ربما بدافع الحب، أو أن الأم تصرفت تصرف غبي يستحق ذلك، أو أن غدًا سيستيقظ وينسى كل شيء وسيمر اليوم.

يبني ذلك عند الطفل قاعدة راسخة من عدم الثقة في إحساسه وحدسه، لا يفهم عندما يكبر معنى عبارة “علاقة مؤذية”.

كيف أصبحنا ما نحن عليه؟

تقول روبيين: “لم نصبح تلك النساء بالصدفة، إنما النمو في مثل تلك العائلات يجرف أصحابها في أنماط متوقعة مثل تلك”.

1. ملء الفجوات العاطفية عن طريق العطاء

تحاول المرأة ملء فجواتك العاطفية عن طريق العطاء، خصوصا للرجال الذين يحتاجون للمساعدة أو لديهم مشاكل.

عندما يعامل الأطفال بإهمال من قبل الأهل  يبدأ الطفل الذكر بالغضب  وبممارسة سلوك عدواني أو الصمت. لكن الفتيات بدلا من الغضب تمنح كل ما تحتاجه لدميتها. تندمج في اللعب وتتقمص شخصية الأم لتعطيهم ما لم تأخذه.

هذا ما يحدث مع النساء اللواتي يحبنن أكثر من اللازم؛ يكون الرجل بدلًا من الدمية، خاصة الرجال الذين يبدو أنهم يحتاجون إلى المساعدة أو الذي عانوا جفافًا عاطفيًا في الطفولة.

عندما نحب أكثر من اللازم، نغرق في عالم خيالي يكون فيه الرجل الذي أحببناه غير سعيد وغير ناجح، ونعتقد أن لدينا القدرة السحرية لتعديل أموره للأفضل

تمارس المرأة جهدًا ملتوٍ (Roundabout effort) لتحصل على ما تحتاج إليه من اهتمام وحب، عن طريق أن تعطي ذلك، وكلما رفضه الرجل، كلما ازدادت حدة عطائها، لأنها تتصور أنها لم تعط كفاية لينتبه لها.

2. عدم الحصول على عائلات دافئة

لأننا لم نحصل على عائلات دافئة، ولم نستطع أن نغير آباءنا لآباء محبين؛ ننجذب إلى الرجال الذين يشبهون العائلة التي جئنا منها.

الرجال اللطفاء غير قادرين على لفت نظر امرأة لديها تاريخ من الإهمال وعدم الحب، لأنه لا يشبه الذين عذبوها ولا يمثل أي تحدٍ لها.

تنجذب المرأة التي تحب أكثر من اللازم، لرجل منشغل وغير عابئ بوجودها، يضعها في آخر قائمة اهتماماته، ذلك أنه يجعلها في حاجة دائمة إلى أن تثبت كم هي ذكية و موهوبة وجميلة ومثيرة حتى يلتفت لها.

يمثل هذا الرجل بالنسبة لها التحدي بذاته. كما يمثل لها السيناريو الذي تحاول تغييره: الشخص الذي يشبه أباها في انشغاله عنها. لكن في النهاية حصلت على حبه واهتمامه، رغم أنه قاسٍ وصعب المراس.

لحظتها فقط ستشعر أنها على ما يرام، أنها غيرت نهاية الفيلم البائس الذي يتكرر في حياتها.

3. الخوف من الفقد والهجر

في حياة كل امرأة مهووسة بالحب، رجل دوره محوري في حياتها، فقدته بشكل مأساوي، وغالبًا يكون الأب الذي هجر المنزل أو مات. ويصبح الأمر بمثابة جرحٍ تحاول مقاومة آلامه بإنكاره أو بمحاولة تجنبه حتى لا يتكرر.

لذلك لا شيء يصبح غالٍ على الشخص الذي تحبه، مثل الهدايا الثمينة والمجهود الكبير الذي تبذلينه في تنظيم حياته. أي شيء يجعله سعيد وراضي وفي أفضل حالاته، تقومين به لأنك بحاجة إلى حبه، وأنتِ تعتقدين أن مجهودك ضامن لبقائه وللحصول على الحب.

