سيلفان رومان: “البيت الإبراهيمي فكرة شيطانية خطيرة”

 

ربما لا يعرفه الكثيرون من أبناء الوطن العربي، رغم زيارته لأكثر من 65 دولة في 6 قارات، لاهتمامه بالبحث في مجال الإسلاميات ومقارنة الأديان.. إنه الدكتور سيلفان رومان الباحث الألماني من أصل فرنسي، وصاحب الأطروحات المهمة حول الديانة الإبراهيمية.

بدأ «رومان» رحلته البحثية عن الحقيقة منذ سنوات عديدة، إذ اتجه لدراسة اللاهوت وعمره 17 عامًا، حتى حصل على درجة البكالوريوس في «لاهوت السبتية» من جامعة دارمشتات الألمانية، ثم حاز درجة الماجستير من كلية اللاهوت البروتستانتي بجامعة ستراسبورج الفرنسية، وعمل لفترة راعيًا ثم قسًا بالكنيسة السبتية لمدة 33 عامًا.

اعتنق الباحث الألماني الإسلام عام 2015، واتجه لدراسة علوم القرآن حتى حاز على شهادة الليسانس، ويسعى حاليًا لنيل درجة الدكتوراة من جامعة الأزهر.

شارك في عدة مؤتمرات للحوار بين الأديان وحل النزاعات، وهو صديق شخصي لكثير من الشخصيات الإسلامية البارزة وعلى رأسهم الدكتور أحمد الطيب شيخ الأزهر.

ويعتبر لقاءه مع «ذات مصر»، أول لقاء مع وسيلة إعلام عربية.. وإلى نص الحوار:

دكتور سيلفان.. حدثنا عن سيرتك الذاتية؟

أنا سيلفان رومان، ولدت وكبرت في فرنسا لعائلة فرنسية، وسافرت إلى ألمانيا بعمر الـ17 للدراسة، وبعد ذلك انتقلت للإقامة في عدة بلدان من بينها تايلاند وتركيا وألبانيا، وأخيرا استقر بي المقام في النمسا منذ 10 سنوات، وخلال تنقلاتي ارتبطت بزوجتي وهي كرواتية، وأنا اعتبر نفسي بدون جنسية، وأشعر من داخلي بأني أنتمي لجميع الجنسيات.

عندما كنت صغيرًا، أحببت اللغات كثيرًا، وتعلمت الإنجليزية واللاتينية في المدرسة، وحاولت تعلم حوالي 26 لغة أخرى وفي الوقت الحالي أتعلم العربية، وأنا وزوجتي نتحدث مع أطفالنا بـ5 لغات.

 

ما سر كل هذه التنقلات؟

في الحقيقة عندما سافرت إلى ألمانيا كنت أخطط للبقاء فيها 3 أيام فقط، لكني بقيت لمدة 20 عامًا، وقصة تنقلاتي طويلة جدًا ويمكن اختصارها في كلمة واحدة هي «القدر».

ماذا درست في ألمانيا؟

ذهبت لألمانيا بالأساس لأدرس الموسيقى، لأني أردت أن أصبح موسيقيا، وبالفعل انتقلت إليها ضمن مجموعة من الموسيقيين المشهورين في فرنسا، وعانيت قبل تلك الرحلة من مشكلات كثيرة تتعلق بالإدمان وتعاطي المخدرات، لذا قررت أن أصنع حياة جديدة لذا ذهبت لألمانيا.

وما الذي حدث في ألمانيا؟

بالصدفة قابلت أصدقاء من كلية اللاهوت، وكنت مهتمًا بهذا النوع من العلم لذا بدأت في دراسته وعمري 17 عامًا أي عقب الثانوية العامة مباشرةً، وشاهدت بنفسي كيف أراد الله أن أنهي دراستي، وعملت في وظيفة راع في الكنيسة السبتية لمدة 30 عامًا.

عرفنا بـ«الكنيسة السبتية»؟

بالأساس، أنا نشأت في عائلة من السبتيين، إذ كان أبي وجدي من أتباع الكنيسة السبتية، وهي كنيسة تعرف نفسها بأنها: «مؤمنة ومنفذة لتعاليم يسوع المسيح» وسبب تمايزها عن باقي الكنائس أنه في زمن قسطنطين، سيطر الساسة على الكنيسة، ودخلت إليها بعض العناصر الوثنية.

ومن وجهة نظر لاهوتية يمكن القول إن الكنيسة السبتية حافظت على تعاليم المسيح عندما تحولت باقي الكنائس عن الدين الحقيقي، وأسسوا لبعض العادات والتقاليد غير الكنسية، وأنا أرى أن «الكنيسة السبتية» قريبة من الإسلام، ويوجد في العالم حوالي 20 مليون سبتي بخلاف الأطفال غير الداخلين في هذا التعداد، نظرًا للشروط التي تفرضها الكنيسة على انضمام الأشخاص إليها.

بماذا يمكن أن نلخص اعتقاد الكنيسة السبتية؟

ويمكن تلخيص اعتقادها في الإيمان بوجود إله واحد، وعودة المسيح عيسى بن مريم، والامتناع عن أكل الخنزير وشرب الخمر والكحوليات، وهم أصدقاء المسلمين الذين كانوا دومًا يمدون للسبتيين يد المساعدة عندما يواجهون المشكلات.

احك لنا رحلة تحولك للإسلام؟

عندما كنت في سن الـ19، قمت برحلة لتركيا، وهناك تعرفت لأول مرة على الإسلام، إذ كان بفرنسا في هذا التوقيت عدد قليل من المسلمين، ولم أكن أعرفهم.

وبعد رحلتي لتركيا أصبحت مهتمًا جدًا بالإسلام، وبعد ذلك تعرفت على شخص مغربي كان قد تحول للمسيحية، وأوضح لي الفرق بين الديانتين.

وتخصصت لاحقًا في الإسلاميات، وحصلت على ليسانس في علوم القرآن، ثم حاولت أن أدرس الإسلام والمسيحية وهو ما قادني لاكتشافات لم تخطر ببال أحد، وصرت أعرف المسيحية بأنها اتباع ما قاله السيد المسيح، بينما أصبح تعريف الإسلام لدي هو مبدأ أو دين يجب أن ندين لله به، وهذ الدين يعني الخضوع والتسليم لله تعالى.

وماهي قاعدة الانطلاق الفكرية لك؟

هي مقاربة التوراة بالقرآن ومناقشة صحة التوراة، ومن قرائتي للقرآن توصلت لوجهة نظر جديدة عن النبي محمد خلافًا لما يتخيله بعض.

وكيف تبلورت فكرة الدين الإبراهيمي في ذهنك؟

عبر الدمج بين المفاهيم السابقة، تبلورت فكرة الدين الإبراهيمي في ذهني، إذ إن إبراهيم مذكور في القرآن، بأنه صاحب الديانة الحنيفية التي تضاد عبادة الأوثان.

وسبب تبلور الفكرة بهذه الصورة هو أنني عندما قرأت في القرآن وجدته يسمى أتباع المسيح بالمسلمين، كما وجدت أيضًا أن في الإنجيل يطلق على أتباع المسيح “موشلام” وهو لفظ سرياني بمعنى مسلم، وهناك 25 شخصية من أتباع المسيح كان يطلق عليهم هذا الوصف.

لذا اقتنعت بأن القرآن يطلب مني أن أتبع تعاليم المسيح،وأن أكون مسيحيا حقيقيا، والإنجيل يدعوني لأكون مسلمًا حقيقيا، وهذه «ثورة فكرية» بالنسبة لي، ولو فهمنا الأديان بهذه الطريقة ربما لتجنبنا كثيرا من الصراعات.

هل تدعو للدمج بين الأديان؟

ما أقوله ليس لإدخال الأديان في بعضها البعض، ولكن ما أقوله هو ما تقوله الكتب السماوية نفسها، وأنا منذ كنت صغيرا ديني يحثني على الخضوع والتسليم لله عزوجل، وهو ما وجدته في الإسلام، وما ألاحظه في قراءة القرآن، أن هناك كثيرا من المشتركات بين الديانتين، وهي أكبر من مساحة الخلافات، لذا أرى أنه من الأفضل أن نتحدث عن المشتركات، ولا اعتبر نفسي خرجت عن المسيحية، لأن الإسلام يدعوني لأن أكون مسيحيا والمسيحية تدعوني لأن أكون مسلمًا، لذا فأنا أدعو للديانة الإبراهيمية الجامعة لكل الشعائر والمشتركات.

هل الإسلام بالنسبة لك عقيدة وعبادة؟

بالنسبة لي الدين هو وسيلة أو منهج حياة، وهو طريقة فكرية عن كيفية التفكير في الإله، وبخصوص العبادات فعندما أسجد لله وأنا مؤمن بهذه العقيدة فإن هذا الوضع يدل على تقديس الله عزوجل.

وعندما كنت «سبتيًا» كنت أؤدي العبادات بنفس الحب للإله، لكن طبيعة العبادات اختلفت، إذ كنت أصلي 10 مرات في اليوم وفي مكان مسيحي، لكني الآن أصلي 5 مرات، وليس لدي أي مشكلة أن أصلي في مسجد أو في كنيسة، وأدرك تمامًا أن هناك فرقا بين الصلاة والدعاء، والدعاء أيضًا نوع من الصلاة.

هل تدعو لدين الإسلام أم لما تراه الديانة الإبراهيمية الجامعة؟

القرآن يقول (إن الدين عند الله الإسلام) فهذا مبدأ، وندين لله بهذا «الدين» الذي يعني الخضوع، وهو ما أدعو له.

ومن وجهة نظرك ما طبيعة الديانة الإبراهيمية؟

هو سؤال جيد جدًا وأشكرك لطرحه، القرآن تحدث عن هذا الموضوع معتبرًا أن أفضل ديانة هي ديانة إبراهيم الحنيف، والدين الحنيف كان يناهض الوثنية أي (عبادة الأصنام)، وبالنسبة لي هناك دين واحد والله لا يغيره ولا يتغير، لأن الدين حقيقة، والحقيقة لا تتغير.

والله عز وجل عندما أرسل أنبياء جددا لم يكن الهدف تغيير الدين، لكنه أرسلهم حتى ينبه ويحذر البشر من الانحراف عن الدين، أو ليأتي بنفس الرسالة لكن في سياق ثقافي مختلف، على سبيل المثال لم يأت الإنجيل بجديد بالنسبة للتوراة، إذ إن الكتابين يحويان نفس الرسالة، لكن الشعائر هي التي اختلفت.

هل استقيت فكرتك الجامعة من الفيلسوف الألماني «كانط»؟

نعم أؤيد ما دعا إليه كانط من الاجتماع، ولكن هذا الاجتماع حول الحقيقة وهذا هو المهم.. اجتماع الناس حول الحقيقة التي لا تؤدي لهيمنة عنصر على الآخر، وأُفضل أن يكون النقاش عقائديا، على أرضية المشتركات حتى نتعلم من بعضنا البعض، أو نفهم بعضنا البعض، ونحاول أن نحل المشكلات والاختلافات، لأن كثير من المشكلات سببها سوء الفهم.

ولو أخذنا مسألة التوحيد أو الإله في الدين الإسلامي مثلًا، سنجد أنها نفس الفكرة في الدين المسيحي، وحتى إن فكرة ابن الله الموجودة في المسيحية ليست سوى فكرة مجازية كما نقول مثلًا إن المصري ابن النيل، لذا فإن لكل اختلاف بين الديانتين مساحة مشتركة تمكنا من حله، وهناك حوائط كثيرة يمكن إزالتها إذا فهم بعضنا البعض.

هل ترى أن الدعوة التوحيدية التي يتحدثون بها في الغرب أو فكرة «البيت الإبراهيمي» لها أهداف سياسية؟

اعتقد ذلك، وإلا فما سببه؟! وأعتقد أن الذين بدأوا هذه الفكرة لا يهتمون بأي نقاش ديني بل يهتمون بالسلطة، وأتحدث عن المسيحيين الذين يتبنون هذه الفكرة في العالم بأسره، لأن هدف الدعوة التوحيدية هو السيطرة، وأنا أرى أن هناك فرقا بين الديانة الإبراهيمية وبين البيت الإبراهيمي الذي يتحدثون عنه، وأرى هذا البيت «فكرة شيطانية»، والذين يدعون لها لا يدركون خطورة هذه الدعوة.

هل تؤيد الرأي القائل بأن هناك منظمات دولية تقف خلف فكرة الدعوة التوحيدية؟

أعتقد أن المشكلة أعمق من ذلك، لأن هدف البعض هو السيطرة على الجميع، وبالأساس أرى أن هذه فكرة شيطانية، لقد تحدث المسيح عيسى في الإنجيل عن المسيح الدجال (باليونانية الأنتركيستو) وقال إنه سيسعى لتحريف الإنجيل، والمتصدرون للدعوة التوحيدية يعرفون ذلك، وأستغل هذه النقطة لأقول إن الشيطان بدافع الحقد والغيرة سعى لأن يضل البشر، وفي نهاية العالم عندما تحين القيامة لن يكون هناك سوى فريقين: الأول فريق الشيطان الذي اتبعه في الدنيا، والثاني فريق الله الذي يجمع المؤمنين الحقيقين وهذا الفريق هو «البيت الإبراهيمي الحقيقي» وليس الذي يدعو له أصحاب الدعوة التوحيدية.

إذا كيف نحل الإشكال بين فكرة البيت الإبراهيمي والديانة الإبراهيمية؟

فكرة البيت الإبراهيمي في شكلها جيدة، لكن بيت إبراهيم نفسه حدثت به صراعات بعد موته كما تروى التوراة، لذا فأنا أفضل التحدث عن ديانة إبراهيم وليس البيت الإبراهيمي، إذا تحدثنا عن البيت الإبراهيمي دون ذكر الدين فهنا نتحدث عن استغلال اسم سيدنا إبراهيم بطريقة لا يوافق عليها، والقرآن يقول (يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء)، ويمكن للمسلمين والمسيحيين أن يفعلوا ذلك باتباع كتبهم المقدسة، وأقصد بالكتاب الدين الحق وليس العادات والتقاليد والآراء لأنها كثيرة.

لماذا ندعو الناس للاجتماع تحت أديان تسمى سماوية بينما الملايين (كالبوذيين والهندوس) لا يؤمنون بها؟ ولماذا لا نجتمع حول المشترك الإنساني بدلًا من تقسيم العالم لمسلمين وكافرين؟

البوذيون و الهندوس ليس لديهم مشكلة في هذا الصدد، لأن لديهم 200 ألف إله، لذا يسهل اجتماعهم على أي إله.

هل دعوتك جهد فردي؟

نعم هي رأيي شخصي بحت، واجتهاد مني، ولا علاقة لها بأي تيار أو دعوة، ولا أدعو غيري لها، بل أدعو كل شخص أن يفكر بطريقته، وبالتأكيد هناك أشخاص فكرهم قريب من فكري.

هل قرأت كتب معينة أو لمفسرين مسلمين معينين؟

نعم، في الليسانس ورسالة الماجستير تأثرت بالغزالي والزمخشري والرازي.

بما تفسر تعدد الاتجاهات الإسلامية في ألمانيا؟

في أوروبا عمومًا، وألمانيا خصوصًا هناك تسيب وفوضى فكرية فكل شخص يعبد ما يريد، والمجال العام يتيح حرية الاعتقاد بصورة كاملة.

ألا ترى أي دلالة لاتجاه المجتمع الألماني نحو الإسلام؟

من وجهة نظري عدد المسلمين هناك ليس ملفتًا للنظر، والبعض يدخل الإسلام من أجل مصالح شخصية كبعض الرجال الألمان الذين يتزوجون من مسلمات ويدخلون لهذا السبب، كما إن بعض الألمان يقلدون المسلمين في إطلاق اللحية وهذه مجرد «موضة».

أنت اعتنقت الإسلام عام 2015 أي في أوج انتشار الأفكار الداعشية.. ألم يؤثر ذلك على اتجاهك للإسلام؟

أنا لم أرَ داعش كحركة دينية على الإطلاق، وهم من وجهة نظري «مرتزقة» يقاتلون من أجل المال، ويستخدمون الدين للسيطرة على البشر.. قبل أن يظهروا في سوريا كان المسلمون والمسيحيون يعيشون سويا، لكن البعض يستغل الدين لإشعال الحروب، وهذا التنظيم الإرهابي لا علاقة له بالدين ولا يتبع تعاليم القرآن.

ما طبيعة علاقتك بشيخه الدكتور أحمد الطيب؟

تعرفت على الدكتور أحمد الطيب شيخ الأزهر منذ 10 سنوات من خلال شخص ألماني سبتي كان في مصر وهو صديق مشترك بيننا، وكانت لديه مشكلات قانونية نظرها القضاء المصري، والقاضي قبل أن يحكم في قضيته استشار الدكتور «الطيب» وأعجب صديقي المسيحي برأي وحكمة الشيخ ونصحني بالتعرف عليه، ومن ثم ذهبت لمشيخة الازهر والتقيت به ولا أذكر تفاصيل ما حدث غير أننا أصبحنا أصدقاء.

ولماذا اخترت جامعة الأزهر لتحضر رسالتك؟

منذ أن دخلت في الإسلام والأزهر على قمة المؤسسات الدينية بالنسبة لي، وفي أحد الأيام قلت للإمام الأكبر إن حلمي هو الدراسة بالأزهر، وبالفعل طرحت عدة موضوعات لرسالة الدكتوراة، وفضيلة الإمام الأكبر وافق على إحداها وهي دراسة مقارنة بين 3 جبال: جبل موسى، وجبل عيسى، وجبل محمد، وترمز الجبال إلى الرسائل السماوية الثلاث التي نزلت على الأنبياء الذين يمثلون العائلة الحقيقية لسيدنا إبراهيم.

وهل ناقشت شيخ الأزهر في أفكارك؟

أتمنى أن أتناقش مع الدكتور أحمد الطيب في أفكاري.

ما هي مشروعاتك البحثية في الفترة الحالية؟

أنا عندي أبحاث ومشروعات عديدة، لكني أكتب وأخزن، وفي الفترة المقبلة أتمنى أن أنشر كتبي المخزنة.

وما الذي تتمنى أن تراه في حياتك؟

أتمنى أن أرى كثيرا من البشر يفكرون في معنى الحياة، وأتمنى دخول الجنة، كما أتمنى أن يتوقف الناس عن الصراع والقتال لأي سبب، سواء أكان صوابًا أم خطأً.

قصــة

هيئة التحرير

There are no reviews yet.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *



Start typing and press Enter to search