“زكريا” الذي أطرب وعبر

يكاد المؤرخون والنقاد يجمعون على أن زكريا أحمد هو الوحيد من آباء الموسيقى العربية الخمسة في القرن العشرين، الذي أفلت من تأثيرات الموسيقى الغربية إفلاتًا يكاد يكون تامًا، وبرغم وقوفه مع رفقائه الأربعة في مهب رياح التحديث والتغريب القادمة من الأوبرا الخديوية، فإنه لم يَمِل مع هذه الرياح وظل مُرتكزًا على جذوره العربية المتينة، فلحّن جميع أشكال الغناء العربي الكلاسيكية، وكان آخر من لحّن الموشح والدور، وظل محتفظًا لألحانه بجُمل وإيقاعات عربية خالصة لا يبدو فيها أثر غربي لا على مستوى التشكيل ولا على مستوى التفكير، حتى مات عام 1961 بعد أن كان القصبجي وعبد الوهاب والسنباطي قد قطعوا أشواطا بعيدة في التجديد المتأثر بالموسيقى الغربية ومذاهبها بنسب متفاوتة.

قبل وفاته بأيام.. زكريا يغني من ألحانه يا صلاة الزين

ثبَت زكريا هذا الثبات المتفرد معتمدًا على أصوله وهُويته المشيخية الواضحة، فزكريا – الذي احتفظ بلقب الشيخ حتى وفاته – بدأ شيخًا قارئًا ومنشدًا ومطربًا في عصر لم يكن يعرف فصلًا واضحًا في الاختصاص بين أصحاب هذه الفنون الثلاثة، التي كانت العمامة والقفطان والكاكولة سيما أهلها وشعارهم، ويروى الشيخ زكريا نفسه أنه قرأ سورة الكهف في الاحتفال بتجديد المسجد الأقصى عام 1928 والذي وافق وجوده في فلسطين للغناء، بحسب صبري أبو المجد في كتابه عن زكريا أحمد.

التجديد من الداخل

هذه السلفية الموسيقية لا تعني أن الرجل كان جامدًا أو مقلدًا، فقد أحدث نقلة فارقة في شكل الطقطوقة، كانت الطقطوقة أغنية خفيفة تتكون من مذهب وعدة أغصان متحدة اللحن، فجاء زكريا فنوّع ألحان الأغصان في طقطوقة (اللي حبك يا هناه) التي لحنها لأم كلثوم عام 1931، واتبعه الملحنون، وأثْرَت الطقطوقة وتطورت من وراء هذا التجديد وأُنتِجت منها ألحان حافلة وطويلة، وصارت بين الثلاثينيات والستينيات واحدة من أهم ثلاثة أشكال للغناء مع القصيدة والمونولوج، بعد أن كانت في العشرينيات مرتبطة بالخفة والهزل.

أم كلثوم.. اللي حبك يا هناه

كما خاض زكريا في طقاطيقه الكلثومية تجارب أخرى من التجديد، مثل طقطوقة (أكون سعيد لو شفتك يوم) 1931 الذي جعل لمذهبها لحنين، أحدهما تغنيه أم كلثومة والآخر للمذهبجية، وفي طقطوقة (ما لك يا قلبي حزين) 1932 جعل المطلع الموسيقي على مقام الكردان والمطلع الغنائي على مقام الصبا، وصنع فيها لحنين مختلفين للمذهب في نهاية الطقطوقة.

وكما خاض زكريا غمار التجديد في الطقطوقة، خاضها في الدور الذي كان آخر من لحّنه، فأضاف إليه مكونات طربية وتفاصيل هندسية لم تكن معتادة فيه، وخاصة أدواره التسعة التي لحنها لأم كلثوم بين 1931 و 1939، ويأتي على رأسها دور (إمتى الهوى ييجي سوا) 1936 والذي صنع له مقدمة موسيقية وأكثر من لوازمه وقناطره النغمية بما يتجاوز ما كان معتادا في الأدوار، كما جعل فيه ثلاثة مواضع للآهات منها بداية الدور وهذا أمر جديد على بناء الأدوار.

