“كعكة الحراك”.. النجف تزاحم ولاية الفقيه

في ظل الصراع الذي يخوضه شباب «الحراك الثوري العراقي» ضد قوى «الإسلام السياسي» الحاكم، تمكن شبيبة الحراك من كسب العمامة الدينية التي وفّرت غطاءً شرعياً لهم في ظل تصاعد خطاب التخوين والتكفير الذي طال معظم ساحات الاحتجاج العراقية، بحجة العمالة للخارج ووقوف أمريكا خلف مشروع «الإطاحة بسُلطة الإسلاميين في العراق».

ورغم سقوط عدد من القتلى والجرحى على يد الجماعات المسلحة التابعة لتحالف «الفتح» الحاكم بزعامة هادي العامري المقرّب من طهران، تُعدّ المرجعية الدينية الشيعية العُليا المتمثلة في آية الله علي السيستاني (الزعيم الروحي لشيعة العراق) صمام أمان للتظاهرات العراقية الراهنة وضمانة أساسية لعدم تكرار سيناريو فض الاحتجاجات بالقوة مثلما حدث مع شباب إيران عام 2009 على يد قوات التعبئة الإيرانية (الباسيج).

ويعيش العراق منذ الاطاحة بنظام صدام حسين في العراق عام 2003 بلا مرجعية مؤسسية ترتكز عليها الدولة في أزمتها، خاصة بعد تفكيك الجيش العراقي، ولم تتوفر هذه الضمانة الممثلة في القوة الصلبة للعراق لتحميه من الأزمات الكبيرة وتحول دون انهيار الدولة مثلما حدث في مصر والسودان والجزائر وتونس، لكن في ظل المناخ الديني بالعراق أصبح اللجوء إلى المرجعيات الدينية بالعراق اضطراريًا باعتبارها الملجأ الوحيد لإنقاذ البلاد من المخاطر.

وتعتبر مرجعية السيستاني أبرز المرجعيات الدينية صاحبة النفوذ الروحي في العراق، بحُكم الأغلبية الدينية الشيعية، وتتبع المرجع الديني القاطن في مدينة النجف العراقية (العاصمة الدينية للتشيع في العالم)، وهي مرجعية مناكفة لخط ولاية الفقيه في إيران، ولا تعترف بنظام الولاية الذي يقوده المرشد الإيراني علي الخامنئي، ويعد مرجعًا لأغلب القوى السياسية الشيعية الحاكمة في العراق، كون مدرسة النجف الدينية تحرِّم العمل السياسي ولا تمنحه أي شرعية فقهية في ظل غيبة (المهدي المنتظر) – الإمام الثاني عشر للطائفة الشيعية.

شرعية «ثورة تشرين»

واجهت الاحتجاجات التي انطلقت بداية أكتوبر / تشرين الأول الماضي في عدة مدن عراقية صعوبة في إثبات وجودها وأحقية مطالبها، متأثرة بالحملات الإعلامية التي شنتها الأحزاب الشيعية الحاكمة ضد شرعيتها واتهامنها بالدعم من جهات خارجية مناوئة لسياسة السُلطة المتحالفة مع نظام ولاية الفقيه في إيران. لكن غزارة الدماء التي أُريقت في مختلف الساحات الاحتجاجية، مكّن الأخيرة من حصد الاصطفاف الشعبي حولها. فضلاً عن دخول المرجعية الشيعية على خط النقدِ اللاذع لحكومة عادل عبدالمهدي الذي استقال فور مطالبته بذلك من المرجعية الشيعية في أواخر نوفمبر الماضي.

رأفت نبيل، ناشط احتجاجي عراقي يعتبر أن تأييد السيستاني للتظاهرات في العراق، شكّل دعماً معنوياً لها، ويؤكد أن مطالب المتظاهرين مشروعة وقانونية، وأن المرجعية الشيعية وفّرت غطاءً معنوياً لها، بعدما طالبت برفض أى اعتداء على المحتجين، مع تواصل دعمها اللوجستي الواضح بجميع ساحات الاحتجاج، وتحديداً في بغداد والبصرة والناصرية”.

