يلقي أتباع الجماعات الدينية والإسلام السياسي بظلال من الشك حول موقف المجتمعات المسلمة الممتنعة عن تطبيق الحدود بالكيفية التي يتصورورنها من الاحتكام لشرع الله، وهي القضية المعنونة بـ(الحاكمية) وما يترتب عليها من تكفير وتجهيل للمجتمعات المسلمة، واعتبار كل من يتبنى منظومة تشريعية مدنية متبعا "حكم الطاغوت".

في الوقت نفسه لا تبذل المؤسسة الدينية جهدا حقيقيا للاشتباك مع هذه الإشكاليات الفكرية والفقهية، وربما بسطت حجابا كثيفا، يحول بين الباحثين والمهتمين وبين مُنجز الأصولي الوحيد الذي تصدى في جرأة للبحث عن حل، وفك الالتباس القائم حول إشكالية وجوب تطبيق العقوبات المرتبطة بالحدود (كالقتل والقطع والرجم) من عدمه، وإمكانات تطبيقها في ضوء ما أوجبته اجتهادات الفقهاء أنفسهم من قيود أو شروط، لتبقى رسالة (الحدود) للشيخ الصعيدي على مدار تلك السنوات الطوال حبيسة رفٍ وخيط من الدوبار، ذلك كله قبل أن تصل إليها أيدينا

السياق التاريخي

كانت المنظومة التشريعية في العالم الإسلامي منذ النصف الثاني من القرن التاسع عشر تسير وفق مخرجات مجلة ( الأحكام العدلية العثمانية)، وهي مجلة تشريعية انطوت على ستة عشر بابا أولها كتاب البيوع وآخرها كتاب القضاء وضعها فقهاء الحنفية العثمانيون، لكن مع توسع النفوذ الأجنبي في أعقاب أزمة الديون في عهد إسماعيل، ظهر ما يسمى "بالمحاكم المختلطة" عام 1876 م بحيث بات القضاة الأجانب يجاورون القضاة الشرعيين على منصة القضاء للبت في كل ما يتعلق برعاياهم.

ومع تنامي مظاهر الدولة المدنية مطلع القرن العشرين، وتوسع العلاقات التجارية والاقتصادية استدعيت المنظومة القانونية الفرنسية برمتها، وبات السؤال ملحا عن موقع الشريعة الإسلامية من تلك القوانين، وعن قدرة الشريعة الإسلامية وصلاحيتها باعتبارها مصدرا لاستنباط مدونة قانونية تناسب مظاهر الحياة المختلفة، وهو نقاش خاض فيه عديد من القانونيين والفقهاء والإصلاحيين من محمد عبده، والفرنسي إدوارد لامبير، وعلي عبدالرازق، وحتى عبدالرزاق السنهوري الذي ظل يتحدث في بحوثه المختلفة مؤكدا على ضرورة التجديد، وفتح باب الاجتهاد حتى يمكن استنباط مدونة قانونية من الشريعة الإسلامية.

إلا أن متغيرا أساسيا سوف يطرأ على الساحة التشريعية والقانونية، فقد ألغيت الامتيازات الأجنبية بموجب اتفاقية دولية أبرمت مع الحكومة المصرية في مدينة "منترو" بسويسرا عام 1937، وباتت الدولة المصرية تستعد لتحقيق الاستقلال القانوني والتشريعي، ومن ثم، فقد أوكلت الحكومة المصرية للمرة الأولى إلى عميد كلية الحقوق عبد الرزاق السنهوري باشا مهمة وضع مشروع أول قانون مدني.

وبالطبع لم يكن عبد المتعال الصعيدي بمنأى عن هذا كله، فهو الإصلاحي المجدد الذي ساير منهج شيخيه محمد عبده ومحمد الأحمدي الظواهري في نقد مناهج التعليم الأزهري والدعوة لفتح باب التجديد الفقهي، وتقنين الشريعة الإسلامية، كما شارك في العديد من الصراعات والمعارك الثقافية المرتبطة بإصدارت مؤلفات (الإسلام وأصول الحكم) لعلي عبدالرازق، و(في الشعر الجاهلي) لطه حسين، واتهام اسماعيل أدهم بالردة والدعوة لتطبيق حدها الشرعي عليه.



كان موقف الصعيدي في معالجة هذه القضايا كلها واضحا، يتمثل في مناقشة هؤلاء وفقا آليات ومنهجيات علمية، وعدم التهديد والتلويح المستمر بسلاح الردة، ومحاكمات الإيمان لأن من شأن هذا أن يغلق باب الاجتهاد إلى الأبد، ومن ثم، فقد رأى ضرورة معالجة القضية من منبتها، ولم يكن يدري أنه سيجرع من الكأس نفسها ذات يوم.

ففي العام نفسه 1937 نشر الصعيدي على صفحات جريدة "السياسة الأسبوعية" السطور الأولى من أطروحته التي ستثير جدلا واسعا تصل به إلى حد فصله من الأزهر، واستتابته.

طرح مُثير للجدل

في العدد السادس من مجلة "السياسة الأسبوعية بتاريخ 20 فبراير 1937 كتب الصعيدي مقاله (التشريع المصري وصلته بالفقه الإسلامي) راح الصعيدي ينافح عن الشريعة الإسلامية في وجه غلاة المستشرقين، الذين اتهموا أحكام وحدود الشريعة الإسلامية في بعض الجرائم بانعدام الإنسانسة والوحشية التي تكشف عن تأثير الشخصية العربية الهمجية في التشريع الإسلامي، وهو ما رفضه الصعيدي مبينا أنه لا ينبغي الفصل ما بين الحدود كالقتل والقطع والرجم وبين خطر تفشي الجرائم التي شرعت هذه الحدود والعقوبات لردعها، بالإضافة إلى أن القوانين الوضعية قد أقرت عقوبة القتل لمن تثبت في حقه جرائم خيانة الأوطان أو تكرار فعل القتل العمد، وأقرت السجن المؤبد والأشغال الشاقة في بعض الجرائم، وهي لا تقل قسوة عما يدعون قسوته ووحشيته في التشريع الإسلامي.



ثم انتقل الصعيدي في المقال نفسه إلى مناقشة قضية تطبيق الحدود في ظل الشروط الفقهية المختلف عليها من جهة، وفي ضوء الواقع الذي يحول دون إمكانية التثبت من وقوع الجريمة وفق الشروط الموضوعة من جهة أخرى، فلم يعد في مقدور ولي الأمر ولا من ينوب عنه تطبيق الحدود، وهو ما يعني التنكر لها واللجوء إلى القوانين الوضعية، وقد رأى الصعيدي الحل الأمثل لإنزال العقوبة على هذه الجنايات في (التعزيز)، وجعل الحد الأقصى لعقوبة الزنا هو الجلد والرجم، والحد الأقصى للسرقة هو القطع، وبذلك لا نضطر إلى تعطيل الحدود، ويحل الصعيدي الإشكال مع صيغة الوجوب في النص بنقل فعل الأمر في القطع والجلد من الوجوب إلى الإباحة.. يقول: "فهل لنا أن نجتهد في الأمر الوارد في حد السرقة وهو قوله تعالى ( فاقطعوا)، وفي الأمر الوارد في حد الزنا وهو قوله تعالى (فاجلدوا) فنجعل كلا منهما للإباحة لا للوجوب، ويكون الأمر فيهما مثل الأمر في قوله تعالى "يا بني آدم خذوا ذينتكم عند كل مسجد وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين".



لم يشأ الصعيدي من وراء اجتهاده تعطيل الحدود وبشكل مطلق، وإنما أراد أن نعتبرها حد العقوبة القصوى، وتكون واجبة في حال تحقق شروطها المتفق عليها، ومباحة في حال عدم تحقق الشروط التي ثبت في أغلب الوقائع استحالة تحققها عمليا، ومن ثم، يطبق التعزير بتوقيع ولي الأمر لعقوبة مناسبة للجريمة بدلا من إعفاء اصحابها لعدم تحقق شروط الحد، وبذلك نذلل عقبة من عقبات تطبيق الحدود.

لم يكن الصعيدي مدفوعا في اجتهاده إذا بمحاولة مجاراة أدعياء الإنسانية، أو مسايرة المتأثرين بتشريعات الثقافة الغربية، وإنما كان دافعه الحرص على تفعيل الشريعة الإسلامية، وتحريرها من ربقة القيود والاشتراطات التي فرضها الفقهاء على مدار قرون على النص القرآني، ولقد كان يعلم خطورة ما يقدم عليه، فهل سيقبل الفقهاء التقليديون الاعتراف بفهمهم القاصر لمقاصد الشريعة الاسلامية وعجزهم عن تحقيقها على مدار ألف عام- بقبول مقترح الصعيدي، لذلك ألقى الصعيدي بكلماته سريعا ثم مضى معلنا التوقف في فكرته عند هذا الحد، ومنتظرا ردود الأفعال التي أرادها أن تأتي في سبيل التطوير والاجتهاد الفقهي لا الاتهام والتنكيل، فكتب: "وسأقف عند هذا في ذلك الموضوع ولا أذكر ما جمعته فيه، لأني لم استكمله بعد، ولأني لا أريد إلا عرض هذه الفكرة لأعرف رأي غيري فيها، ولنصل فيها إلى الصواب بعد بحثها وتمحيصها".

ردود قاسية واتهامات تستوجب الاستتابة

أثار رأي الصعيدي حمية المحافظين والتقليديين من علماء الأزهر، فاتهم بالدعوة إلى تعطيل الحدود وإنكارها، فذهب الشيخ محمد الخضر حسين، المدرس بكلية أصول الدين آنذاك، إلى أن حدود الله لا تبديل فيها ولا عدول عنها، وليس لولي الأمر الحق في التخفيف فيها أو نقلها من باب الوجوب إلى باب الإباحة، وهي مثبته بنص قطعي لا اجتهاد فيه إلا لجاحد أو مارق، شأن القاديانية الذين عرفوا الزاني والسارق في القرآن الكريم بأنهما من اعتادا السرقة والزني ولا حد عليهما إلا بتكرار الجناية.

اضغط على الألبوم لمشاهده الصور

يقول الشيخ محمد الخضر حسين "ومن ينظر في آيات حد السرقة وحد الزنا مجردا من كل هوى لا يفهم منها سوى أن من يرتكب السرقة عقوبته قطع اليد، ومن يرتكب فاحشة الزنا عقوبته الجلد، وأن الأمر في قوله (فاقطعوا)، وقوله (فاجلدوا) وارد في الوجوب القاطع".

وانتقل النقاش والنقد إلى المشايخ ووعاظ المعاهد الفرعية في شبين الكوم وطنطا والزقازيق، لكن الملاحظ أن جل الردود التي انطلقت في مواجهة طرح الصعيدي، دارت في فلك واحد وهو (وجوبية تطبيق الحدود) واتخذ شكل الجدال اللغوي من حيث ارتباط الحكم بالموصوف والدلالات اللغوية والبيانية (الزاني والزانية)، و(السارق والسارقة)، وهو أمر لم ينكره الصعيدي، فقد أقر بوجوبية الحد إذا تحققت شروطه، وبالتعذير ونقله إلى باب الإباحة إذا تعذر تحقق الشروط الموجبة للحد.. وتغاضت الردود عن مناقشة القضية الرئيسية التي طرحها الصعيدي وهي السؤال عن كيفية تطبيق الحدود الإسلامية في ظل تعذر واستحالة تحقيق الشروط الموضوعة للحدود مما اضطر الدول المسلمة للأخذ بالقوانين الوضعية.