وفي دور (إن كان فؤادي) 1937 والذي لحنه لليلى مراد لحّن بيتًا في وسطه مرسلًا بلا إيقاع تتخلل شطريه نقرات على القانون مشكّلة لازمة خافتة.

وهكذا قطع الشيخ زكريا أشواطا بعيدة معتبرة في تجديد الأشكال الكلاسيكية من داخلها، بإثراء وتنويع بنائها الهندسي، بما يتجاوز تقليد سلفه الغنائي تقليدًا حرفيًا، ودون أن يتأثر بالموسيقى الأوربية في جُمله أو إيقاعاته، معتمدًا فكرًا موسيقيًا عربيًا لا تأتيه الهُجنة.

زكريا والتعبير

خلال سنوات العشرينيات ثبّت محمد القصبجي دعائم مذهب التعبيرية في التلحين، والذي يقوم على تعبير اللحن عن المعاني والمشاعر النفسية التي تتضمنها الكلمات، مُسخرًا لها الجُمل الموسيقية، وجاعلًا التطريب غايته الثانية بعد التعبير، ونتج عن ذلك تطويره الفذ لشكل المونولوج الذي حرر اللحن من قيود الأغصان والأقفال ليمنحه انطلاقًا حُرا لا يتقيد بغير معاني الأغنية ومشاعرها، وتأثر عبد الوهاب بمذهب القصبجي، وتأثر السنباطي به بشكل أكبر وأوضح، حتى أصبح القصبجي والسنباطي خلال سنوات الثلاثينيات فرسيْ رهان التعبيرية في الأغنية العربية والكلثومية على وجه الخصوص، في مقابل زكريا أحمد الذي احتفظ لألحانه بالخط الطربي القديم، مُصرًا على استغلال كل الإمكانات الطربية للنغم العربي في ألحانه.

على أن قصدية الإطراب لم تجعل ألحان زكريا خلوًا من التعبير، ولم تكن عقليته الموسيقية فقيرة من التفكير في التعبيرية، ذلك لأن الأنغام العربية مشتملةٌ على المعاني النفسية معبرة عنها بذاتها، فلا يسع مجددًا أن ينكر أن مقام الصبا معبر بذاته عن الحزن، وأن الرست معبر بذاته عن القوة والعظمة، ومعانٍ كثيرة تتقاسمها المقامات، ويزداد تفصيلها وتعقيدها حين يُعبر عنها الملحن بالمقامات الفرعية والمركبة المماثلة لها في التفصيل والتعقيد.

غير أنّ وقفة عابرة مع بعض جُمل زكريا أحمد تكشف لنا أن الرجل كان مفكرًا تعبيريًا من الطراز الأول حين يرى أن بالكلمات حاجة إلى ذلك.

ففي أغنية (يا ليل نجومك شهود) 1936 والتي غنتها أم كلثوم في فيلم وداد، ويقول مطلعها (يا ليل نجومك شهود عن لوعتي يا ليل) تبدأ المقدمة بجملة باكية على مقام الصبا تتكرر مرة قبل أن تُقفل في الثانية، تتبعها تقسيمة ناي قصيرة على نفس المقام، ثم يضرب زكريا في صحراء الحزن بنقرات متصاعدة على إيقاع ثقيل، وإذا كانت الجملة الأولى والتقسيمة تعبران بالمقام عن شعور الحزن، فإنه لا شيء أوصف لطول ليل الملتاع وثقله من ثقل تلك النقرات وتصاعدها الخانق، الذي يُشبه تصاعد روح في الصدر توشك على الخروج.