وعن اتهام الحكومة العراقية للمتظاهرين باستخدام العنف تجاه القوات الأمنية، يوضح الناشط المعتصم في ساحة التحرير ببغداد، قائلاً “بالتأكيد هناك أخطاء طبيعية لأى حراك يقوده الشباب”، لكنه دعا لمقارنة تلك الأخطاء بأخطاء الأجهزة الأمنية والمليشيات المسلحة”.

ويحذّر “نبيل” من أن “التصعيد القادم سيكون أكبر وأخطر حال إصرار الكتل السياسية على ترشيح شخصيات لقيادة المرحلة الانتقالية المقبلة لا تتوافق مع مطلب ساحات الاحتجاج”. في إشارة إلى توافق أغلب الكتل السياسية على تكليف رئيس الجمهورية برهم صالح للسياسي محمد توفيق علاوي بتشكيل الحكومة المؤقتة. وفي المقابل صعّد المحتجون اعتراضهم على خطوة رئيس الجمهورية معتبرين أن “علاوي” من العاملين في ظل حكومات سابقة ولا تنطبق عليه شروط المُحتجين.

السيستاني يرد على تخوين الخامنئي

بعد وصف المرشد الإيراني علي الخامنئي التظاهرات القائمة في العراق ولبنان بـ”أعمال شغب تديرها أمريكا وإسرائيل وبعض دول المنطقة”، ظهر “الطرف الثالث” في الحراك العراقي، وهو جماعات شيعية مُسلحة تابعة لخط “ولاية الفقيه” بالعراق، نفذت عمليات قنص وقتل للعديد من الناشطين بساحات الاحتجاج، على مرأى ومسمع من القوات الأمنية التي تعمّدت الحياد إزاء تلك الحوادث، ما دعا البعض إلى أن يصف حكومة عادل عبدالمهدي المستقيلة بـ”حكومة القناصين”.

 لم يقف المرجع الشيعي علي السيستاني صامتًا تجاه عمليات القتل الممنهج التي كانت تتزايد يومياً، وطالب الحكومة بالكشف عن القتلة والمجرمين، واصفاً المتظاهرين بـ”الأحبة”. واستغل خُطب الجمعة في مرقد الإمام الحسين في كربلاء لتصدير هذا النوع من الرسائل.

خالد المقدادي، رجل دين شيعي ينتمي لـ”مرجعية النجف” أرجع تباين المواقف بين مرجعيتي “السيستاني” و”الخامنئي” في أغلب الأمور السياسية إلى اختلاف مدارس وتوجهات المرجعين، موضحًا أن “هم السيستاني هو الحفاظ على الكيان الشيعي من التسييس والزج به في صراعات مذهبية ودولية”.

يضيف “المقدادي” أن “مرجعية الخامنئي ومن معه من مرجعيات ولاية الفقيه ترى في تصدير الثورة الإسلامية في إيران أحد أهدافها بأي ثمن وأي عدد من الضحايا”، لافتاً إلى أن “النجف هي الحاضنة الأم لشيعة العراق، والعالم أجمع، بينما تمثل طهران العاصمة السياسية لشخصيات لها مشاريعها الأيديولوجية التي لا تخدم الشيعة من وجهة نظرنا”.

ومعروف أن مدينة النجف العراقية، حيث مرقد الإمام علي بن ابي طالب (عليه السلام) مركز الثقل العلمي والفقهي للطائفة الشيعية في العالم، وإليها يرتاد كل طالب علم ديني ليتعلم في مدارسها الدينية التقليدية أصول وفقه مذهب “الإمامية الاثنى عشرية”. بينما تعد باقي مدن المدارس الدينية الشيعية في إيران على الهامش من النجف، نتيجة لقدم المدينة الحاضنة لمرقد الإمام على منذ عام 40 للهجرة.

النجف تحرج نفوذ طهران

عُمق الخلاف بين مرجعيتي السيستاني والخامنئي أرجعه باحثون سياسيون عراقيون إلى الرؤية حول الوضع السياسي للعراق، مؤكدين أن النجف تحاول أن تنأى بأوضاعها المحلية بعيداً عن التدخلات الإيرانية وطموحاتها السياسية.

الباحث السياسي الدكتور محمد نعناع يُنحي الخلاف الفقهي بين المرجعيتين جانباً ويؤكد أن أسباب تفاقم الخلاف بينهما يكمن في التعاطي مع وضع العراق”، مُبيناً أن “الإيرانيين زرعوا نفوذاً كبيراً ودعموا طبقة سياسية شيعية فاشلة وغير منتجة، لهذا تحمل السيستاني أعباء هذا الخيار الإيراني وأغلق بابه بوجه هذه الطبقة السياسية”.

ويتابع “نعناع” قوله إن “هناك خلافًا كبيرًا حول طبيعة الاستقطاب الايراني في العراق”، كما يعتبر السيستاني أنه تصدى لوكلاء إيران في العراق وللطبقة السياسية الشيعية التي فشلت.

 وعن فاعلية مرجعية النجف في تحجيم نفوذ “ولاية الفقيه” في العراق يقول الباحث السياسي إن “خطوات السيستاني كان محرجة جداً لتوجهات إيران في العراق والمنطقة عموماً”، لافتاً إلى أن “الآراء التي كانت تُطرح في خطب الجمعة ورفض المرجع النجفي الحديث مع الايرانيين الذي يزورنه عن أي شيء يتعلق بالوضع في العراق، يسبب حرجاً لإيران حيال دورها في المرحلة المقبلة، حتى أن أتباع المرشد تحدثوا عن  أدوار دينية في العراق تعرقل نفوذهم لاحقاً”.

العنف سيد الموقف بالعراق

ما زال العُنف هو سيد المشهد الاحتجاجي في العراق، لكن هذه المرة مع طرف سياسي كان شريكاً للمحتجين السلميين في كل حراكهم ضد السلطة قرابة 4 شهور، وهذا الطرف يتمثل في التيار الصدري الذي يشارك في تشكيل الحكومة المؤقتة، داعماً لتولي المُكلف محمد علاوي لإدارة المرحلة الانتقالية.

ويزيد من جرعات العنف التي تشهدها ساحات الاحتجاج دعوة زعيم التيار مقتدى الصدر مؤخراً أنصاره في حركة (أصحاب القبعات الزرقاء) للانسحاب من ساحات التظاهر في معظم مدن الاحتجاجات، ووصف رئيس الوزراء المكلف بـ”خيار الشعب”، ثم طالب أتباعه إلى التواجد في الساحات لتقويم مسار الثورة الذي أصابه الانحراف، حسب تعبيره.

مقتدى الصدر وخامنئي 

ويبدو أن تصريحات “الصدر” كانت ضوءً أخضرًا لأنصاره للهجوم على خيم المحتجين في أغلب المحافظات الشيعية (جنوب ووسط البلاد) والاعتداء عليهم بالهراوات والعصي، ما خلف مزيداً من الانقسام.

ويواجه “الصدر” اتهامات بالعودة إلى المحور الإيراني، خصوصًا بعد اغتيال قاسم سليماني وأبومهدي المهندس في الضربة الأمريكية في العراق.

وجاءت تفاهمات زعيم التيار الصدري وإيران، وفق صفقة مبرمة بينهما تمنح “مقتدى” زعامة التشيع السياسي الذي ترعاه إيران في بلاد الرافدين، الأمر الذي جعل الصدر ينقلبُ على الاحتجاجات ويناصر تشكيل حكومة جديدة مدعومة ضمنياً من إيران.

بمشاركة

رسوم 

أحمد بيكا

قصــة

عبدالغني الجنابي

صحفي عراقي

There are no reviews yet.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *



Start typing and press Enter to search