غسان صليبا: المحرمات تُكبل المسرح الغنائي

خلال أربعة عقود، استطاع الفنان اللبناني غسان صليبا،  أن يضع بصمة واضحة على مسيرة المسرح الغنائي العربي المعاصر، إذ جمع بين الصوت القوي وبين الأداء التعبيري المتميز والحضور اللافت، ما أهله ليكون أحد الأعمدة الثابتة لمسرح الرحابنة العريق.

انحاز منذ البداية للمسرح الغنائي الجماعي، متخليا عن فرص أكبر للنجومية والانتشار تتزايد لو اختار الغناء الفردي.. يقول إن المسرح الغنائي أعطاني الكثير غنيت من شعر الأخوان رحباني وغيرهم من الكبار.. هذا يعد مكسبا كبيرا في مسيرتي الفنية.

على صعيد الموسيقى والحضور منحح المسرح صليبا فرصة ليشارك في أعمال خالدة لا تنسى ولا تنتهي وتستعاد بشكل دائم.. لكن مثل هذا المستوى من المسرحيات يستلزم جهدا كبيرا، يقول صليبا: أخذ المسرح مني وقتا وجهدا كبيرين، وهذا طبيعي، لأن كل عمل صعب يحتاج لمجهود ضخم فلا شيء يأتي بسهولة، ولا يمكن تقديم أعمال كبيرة دون تعب.. والمسرح يمثل نمطا من الفنون الصعبة، ولهذا فإن الفنان يتدرج فيه حتى يصل لصورة شبه كاملة تؤهله لتقديم أعمال كبيرة في مستوى مسرحيات “المتنبي” و”ملوك الطوائف” و”حنبعل” وغيرها من الأعمال المهمة، لأن فالمسرح الغنائي يتطلب التمثيل والغناء والحضور معا.. هذا كان خياري وأنا مؤمن بهذا النوع من الفن، لأنه شامل للنص الدرامي والشعر والموسيقى والإخراج والرقص والملابس، وكم هو جميل أن نجد في عمل واحد كل هذه الألوان من الفنون.

 

بدأ صليبا بالألبومات والمهرجانات قبل التوسع في المسرح الغنائي.. يتذكر ألبوميه “يا حلوة” و”وجه السعد” قائلا: كنت رقما صعبا في الحفلات آنذاك، حتى اتصل بي الأستاذ منصور رحباني وعرض علي العمل في مسرحية “صيف 840”.. كان عملا جبارا واستثنائيا في تاريخ المسرح اللبناني، فكانت بداية المشوار من هناك.

يعتبر صليبا أن مسرح الرحابنة هو الرائد والأول في لبنان والعالم العربي من حيث قيمته كحالة درامية أولا وشعرا وموسيقى ثانيا،  ثم كل مستويات الجمال الأخرى المضمنة فيه.. كان البناء الأساسي للعمل متمثلا في النص الدرامي العميق أكثر ما جذبه إلى المسرح الرحباني.. ويرى صليبا أن الرحابنة امتلكوا القدرة لفت الانتباه إلى قضايا يستفز بها الناس للتغيير وللتوجه نحو الأفضل، بمعنى أنها ليست أعمالا ترفيهية، وإنما تخاطب الفكر والضمير وتسبق زمانها من حيث الطرح والرؤية السياسية والفنية والتاريخية.

 

 

انحياز صليبا لمسرح الرحابنة دفعنا لنسأله: ما الذي ينقص بقية المسارح لتصل إلى مستوى الرحابنة؟ فأجاب متضاحكا: ينقصها الرحابنة.. بقية المسارح على غرار فرقة كركلا مثلا تركز على الرقص والاستعراض والتعبير الجسماني أكثر من التركيز على النص الدرامي الحاضر بقوة بالنسبة لمسرح الرحابنة الذي تعود أن يكون حمال قضايا إنسانية وسياسية واجتماعية.

بالطبع فإن الحديث عن مسرح الرحابنة يستلزم بالضرورة حديثا عن فيروز، التي يراها صليبة تمثل “حالة استثنائية في العالم العربي، فلا أحد يشبهها”.. ويضيف: كنت محظوظا بالمشاركة في عمل إلى جانبها مع الأخوين رحباني، وهذه محطة مهمة بالنسبة لي.. وفي المحصلة هناك فيروز واحدة، وهذا ما يجعل الوقوف على نفس المسرح الذي تقف عليه استثنائيا.

يعتبر صليبا أن مسرحية “صيف 840” تمثل مرحلة فارقة في مسيرته، فهي أول بطولة له تحقق انتشارا واسعا في عمل استمر نحو أربع سنوات بمسارح ممتلئة بشكل دائم بطريقة لم تحدث في تاريخ المسرح اللبناني، رغم حالة الحرب وقتها وانقسام البلاد، ومعاناة الناس في سبيل الوصول لمكان العرض، يقول: كنت ألعب دور الثائر الذي يحاول تحرير بلده من الاحتلال الأجنبي، وتفاعل الجمهور كثيرا مع هذا الدور، ونجحت أغاني المسرحية على الصعيد العالمي على غرار “مش وقتك يا هوى” و”زينوا الساحة” وغيرها، والعمل برمته كان عظيما، ربما لأنه كان يسلط الضوء على حقبة مضيئة من تاريخ لبنان.

يرى صليبا أن الفنان عموما يسعى لتقديم ما يراه مفيدا لبلده وللإنسانية، ولهذا يطرح جملة من القضايا التي تهم الناس، وللجمهور الحرية في كيفية تلقي هذه الرسالة حسب ثقافته وتفكيره، لكن الفنان مطالب بأداء واجبه تجاه بلده وشعبه بطرح قضايا اجتماعية سياسية، وبتقديم النقد السياسي وهذا ما قدمته مثلا في أغنية “كل شيء تغير”.

يعتز صليبا بالتفاعل الجماهيري مع أعماله المسرحية.. يتذكر صليبا تفاعل الجماهير مع “لمعت أبواق الثورة” ومع تفاصيل كثيرة بالعمل، ولا سيما عندما كان يغني جملة “قوي قلبك واهجم.. يا بتوصل عالموت يا بتوصل عالحرية”، كان التفاعل مدهشا. لكن صليبا يشكو مما يسميه “الإقطاع السياسي” في لبنان الذي يأخذ الناس في شكل مجموعات تصطف مع هذا الزعيم أو ذاك.. هذا ما يخفف من تأثير الأعمال رغم التفاعل معها.

يرى صليبا أن المسرح الغنائي في لبنان فقد قدرا كبيرا من بريقه، ويرجع أسباب هذا التراجع إلى مشكلات بالإنتاج وبالفكر لدى أصحاب المهرجانات الذين تعودوا سابقا على إنتاج أعمال مسرحية غنائية، وأصبحوا اليوم يتجهون للأعمال السهلة والاستهلاكية.. فنان مع أركسترا يحيي حفلة وينتهى الأمر، دون التفكير في قيمة ما يقدم للناس.. رغم أن المسرح الغنائي ضرورة ثقافية وفنية بالنسبة للجمهور اللبناني الذي تعود على وجود عمل مسرحي سنويا، لكن مع تردي الوضع الاقتصادي والتصحر الفكري والفني لدى المثقفين اللبنانيين تراجع المسرح والفن عموما.

ويرجع صليبا أسباب خفوت المسرح الغنائي اللبناني إلى أسباب سياسية بالأساس، فيقول: التردي والفشل السياسي ينعكس على الفن، ففي حال وجود نظام سياسي منفتح يقدر الثقافة ويرصد ميزانيات لدعم الفن الراقي الملتزم والمسرح الغنائي، يزدهر المشهد الفني، وهذا غائب في لبنان اليوم.. ونحن كفنانين نحاول بكل ما أوتينا أن نقدم مادة راقية، فأنا مثلا بت أقدم اليوم أغاني فردية، كما أعدت توزيع بعض مقاطع وأغاني المسرحيات في سعي مني على تعويد الجمهور العربي على الاستماع لهذا النوع من الفن الحامل لدلالات وأفكار ولكن مع وجود هذا القدر الكبير من الفن السطحي يبدو الجيد سيبقى أقل نسبيا.

لا يرى صليبة أن هناك فرصة في المدى المنظور لإعادة الاعتبار للأغاني العربية الراقية وتراجع سيطرة الأعمال الهابطة، يقول: لست متفائلا بإمكانية حدوث التغيير المرتقب في المشهد الغنائي لبنانيا وعربيا قريبا، لأن كل شيء مرتبط بالاستقرار السياسي. وكل المؤشرات السياسية تقول بأننا نتجه نحو المزيد من الانحدار والتجاذب وعدم الاستقرار، وهذا طبعا ينعكس على كل مناحي الحياة بما فيها الفنية.

كان من المستغرب أن يتجه فنان مثل غسان صليبا، صاحب المسرحيات الغنائية الجادة إلى إنتاج “الكليب الغنائي” لكنه يفسر موقفه قائلا: في عصر التلفزيون لا بد من وجود الفيديو كليب، ولم يكن تركيزي منصبا على هذا المعطى كثيرا.. حتى الآن قدمت عددا قليلا، ولن يكون هناك إفراط في إقبالي عليه.. سأقدم عملا من فترة إلى أخرى لا غير.. والحقيقة إنني تعودت الظهور بعمل فردي بين كل عمل مسرحي وآخر، ولكنها كانت إطلالات خجولة، حاليا أصبحت أمنح المزيد من الوقت للنشاط الفني الفردي وسيراني الجمهور حاضرا بشكل أوسع من قبل في الداخل والخارج، والدليل أنني كنت في جولة بأمريكا تليها جولة بلبنان ثم جولات أخرى خارج البلاد أيضا.

تأخر صليبا نسبيا في تقديم الدراما، رغم تلقيه عروضا مبكرة لتقديمها، ويدد أسباب هذا التأخر قائلا: العروض لا تكون دائما في مستوى الانتظارات، بالنسبة لي لا يهمني مجرد الظهور في التلفزيون، أنا أقدم مسرحا غنائيا بمستوى فني عال، ومن المؤكد أنني سأتطلع لعمل درامي بنفس المستوى، وإلا فلا فائدة من خوض تجربة لا ترضيني.. قدمت مسلسل “وأشرقت الشمس” وهو عمل رائع بكل المقاييس، ومسلسل “أول نظرة” الذي أعتبر أنه كان خطأ استراتيجيا. وحاليا تردني بعض العروض ولكن لم أقبلها لأنه لم يكن بينها النص المناسب الذي أطمح إليه رغم استعدادي لخوض تجارب جديدة.

يرى صليبا أن الدراما المطروحة عربيا اليوم جيدة بالعموم، لكنه يتطلع لتكون أكثر جرأة في طرح القضايا السياسية، وأن لا تكون محكومة بالمحرمات والضوابط التي تفرض عدم الخوض في هذه القضية أو تلك.. لا بد أن يكون الفن حالة توجيهية وتغييرية أو يفقد الكثير من قيمته.. يضيف: أتطلع أن تعبر كل دراما عن قضايا مجتمعها، وأن تمنح المتفرج الفرصة لمعرفة بعض تفاصيل هذا البلد من تقاليد وتاريخ وغيره دون إسقاطات مأخوذة عن بلدان أخرى.

ويعلق صليبا على ظاهرة اشتراك فنانين من جنسيات مختلفة في عمل درامي واحد قائلا: إذا كان النص يحتاج إشراك ممثلين سوريين أو مصريين أو خليجيين في ذات العمل فلا مانع، ولكن ما يحدث اليوم هو أن أغلب هذه الأعمال تطرح تركيبة من الممثلين من هنا وهناك دون مبرر درامي، وإنما فقط لغايات تسويقية وهذا ما لا أؤيده.

بمشاركة

رسوم وجرافيك

أحمد بيكا

مونتاج

محمود أسامة

قصــة

فاطمة بدري

صحفية تونسية

There are no reviews yet.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *



Start typing and press Enter to search