 

يا ليل نجومك شهود

ثم تقابلنا قصيدة (القصر المهجور) التي غنتها أم كلثوم في فيلم دنانير عام 1939، وهي قصيدة رثائية ترثي فيها جاريةُ البرامكة قصرهم ومجدهم بعد نكبتهم، ولحّنها زكريا لحنًا مرسلًا خاليًا من الإيقاع متبعًا معاني الحزن والأسى التي لا تحتمل رفاهية الإيقاع، وأجرى فيها عددًا من النقلات المقامية اللافتة تبعًا لشعور كل بيت، وجو اللحن كله تعبيري هادئ يخلو من غاية التطريب، لكن الطرب ماثل في كل جُمَله بأصالة زكريا المشيخية.

أما المثال الثالث الأشد وضوحًا فهو النهاية الدرامية المدهشة لمونولوج (حلم) 1947، والذي يحكي قصة حلم بوصال الحبيب ينتهي بصدمة الصحو على لا شيء، فأغرق زكريا أحداث الحلم بالطرب والبهجة، مستغرقًا في أجواء الكلمات السكرَى بالفرحة (نسينا الدنيا ولهينا.. في هوانا وطرنا وعلينا.. لا عواذل واقفة حوالينا.. ولا ذنب يتعد علينا)، وبعد أن يُسكر المستمع بلحن هذه الكلمات على الرست، يباغته بنقرات إيقاعية متوترة، قبل أن تطلع أم كلثوم إلى مقام الحجاز المخيف بكلمتي الصدمة (سكوت وسكون) مادًّا الواو فيهما مدًا طويلًا وجاعلًا بينهما سكتة لطيفة، ليعبر بالمد والسكت عن السكوت والسكون تعبيرا مسموعا، متْبعًا هذه الصدمة بنقرات هابطة تؤكد معنى السكون، قبل أن تصعد أم كلثوم بالسؤال (وإيه هيكون؟!) بنفس مد الواو ليعبر بطوله عن عمق الحيرة، فتتبعها النقرات صاعدة لتؤكد معنى السؤال، مستقرة على مقام الحجاز المخيف، والذي يأتي عليه الجواب (مفيش غير الغصون تهمس.. ولا غير القمر ناظر) قبل أن يختم هذه الفقرة على مقام السيكاه الذي عبر عن استيعاب الصدمة، بعد أن صار ما قيل على مقام الحجاز ذكرى.

ويُكمل زكريا الأبيات الباقية من الأغنية على نفس الوتيرة، نقلات مقامية وإيقاعية قاسية تعبر عن التحولات الدرامية القاسية حتى تنتهي القصة.

أم كلثوم تغني “الحلم” من ألحان زكريا

قديم يتسلل إلى جديد

خلال سنوات الثلاثينيات سادت الطقطوقة المعقدة التي طورها زكريا، والمونولوج الذي شيده القصبجي، والقصيدة التعبيرية التي قفز بها السنباطي، فضلا عن تحديثات عبد الوهاب التي كانت أجرأ في الشكل والنغم والإيقاع، وانسحب الموشح والدور إلى متحف التاريخ، ورغم اختلاف الأمزجة بين الملحنين الأربعة فقد أسسوا طربًا ناضجًا حافلًا من خلال الأشكال الجديدة والمطوَرة، وبينما ولى القصبجي والسنباطي وعبد الوهاب ظهورَهم للغناء القديم، شد زكريا كثيرا من خصائص الغناء القديم إلى ألحانه، وأكثرَ منها إلى غنائه لهذه الألحان.

في الأربعينيات لحّن زكريا لأم كلثوم عددًا من أشهر روائعها الطويلة، أبرز ما يلفتنا عند مقارنتها بألحان القصبجي والسنباطي أنها ألحان مفتوحة، أي تُفسح للمطرب مساحات واسعة للتفريد والارتجال لتُعيد المستمع إلى أجواء الوصلة الكلاسيكية قبل عشرين عامًا.

وحين نبحث عن سبب انفتاح هذه الألحان وثرائها بالمساحات الحرة، نجد أن زكريا كان يعمد قصدًا إلى تقليل اللوازم وتقصير الفواصل الموسيقية، فيروي عنه محمود كامل أنه قال: “أنا ما أعملش اللازمة إلا إذا كان لها لزمة”، وهكذا نرى المقدمة جملة واحدة غالبا، وقد تتكرر لازمة للكوبليهات كما في (حبيبي يسعد) و(أنا في انتظارك) أو للكوبليه الأول فقط كما في (الأمل) ثم لوازم الكوبليهات بعد ذلك قصيرة كما في (الآهات) واللوازم القصيرة بين الأبيات والجُمل قليلة ولا تأتي إلا للضرورة.

حبيبي يسعد أوقاته

الرجل يفسح المجال للغناء ولا يشغل المستمع كثيرًا بموسيقاه، ولأن أم كلثوم لو أدّت اللحن كما وُضع مجردًا من الارتجال لخرج قصيرًا ولطالبها الجمهور بالإعادات فأدتها بسرعة وفرغت من الأغنية والجمهور لم يشبع بعد.

لكن الحقيقة أن السبب والنتيجة هنا منعكسان، فأم كلثوم لم تكن تعيد وتُفرّد لأن ألحان زكريا قصيرة وقليلة الموسيقى، بل هو وضَعها كذلك ليخلق لها مساحة التفريد والتجلي، الرجل يبحث عن الطرب، والطرب المتجدد في عقل المطرب لا في اللحن الثابت، لذا نجد أنها كانت تُفرّد في ألحان زكريا في معظم الكوبليهات،  وهو ما لا يتسنى لها في ألحان القصبجي والسنباطي.

خطوة أخرى نخطوها إلى خلاصة عقل الرجل حين نسمع أداءه لألحانه الكلثومية ونقارنه بأداء أم كلثوم، الطرب عنده في كل مساحة ممكنة، ويخلق له المساحة حين تستحيل، إنه لا يرتجل في لحن الكوبليه ولا في لحن الجملة فحسب، بل في لحن الكلمة الواحدة، كما كان يفعل مطربو عصر النهضة قديما، ويعجب المستمع كيف يخلق في الكلمة الواحدة مساحة للارتجال قد يخرج بها عن المقام الأصلي ثم لا يختل منه اللحن ولا الإيقاع!

وفي خضمّ احتشاده بخصائص الغناء القديم جلب بأدائه إلى الكلثوميات خصيصة طربية من خصائص الدور هي (الهنك والرنك)، وهما اصطلاحان على ترجيع بعض أجزاء اللحن على سبيل الأخذ والرد بين المطرب والمذهبجية، فعلها في أغنية (أنا في انتظارك) في جملة (عايز أعرف لتكون غضبان)، وفي (أهل الهوى) في جملة (خل انعطف على خله يا ليل).

الشيخ زكريا يغني لحنه “أهل الهوى”

هذا الزخم الطربي في أداء زكريا أحمد لكلثومياته جعل السمّيع الحقيقي لا يكتفي بتسجيلات أم كلثوم لهذه الأغاني رغم ثرائها الطربي المحفلي، لأن في أداء زكريا لها من الإضافات الثرية ما لا يقدر عليه إلا زكريا، ورغم ما يميل إليه كثير من السميعة من أن زكريا كان أقرب الملحنين الثلاثة إلى مزاج أم كلثوم وطبيعتها بحكم أنه أعرق الثلاثة مشيخةً، فإنّ أداء أم كلثوم يُعد بالنسبة له ضاربًا في الحداثة، ورغم تأثيره الكبير في أسماء لمعت في الأجيال اللاحقة كالشيخ سيد مكاوي والشيخ إمام عيسى، اللذين بقيا على عهد الوفاء لتراثه، فإنّ من المجازفة الشديدة أن يوصف أي منهما بأنه خليفته، فالحقّ أن الرجل لم يترك خليفة يقوم مقامه، ومات في 14 فبراير 1961 وفي صدره الخريطة الجينية للطرب العربي فلم يطّلع عليها أحد بعده.

بمشاركة

رسوم وجرافيك

أحمد بيكا

قصــة

عبدالرحمن الطويل

There are no reviews yet.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *



Start typing and press Enter to search