4. الاعتياد على قلة الحب في علاقاتك

اعتيادك على قلة الحب في علاقاتك يجعلك تحاولين أكثر، مع آمال أكبر في نجاحها، فعندما تدخل امرأة ذات تاريخ عائلي صحي في علاقة عاطفية وتكتشف عدم المسؤولية والوضوح والتقدير من الرجل الذي معها، حتى وإن كان يبادلها المشاعر؛  تنهي العلاقة فورًا.

لكن الأمر مع المرأة التي تحب أكثر من اللازم، لا يمر بمرحلة الوعي بالمنطقة التي تقف فوقها. إنما ترى أن كل ذلك مألوف، ومن الطبيعي وأن حبها وتضحياتها قادر على تغيير الموقف للأفضل.

كما أن أي تغيير بسيط في الرجل، حتى وإن كان مصادفة، يجعلها تأمل وتحاول أكثر.

5. الاستعداد لتحمل أكثر من 50% من المشؤولية والشعور بالذنب في العلاقة

غالبًا الذين خرجوا من عائلات غير صحية، حصلوا على آباء أنانيين، عديمي المسؤولية، وغير قادرين على دعم أبنائهم.

ولذلك يتعلم الطفل أن يحل مشاكله بنفسه؛ ويصبح “pseudo-adult” أو بالغ مزيف؛ طفل يفعل أفعال الكبار، ويتحمل مسؤولية أكبر من عمر خبراته، لأنه ليس هناك من يفعل ذلك غيره.

عندما تدخل امرأة في علاقة عاطفية بعد تاريخ طويل من تحمل المسؤولية تجاه عالمها، تتصور أن نجاح هذه العلاقة هي مهمتها وحدها، وأن كل شيء يحدث هو بسببها، سواءًا أكان إيجابيًا أو سلبيًا. وغالبًا ما تختار من هم مثل أبيها ليكون هو الآخر مصدر للوم.

6. درجة متدنية من حب الذات

أيضًا من الأسباب أن يكون لدى المرأة درجة متدنية من حب الذات. أن تعتقد أنها لا تستحق السعادة، وأن عليها بذل مجهود مضاعف للحصول على بعضها.

إذا كنا مع آباء لم يستطيعوا أن يشعرونا كم نحن محبوبين، ونستحق الاهتمام، فكيف سنعرف عندما نكبر أننا جيدون كفاية، ونستحق الاحترام والحب والسعادة؟

قليل من النساء القادمات من عائلات مفككة، يعرفن أنهن يستحقن الحب أو السعادة كغيرهن. لكن كثيرًا من النساء يقعن في فخ الاعتقاد بوجوب العمل بجد وبذل مجهود مضاعف لسرقة لحظات سعيدة من الحياة.

7. قلة الأمان والاستقرار

لأنك لم تحصلين سوى على القدر القليل من الأمان والاستقرار في طفولك، صارت لديكِ رغبة بائسة في التحكم، وسواءً في الرجل الذي أنتِ معه أو في كل علاقاتك. وعادةً ما تخفين الأمر بإظهار نفسك كـ”مُساعدة”.

العيش في أي نوع من أنواع العائلات غير الصحية، يجعل الآباء غير قادرين على بث الطمأنينة أو الحفاظ على قدر كاف من الاستقرار، ما يسبب الخوف والقلق للأبناء.

عندما تكبر المرأة في بيئة كهذه، فإنها تحاول قلب الطاولة بأن تكون هي من تبث الطمأنينة وتحافظ على الاستقرار، حتى وإن كان هذا أعلى من قدراتها. بالنسبة إليها، هذا أرجم من العيش مرة أخرى تحت رحمة شخص لا يُشبع احتياجاتها.

النساء اللواتي يحببن أكثر من اللازم، يحتجن دائمًا إلى أن التواجد مع أشخاص يحتاجون إلى المساعدة، ليشعرن أن زمام الأمور بأيديهن، ليكن آباءً لغيرهن.

8. العيش في الأحلام

من الأسباب كذلك، أنكِ تعيشين في أحلامك عن العلاقة وما ستؤول إليه، أكثر من معايشتك لما هي عليه الآن.

عندما نحب أكثر من اللازم، نغرق في عالم خيالي، يكون فيه الرجل الذي أحببناه غير سعيد وغير مرتاح وغير ناجح، ونعتقد أن لدينا القدرة السحرية لتعديل أموره للأفضل.

سيكولوجية المرأة
الإدمان على الشعور بالألم جزء من سيكولوجية المرأة التي تحب أكثر من اللازم

ولأننا نعرف القليل عن العلاقات السعيدة، والقليل جدًا عن كيفية اختيار شريك يلبي لنا احتياجاتنا العاطفية، يكون العالم الخيالي أقرب إليها، لأن فيه ما نتمناه حقًا، ربما أكثر مما نعيشه الآن.

جزء من هويتنا آنذاك، مبني على مساعدة الآن، لنشعر بالسيطرة والأمان، وبأهميتنا. لذا من الصعب أن نكون مثلًا بلا عمل. لذا أن ندخل في علاقة ما رجل لديه كل ما نريده، سيجعلنا نتساءل: لماذا سيحتاج إلينا أصلًا. نحن نفضل العيش مع رجل نحلم بأنه سيصبح كل شيء أردناه، بدل العيش مع رجل هو بالفعل متحقق.

9. الإدمان على العلاقات والشعور بالألم

يقول ستانتون بيل في كتابه “الحب والإدمان”، إن التجربة الإدمانية تعمل على امتصاص الوعي. إنها تجربة كاشفة عن كم القلق والألم الذي يمتلكه الفرد. ولا يوجد شيء أفضل في امتصاص وعي الإنسان مثل علاقة حب بنمط معين. العلاقة الإدمانية سببها الرغبة في الاطمئنان، بالتواجد مع شخص يحقق ذلك، بقدرته على شغل الإنسان عن مواجهة الجوانب الأخرى في حياته.

هذا النمط من العلاقات يعتمد على الانشغال عن المشاكل الحقيقية بالارتباط العاطفي. وفي البداية يجعلنا هذا النمط من العلاقات نعتقد أننا أخيرًا وجدنا ضالتنا، ووجدنا من سيعطينا الحب والرعاية.

الأمر إذًا مثل المخدرات، كلما قل المفعول الذي تعطيه لنا، زاد تعاطينا لها، بمعنى أننا نحاول أكثر للحصول على ما نريد أن نشعر به.

هكذا يكون الاعتماد العاطفي: المحاولة الدائمة للحفاظ على الشيء الذي ظهرة مرة، وكان جميلًا وواعدًا.

وبهذا الشكل قد تنقلب العلاقة إلى ضغط على الرجال الذين نعرفهم؛ نحتاج إلى المزيد من التواصل، والمزيد من التواجد، والمزيد من الحب، الذي كلما قلّ، كلما زادت الأمور تعقيدًا، وكلما زادت الأمور تعقيدًا كلما أصبح من الصعب التخلي عن الموقف كله، العلاقة كلها، بسبب عمق احتياجاتنا.

يمكن القول إن انجذابنا لمثل تلك العلاقات مرة بعد مرة، هو رسالة إنذار بأن لدينا خواءً ما يجعلنا نبحث عمن يملؤه. نبحث عن حب لا نستطيع منحه لأنفسنا. نبحث عما يشتتنا عن التواصل الحقيقي غير المزيف مع أنفسنا. بينما قد يكون الأفضل أن نتفاهم مع أنفسنا قبل بحثنا عن شريكٍ لحياة مستقرة.

مي أسامة المغربي

كاتبة مصرية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى