ثقافة وفنمختارات

“وادي الحطب”.. سرد متقن لإرث الاستعباد في موريتانيا

 

منذ صدورها عن دار “ميارة” التونسية بداية العام، وقبل تتويجها بجائزة “كتارا”، حازت رواية “وادي الحطب” احتفاءً جماهيريًّا وثناء العديد من النقاد، ويرجع معظم الفضل في هذا الالتفات النقدي إلى البيئة التي تدور فيها أحداث العمل.. موريتانيا.. تلك الأرض القاحلة التي تفصل بين شمال إفريقيا العربي وجنوب القارة، والتي دخلت الحداثة متأخرة عن جميع الدول العربية، وقد ضمنت البيئة القبلية المجهولة جنوب الصحراء للقارئ العربي عامل التشويق، قبل قراءة كلمة واحدة مما نثرها الشيخ أحمد ولد البان.

الروائي أحمد ولد البان

تدور رواية الشاعر والأكاديمي الموريتاني الشاب “ولد البان” حول اختفاء “خَطري”، أحد وجهاء قبيلة تسكن وادي الحطب، وخلال عمليات البحث تتكشف أسرار جريمة خطف، يشترك فيها أحد أبناء عمومته مع الاستعمار الفرنسي.

ورغم الكشف السريع عن مرتكبي الجريمة، فإنك تظل مشدودًا إلى معرفة وقع الخبر على بقية الشخصيات، زوجة المختطَف “تربة فال”، وأخوه “سلماتي”، وعبده “امبريك”، والزعامة الدينية “لمرابط”، وغيرهم من شخصيات رُسمت تفاصيلها بدقة، سواء معالمها الشكلية والنفسية، أم موقعها الطبقي في مجتمع شديد الانقسام “لا تجور فيه طبقة على حق أخرى”.

لـ”العرب البيضان” الحرب، ولقبائل الزوايا الشرع وتدريسه، وأما العبيد فهم “مجرد كتلة من الطاقة المادية المسخرة للعمل الشاق”، لا يحق لقلوبهم أن تخفق بالحب.

ويأتي في منزلة بين العبيد والأحرار الصانع التقليدي أو “لِمعلم”، وهو “إنسان خُلِق قدَرًا لحرفة معينة”، تقوم أسرته على صناعة متطلبات القبيلة من حبال وخيام وأوتاد، حتى تزيين العرائس، وتحصد الاحتقار.

رواية وادي الحطب

ويحيطك الكاتب علمًا بمدى نبذ القبيلة لهم من خلال حديث يدور في مجلس نسائي، نصبته نساء القبيلة من أجل الدعاء بعودة رجالهم الغائبين في الصحراء المترامية حولهم، بعدما طالبت الفارهة الدعاء لأبيها “لمعيدل” في مجلس يقام أمام خيمتهم مثلما فعلوا مع أسر الرجال الآخرين، ردت عليها إحدى النساء قائلة:

“- يا ابنتي الفارهة، هذا أمر الشريعة المحمدية، فمنازل لِمعلمين لا يرفع منها دعاء إلى السماء.
علقت امرأة أخرى:

– قال أبي رحمه الله إن الصلاة في منازلهم أشد كراهة من الصلاة في معاطن الإبل، وكان يَستحب الإعادة لمن صلى فيها”.

كان حظ “الفارهة” وأبيها أفضل من أولئك العبيد، الذين استهل بهم ولد البان عالمه، فقد ردمت القبيلة البئر التي سقطوا فيها، رغم سماعهم صوت الأحياء منهم، لأنه قد حان موعد رحيلهم ببساطة، ولا وقت لديهم لاستخراج الناجين.

لا يقف ولد البان كثيرًا عند هذه اللحظة التراجيدية، بل يقصها في صفحة واحدة ويمضي سريعًا، موحيًا إليك باعتيادية تلك الممارسات في هذه البيئة القاسية، خاصة بين عام 1930 حتى انتهاء الحرب العالمية الثانية.

مظاهرة للموريتانيات الأفارقة

ميراث العزلة

ينقسم المجتمع الموريتاني إلى 3 مجموعات عرقية، “العرب البيضان” أصحاب السيادة الاقتصادية والسياسية، و”الحراطين” وهم عبيد سابقون من ذوي البشرة السمراء، والموريتانيون الأفارقة.

وبين المجموعات العرقية الثلاث وفروعها صراعات بالغة العنف، بالإضافة إلى العنف الطائفي، وميراث الاستعمار الفرنسي الذي جرف الأرض لعقود من ثرواتها، وترك عداوات بين السكان لم تندمل بعد.

تأخرت موريتانيا عن ركب الحداثة بسبب طبيعة الحياة التي تفرضها الجغرافيا على سكانها القلائل، فغالبهم بدو يرتحلون مع الغيوم المطيرة أينما ولت، حتى إنها لم تلغِ العبودية رسميًّا إلا قبل 4 عقود فقط، ولا تزال العبودية، وإرثها، عمليًّا سارية في البلاد.

رواية الأسماء المتغيرة للأديب الموريتاني أحمد ولد عبد القادر

الخضوع للشرفاء.. والمقاومة للعبيد

ظل الأدب الموريتاني غائبًا عن الساحة الثقافية العربية حتى صدور رواية “الأسماء المتغيرة” عام 1981، للأديب والشاعر الموريتاني الكبير أحمد ولد عبد القادر، وهي الرواية الموريتانية الأولى، لأن الشعر العمودي، الذي استمر لقرون، وسيلة التعلم ونقل الثقافة في هذا المجتمع التقليدي، لم يترك متنفسًا للنثر، ثم توالت بعد رواية عبد القادر الأعمال النثرية في الظهور تباعًا، إلى أن أتحفنا ولد البان بـ”وادي الحطب”.

أخشى الكاتب الذي يريد اختزال العالم بين دفتي كتاب.. يتملكني هذا الشعور كلما بدأت قراءة عمل أول لكاتبٍ ما.. تتلك الرغبة في تقديم عمل جامع، يتحدث عن كل شيء، قد يجعل الشخصيات تتفلت من يد صانعه، وينقلب عالمه إلى فوضى مملة، إلا أن ولد البان يهرب من هذا الفخ باتباع الشكل الكلاسيكي، ووفر جرأته كلها للحديث عن مواضيع تؤرق حاضر موريتانيا، العبودية والتفاوت الطبقي، وإرث الاستعمار، وحب الزعامة.

في الرواية يضع شريف النسب، السيد في قومه، في أقصى درجات المذلة، ويرفع من مكانة المهمشين، العبيد والمِعَلمين، في مواقف ضاغطة لكرامتهم.. فـ”سلماتي” يتعرى أمام الاستعمار، و”لمعيدل” و”امبريك” يقاومان حتى الرمق الأخير.. سلط ولد البان الضوء على وضاعة معايير المجتمع “إنه مجتمع غريب، معاييره مزدوجة للإنسانية”.

وعلى لسان الحاكم الفرنسي “كزافييه” يصف المجتمع قائلاً: “إن المجتمع البيضاني لا يملك قوة الجماعة، بل إن كل فرد منه مجتمع مستقل بنفسه.. تمامًا مثل العلاقة بين الأغصان في أودية الحطب، لا جذع شجرة يجمعه، ولا ماء يسقيه دفعة واحدة”.

ومن تلك الفقرة، والتي جاءت في الفصل الأخير على هيئة مذكرات الحاكم الفرنسي، يبدو أن الروائي أحمد ولد البان قد جاء بعنوان عمله، مما يجعلنا نخمن أن تلك الرؤية السائدة في الفقرة موجز تعليقه على حاضر بلاده.

ورغم أن الكاتب قد زحم الرواية بالشخصيات، ويرجع هذا إلى تنوع مواضيعها، فإنه حافظ على سرعة الإيقاع، وقبل أن ينهي لنا حل لغز اختفاء “خَطري”، كان قد فتح أبواب وأسئلة عدة للحفاظ على النفس التشويقي الذي استمر حتى الفصل قبل الأخير.

وهو تبعات هذا الكشف على شخوص الرواية، ومحاولة التنبؤ بمن سيفوز بزعامة القبيلة، وهل سينجح “امهادي” في اجتذاب الحاكم الفرنسي “كزافييه”، أما سيُهزم من “سلماتي” المستعد لفعل أي شيء مقابل رضا الاحتلال؟

كل ذلك في أثناء ارتحال القبيلة إلى مكان إقامة “الحصره”، وهو مكان جمع الإتاوات من السكان لصالح المحتل الفرنسي، ما أعطى فرصة للكاتب أن يُصوّر لنا مشاهد الرمال والسماء وظواهر الليل والنهار والمناخ في بيئة كتلك، وقد جعل منها الكاتب أفضل جوانب الرواية، فنقله للبيئة ظهر في كل تشبيه، حتى تكاد تفرك عينيك من أثر العواصف الرملية، كما صعّد هروب بعض رجال المطاردين من جنود الإدارة الفرنسية وتيرة القلق على مصائر الشخصيات.

استثمر الكاتب في خلق غابة من العلاقات بين الشخصيات، وصنع لها تاريخًا جعلنا ننسجم مع العمل، ونتأثر بأبطاله، فالرواية موزعة بالتساوي تقريبًا مساحة الظهور للشخصيات، إلا أنه لا يمكن ختم المراجعة قبل التحدث عن بعض المنغصات في تجربة القراءة، فالمفردات في الرواية صعبة ومهجورة في أحيان كثيرة، وربما أزعج ذلك الكثيرين، الأمر الذي جعل الكاتب يعلق على الأمر في لقاء تليفزيوني، بأن السياق يوضح الملغز في المفردات، وهذا ليس دائمًا، فهناك مفردات لا يفسرها إلا استخدام جوجل، وليس جيدًا أن تخرج من خيال كاتب وتذهب إلى جوجل كل 10 صفحات!

الأمر الثاني هو الفصل الأخير، الفصل الزائد عن اللازم، فقد قال الكاتب كل ما لديه قبله، فجاءت فقراته حكمًا على العالم الذي خلقه، حتى لتحسب الفصل الأخير تفريغ ما جمعه الكاتب من مادة قبل الكتابة ولم يستخدمها، إلا أن النجاحات الكثيرة في الرواية، تُسهل مهمة الصفح عن إخفاقاتها.

 

معتز حجاج

صحفي مصري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى