ثقافة وفنمختارات

40 عامًا.. عمر “اسم الوَردة”.. “أُمبرتو إيكو” باقٍ ويتمدد!

 

تحتفي وزارة الثّقافة الإيطالية بمرور 40 عامًا، على رواية “اسم الوردة” التي تُرجِمت إلى أكثر من 50 لغة حول العالم. مناسبة تتوافق مع مرور 4 سنوات على وفاة مُبدعها أمبرتو إيكو.

وتأتي الذكرى الأربعين للرواية في وقت تغرق فيه إيطاليا في حَوْمة “الوباء الجديد”، بعد أنْ فتكت النَّسخة الأوّلية من الطاعون الأسود  في القرون الوسطى الأوربية بعقلانيِّ “اسم الوردة” (جوليالمو القِس). تُرى ما الذي ضمن لذلك العمل الروائي الوقوف على أعتاب الخلود؟

ترانزيت حضاري

شكّلتْ إيطاليا بتاريخِها محطّةً مركزيّةً في مسار التَّأريخ الأُوروبيِّ، لا في رومانيَّتها العتيقة، هُناكَ حَيثُ صِيْغَ المِخيالُ الأبدي المُستَعاد، لما يُسمَّى بالزَّمن البُطُوليِّ فحسب، بل من خلال عصر النّهضة أيضًا، الذي كان عتبةً حَدِّيَّة بين ما قبله وما بعده، وممرًّا عَبَرتْه الشّخصيَّة الإيطاليَّة بوصفها في طليعة الرِّيادة، والأكثر ثقةً بمكتسباتها الحَضاريَّة، مقارنةً بسائر الجُغرافيا الأوروبيّة في ذلك الحين.

إيطاليا في عصر النهضة – أرشيفية

عند تلك الأعتاب المكانيّة لذلك البلد المُتوسطيِّ، التُّخُوميِّ (لا شرقَيّ ولا غربيّ)، انعقدتْ فصولُ “اسم الوردة” تلك المَعْلَمَة الرِّوائية للفيلسوف والسِّيمولوجي الإيطالي إمبرتو إيكو (1932 – 2016)، نقَلَها إلى العربية أحمد الصّمعي.

جاءت الرّوايةُ كدَمجٌ لأخيلةٍ بوليسيَّةٍ مطلوبةٍ على نحوٍ كبيرٍ في الأدب العالميّ المُعاصِر، ولكن على أرضيّة تاريخيَّة يشتبكُ في معالمِها التّراثُ القريب المُتطلِّع إلى قيامةِ زمن بطوليِّ جديد.

ورغم أنها صَدَرتِ عام 1980، اتضح اليوم، وبعدَ أربعينَ عامًا، أنّها لم تتوقَّف في ذاتِها عن أن تكونَ أيقونةً نموذجيّةً، لما يجب أن يَطرحَه الفنُّ عمومًا أو الأدبُ في شَكلِه، كأنّها في ذلك تتمثّلُ بموضوعِهَا ذي الأسانيدِ المُشْكِلَة حقًّا.

عند هذا الحدّ يُصبِحُ السُّؤال كيفَ يُمكنُ، بعد هذه الأربعين، لمحاوارات القِس جوليالمو ومرافقه آدسو الصَّغير، (بطلَي الرّواية) أن تلبّي تطلُّعَنا نحو قراءةِ عَمَلٍ فنِّي مُؤَسَّسٍ على الصَّلابة الحداثيّةِ للقرن العشرين، خاصّة بعد أن وضعَ العملُ اسمَ صاحِبِه متراصِفًا مع أرباب صناعة الرِّواية في القرن العشرين من ماركيث إلى أورويل إلى محفوظ، كما أنّه، في ذات الوقت، عملٌ ينساب بالقارئ إلى الماضي، فيَعرِضَ عليه التّاريخ بهيئته السَّيَّالة الخياليّة/ الألعوبة؟

أربعون عامًا على صدور “اسم الوردة” ولا تزال حاضرة

المضمون الرفيع

توطِّئ الجريمة، بوصفها عامِلاً تشويقيًّا أساسيًّا في الرّواية، المداخِلَ السَّرديّة للأبطال حتّى يأخذوا دورَهم، لا بفكفكة الجُرْم/اللُّغز فقط، إنَّما يتعدَّى ذلك نحوَ ما تُمكنُ تسميتُه ببساطة: المضمون الرّفيع. يَستعيدُ آدسو بدايةً ذكرياتِه، ويَقصُّها بحضور الشَّيخ، وذاكرة الفتى التي لا تخطو بعيدًا عن خطوِ المُعلّم جوليالمو. عندها تتوالى سُبْحةُ الجَرائم على خطٍّ سرديٍّ مُشوِّق تكادُ تَتَفصّدُ من أثرِهِ عُروقُ الرُّعب والمُخاطَرة، على خطٍّ موازٍ آخر، تنسَربُ الخُطّة التَّاريخيَّة للرِّوايَة لإيضاح الصِّراع على الإصلاحات وتَبنِّيهَا داخل أروقَة الكَنيسة أو الدَّير الذي قَصَده المُعلّم ومُريدُه لحلِّ لُغز الجريمة.

تَفتَحُ هذه الموازيات السَّردية، العَمَلَ على أُفُقٍ مَعرفيٍّ واسعٍ استثمرَ به إيكو أيّما استثمار، خاصّةً أنّ مَكتبةَ الدَّير هي مسرح الأحداث، لتَتَعشَّقَ الحواراتُ على وَقعِ ذلك الزّمانَ الحَدِّي وتجاذُباتِه بين النَّهضة وأفكارها التنويرية، مقابل القرون الوسطى وخرافاتها، والمكان الذي لا تلطمُه أمواج المتوسط إلّا لتوصِلَ إليه حِكمةَ الشّرق، من مَكتَبات بغداد ودور حِكمَة القاهرة، وخِزَانات أدب طرابلس. لذلك فإنّ أحد المَلامح الجَليَّة في «اسم الوَردة»، هو الـتَّأثير العربي الحضاري في النَّقلة الثقافيّة المُتَحقِّقة مع عصر النَّهضة، ومكانة إيطاليا السَّباقة بتلقّي تلك التَّأثيرات.

عليهِ، وبالعودة إلى الموازيات السَّرديّة نجدُها تقترب من بعضها أكثر، حتّى تستحيلَ إلى جَدَليَّةٍ على يدي نسّاجٍ ماهرٍ مثل إيكو، وليست مُجرّدَ كينونة أوروبيَّة لا تَنظُر إلَّا في ذاتها. كلُّ هذا الزَّخم في المضمون.. والجريمة لمَّا تُحلَّ بعد! بل أُتْبِعَت بجرائمَ أخرى مع وصولِ البَطَلين إلى الدّير، الأمر الذي يَضعُ القارئ أمام انعطافاتٍ تَنقله تشويقًا من قيمةٍ إلى أُخرى أكثر إلحاحًا على تيمة الرُّعْب.

كما إيطاليا القَلقة، فإنَّ الدَّيرَ صورةٌ مُكَثَّفة عنها، فإذا أخذتْها أمواجُ الصِّراع ما بين سُلْطةِ الكَنيسة والغيبيّات والخرافات، ستأخذه في المُقابلِ جريمةٌ مُلغزَة. وإذا عصفَت بها أفكارُ المُهرطقين والمارقين الذينَ وصَلَتهُم كتابات المُعلِّم الأوّل أرسطو من خلال الرُّشديّة، نسبةً إلى ابن رشد ذلك الأندلسيّ المُعذّب فكرُه في أرضٍ المُقدَّسات التي لا تُمَس، كذلك يعصفُ بالدّير في المقابل ترويعٌ وتخويف. في الإطار العامّ وبعيدًا عن شدِّ الأعصاب، والحِيَل البُولِيسيّة، يَشفُّ هذا الارتباط بينَ الصُّورة الكبيرة/إيطاليا ومن خلفِها أوروبّا بأسْرِها، وبين الصُّورة المُصغَّرة/ الدّير، عن نوعٍ من التَّدليل على طابع يقتربُ من الإرهاب الفِكريِّ الذي راحت تصطبغُ به تلك الجرائم إلى حدٍّ ما.

الفيلسوف أمبرتو إيكو مؤلف الرواية

من الجاني؟!

هنا يستثيرُ الفيلسوف إيكو الانحيازات الفكريّة إلى أقصاها، عنده هو بوصفهِ مُشْتغلاً في الحقل الفكري والفلسفي، وعندَ قارئه العادي الذي سيظلُّ إيكو يُشغِلُه بالحَبكات والعُقَد، بطريقة لا انفَصام لنسجِ عُراها. ومثلُ ذلك الارتباط الشَّفيف، يتموقعُ جوليالمو القِسّ، بوضوحٍ، منتَصِرًا للتَّنوير مع كُلٍّ خطوة يخطوها باتجاه الإجابة عن سؤال: منِ الجاني؟

لو انتقلنا إلى العَتبَات النَّصيّة التي حَدَّدتِ العَمل، لوجدنا العنوان هو أوّل ما يُطالعُنا من حيث اعتمادِه الغَرابة وكَسر الدَّهشة في إطلالته على القارئ. في كتابه الأدب والميتافيزيقا يتحدّثُ الكاتب المغربي عبد السّلام بن عبد العالي عن الفضاء المألوف مقابل الفضاء الغريب، حيث الشّرط الأساسي لتقويض الميتافيزيقا وللسّرد هو الانتقال من الأُلفة إلى الغرابة.

وأكثر ما ينطَبِق هذا الشّرط على مقولة إيكو بعد أن أصدرَ كُتَيِّبًا عنونَه بـ”حاشية على اسم الوردة” نَقلها عن الفرنسية أحمد الويزي، يتحدَّثُ فيه عن قصّة اختيار العنوان من بين 10 عناوين، بعد أنْ شطب منها كلَّ ما هو صريحٌ ومباشر مثل “دير الجريمة”، قبل أن يَركن إلى بيتٍ شِعريٍّ مأخوذ من مؤلَّفٍ قديمٍ بعنوان “عن احتقار العالم” لراهبٍ بيندكتي يُدعى برنار دي موراليكس، جاءَ في تضاعيفه “وردةُ البارحة كانت بالفعل وردة، أما وقد ذبُلَت اليوم، فإنّه لم يتبقَّ منها غير (اسم الوردة)” كذلك اختَتَمَ إيكو روايته بسطر يقول “كانتِ الوردة اسمًا، ونحنُ لا نُمسِكُ إلّا الأسماء” بَيْدَ أنّ هذه الومضة بين الاثنين لم تأتِ بوصفها خواتيم، بقدر ما صارت فاتحات لنَصٍّ مُشَرَّع.

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى