السودان.. رهانات المرحلة الانتقالية

محمد جميل أحمد

كاتب وباحث سوداني

يمكن القول بأن الأوضاع المعقدة التي ورثتها حكومة قوى الحرية والتغيير في السودان بعد الثورة تمثل تحديات تتقاطع فيها أجندات مختلفة، محلية وإقليمية ودولية.  لقد بدا واضحا منذ اتفاق 17 أغسطس 2019 بين المكون العسكري والمدنيين حول الاتفاق السياسي والإعلان الدستوري، أن التسوية الوطنية والسياسية في السودان دخلت مرحلتها الانتقالية عبر اتفاق خارجي بضمانات دولية وإقليمية إثر أحداث فض اعتصام القيادة العامة يوم 3 يونيو والذي لعبت فيه قوى نظامية دورا بارزا.

وبالرغم من أن وثيقة الإعلان الدستوري التي تم التوافق عليها في اتفاق 17 أغسطس، باعتبارها الوثيقة الدستورية الحاكمة للمرحلة الانتقالية، لم يكن ضمن بنودها تفويض مهام تنفيذية منفردة لأعضاء مجلس السيادة، إلا أن رئيس مجلس السيادة الفريق أول عبد الفتاح البرهان ارتكب خرقا واضحا للوثيقة الدستورية بلقائه مع رئيس الوزراء الاسرائيلي في مدينة (عنتيبي) بيوغندا، خلف ردود فعل عاصفة على مستقبل الشراكة بين مجلس السيادة وبين حكومة المرحلة الانتقالية لقوى الحرية والتغيير.

ما بدا خطوةً اجتهادية من أجل مصلحة السودان، بحسب تصريحات الفريق البرهان لوسائل إعلامية، قابله رئيس الوزراء د. عبد الله حمدوك بخطوة أخرى شغلت الرأي العام السوداني منذ يومين، حين طلب “حمدوك” في خطاب رسمي إلى الأمم المتحدة تفويضا لولاية سياسية أممية على السودان تحت الفصل السادس من ميثاق الأمم المتحدة، لضمان مساعدة المنظمة الدولية في رفد السودان بخبراء في مفاوضات عمليات السلام المتعثرة في جوبا، من ناحية، ومن أجل الاستفادة من الخبراء الأمميين كذلك في مهام وعمليات سياسية أخرى في عموم السودان، من ناحية ثانية.

خطوة البرهان، قرأها بعض المراقبين في سياق تسويق للعسكر في الدوائر الغربية والأمريكية من باب التماهي مع صفقة القرن عبر إسرائيل، ولكن لأسباب داخلية تتعلق بتحسين صورة العسكريين في السودان بعد أن بدت صورتهم بالغة السوء إثر فض اعتصام القيادة العامة في يونيو 2019.

ربما فسر البعض خطوة حمدوك (وهو خبير سابق في الأمم المتحدة) باعتبارها احترازا من احتمالات قد تضع العسكر في ظروف معينة أمام مهام تتجاوز الشراكة باتجاه الانفراد بالسلطة، ما يعني أن هذا الإجراء الاحترازي من طرف رئيس الوزراء عبد الله حمدوك في استدعاء الولاية السياسة للأمم المتحدة، هو بمثابة تأمين دولي للثورة  يقطع الطريق على سيناريو انقضاض العسكر على السلطة.

هاتان الخطوتان، سواء من طرف البرهان في لقائه المثير للجدل مع نتنياهو، داخليا وخارجيا، أو من طرف حمدوك في استدعاء الأمم المتحدة عبر تفويض سياسي تحت البند السادس، خلفتا ردود فعل بين القوى السياسية، لكن الغريب في الأمر أن قوى الثورة المضادة التي كان يتوقع منها أن يناصروا حمدوك، كما ناصروه أثناء قيادته للمجلس العسكري عقب الثورة، استثمروا سياسيا وبوضوح في رفض ذلك اللقاء بين نتنياهو والبرهان باعتباره تطبيعا، عبر مسيرات شهدناها قبل أيام، وفي الوقت نفسه رأيناهم يزايدون باتهام البرهان بالتفريط في سيادة السودان، رغوم كونهم رضوا من قبل بترتيبات الفصل السابع في قضية دارفور أثناء حكم البشير.

 وفيما تنعكس الانسدادات والعوائق التي ترسمها قوى الثورة المضادة في وجه السياسات الحكومية لحمدوك، عبر خلفيات خبرة استمرت لثلاثين عاما وسمحت لهم حتى الآن بتدابير إعاقة ناجحة، لا يبدو أيضا أن القوة السياسية لحكومة حمدوك على مستوى من الفعالية يؤهلها لمقتضيات المرحلة وتحدياتها، ما يعني أن الفترة القادمة ستكون فترةً عصيبة في ظل تأخر استحقاقات سياسية مثل إحلال حكام مدنيين للولايات بدلا من الحكام العسكريين، وانتهاء أجل عملية السلام بنهاية هذا الشهر (فبراير / شباط) وكانت حكومة حمدوك وعدت بإنجازها خلال 6 شهور، إلى جانب تأخر تشكيل البرلمان استكمالا  لهياكل السلطات المدنية الثلاث.

حساسية المرحلة الانتقالية الهشة تقتضي ايقاعا سريعا في العمل وانجازات جذرية لاسيما في ما يتصل بمصالح الناس المباشرة، كأزمات الوقود والخبز. لكن ما تواجهه الحكومة الانتقالية اليوم إثر سقوط نظام عقائدي دام ثلاثين عاما ودمر البنى التحتية والهياكل المدنية للدولة هو صراع متعدد الوجهة والمكان، ويحتاج إلى صبر طويل الأمد.

 فليس خافيا أن التجريب الذي تمارسه أحزاب قوى إعلان الحرية والتغيير عبر التفويض العام الذي خولها إدارة المرحلة الانتقالية، هو تجريب يمثل في جزء كبير منه تعبيرا غير مباشر عن أشكال ضعف الخبرة السياسية للأحزاب التي طالها ضرر كبير من التخريب الذي مارسه تجاهها نظام عمر البشير تقسيما وتجزئةً.

حكومة حمدوك تستمد قوتها من التفاف الشعب حولها، رغم ايقاعها البطيء، فالشعب يدرك تماما أن الشكل الهجين للشراكة الانتقالية بين العسكر والمدنيين في هذه المرحلة، لا يخلو من تدابير خفية لصراع إرادات بين الطرفين، لهذا بدأت لجان المقاومة وتجمع المهنيين بتنظيم مظاهرات للضغط على الجناح العسكري في الحكومة من أجل تغيير الحكام العسكريين للمدن، الذين قد يعكس وجودهم حتى الآن على رأس السلطة التنفيذية هناك رغبة خفية في البقاء على السلطة بحجج غالبا ما ترتبط بقضايا حفظ الأمن وهشاشة المرحلة الانتقالية.

ربما تكشف الأسابيع المقبلة عن متغيرات مهمة.. فقد بدا واضحا أن الوضع الحالي يتجه نحو انسدادات قد يؤدي تفاقمها إلى سيناريوهين: إما تغيير في بنية الحكومة المدنية نتيجة للضغوط القوية من طرف لجان المقاومة وتجمع المهنيين وبالتالي امكانية لانفراج ما، وإما لتعنت العسكريين بالإصرار على إبقاء ملف تغيير الحكام العسكريين للمدن ورقةً في يدهم أملا في كسب الوقت. لكن سيخطئُ العسكريون خطئا جسيما إذا ذهب تقديرهم باتجاه سيناريو  للانفراد بالسلطة!

There are no reviews yet.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *



Start typing and press Enter to search