وربما يكون من المفيد أن نقف عند شروط تطبيق حد السرقة بالقطع على سبيل المثال:

( أن يكون "المسروق" مالا للغير، ولا يكون للسارق فيه نصيب، وأن يكون موضوعا في مكان محفوظ، وأن يكون الأخذ خفية، وهي بذلك تختلف عن النهب والغصب والاختلاس، واختلف في شبهات الحد وتعطيل القطع عند: سرقة أحد الزوجين لمال الآخر أو المحارم، والمال العام، وإذا كان صاحب المال مجهولا أو مدينا مماطلا للسارق، والنشل إذا وقع المال على الأرض عند شق الجيب، واشتراك لصين في سرقة كان أحدهما خارج الدار وتناول المال المسروق من الذي بداخله، وكذلك سرقة الأطعمة والأصنام (الآثار) والخمر، وفي حالة إنكار السارق وإدعائه لملكية المسروق، وإذا تعذر تحقيق أي شرط من الشروط الثلاثة الأخيرة يستحيل تطبيق الحد إلى تعزيز).

جلسه محاسبة الصعيدي

انتقامات شخصية

لم تكن القضية لتمر بسلام داخل أروقة الأزهر لسببين على الأقل: أولهما، ما سبق وشنه الصعيدي على المتصوفة من حملة تتهمهم بالوقوف وراء حالة الجمود والتخلف والرجعية التي سيطرت على الأزهر مما عرضه لغضب مشايخه الأزهريين كالشيخ الأحمدي أبو النور، أما السبب الثاني فهو الإيعاز من القصر للانتقام من الرجل الذي بدأ مبكرا في الترويج للجمهورية والنظام الجمهوري على صفحات (السياسة الأسبوعية) باعتبارهما الشكل السياسي الأكثر معاصرة لمصر – في زمن الملكية.

شٌكلت لجنة للتحقيق مع الصعيدي ترأسها الشيخ عبدالمجيد اللبان المدرس بكلية أصول الدين آنذاك، وطالبت بفصله وإقصائه، غير أن فطنة شيخ الأزهر مصطفى المراغي الذي استجاب لدعوات الشيخ مصطفى عبدالرازق، ومحمد حسين هيكل، بعدم اعتماد إقصاء أصحاب الرأي وقصف الأقلام وسيلة بدلا من النقاش الفكري والنقد الموضوعي، معتبرين الصعيدي في أسوأ الأحوال مجتهد رأي، سواء أأخطأ أم أصاب- حالت دون قرار الفصل، فقد دفع المراغي باثنين من تلامذته إلى لجنة التحقيق هما الشيخين (محمد عبد اللطيف الفحام، والشيخ مأمون الشناوي) ليحدا من جموح الشيخ عبد المجيد اللبان.

عدل اللبان الذي ترأس اللجنة عن قراره بالفصل بعد عجزه عن إقناع عضويها، واكتفت اللجنة بمعاقبته بإيقاف ترقية الصعيدي لخمس سنوات، وإبعاده من التدريس بكلية اللغة العربية ونقله إلى معهد طنطا.. وابتداء من عام 1938 شرع الصعيدي المبعد من أروقة الأزهر يكتب عن (الحرية الدينية في الإسلام)، و(عقوبة المرتد) وغيرها من القضايا التي ارتبطت بشكل أو بآخر بأزمته.. وفي عام 1951 عاد الصعيدي للتدريس بكلية اللغة العربية بعد أن خط اعترافا جاء فيه (بأنه لم يكن يقصد ما فهمه الناس من إنكار للحدود الإسلامية، وإذا كان فيه شىء مخالف فإنه يقر بخطئه فيه).

كما لجأ الصعيدي في العام نفسه للقضاء لينال حقه في الترقية ومشيخة كلية اللغة العربية، استمرت القضية ثماني سنوات لم ينل فيها الصعيدي سوى مزيد من القدح والسباب من بعض المشايخ، حتى وصل لسن التقاعد القانوني في السابع من مارس 1959 فترك الأزهر بمناصبه وقضاياه، غير أنه طوال تلك السنوات لم تغادره الرغبة في استكمال ما بدأه من اجتهاد.

كما أن تلامذته الذين تعاطفوا مع قضيته ومع رغبته في الإصلاح والتجديد لما لمسوه في حياته الشخصية من محبة للعلم والاجتهاد والمثابرة على الاضطلاع، والتعرف على مستحدثات الحضارات في القوانين والتشريعات والعلوم الإنسانية بفروعها المختلف قد شاركوا أستاذهم في إعداد (صالون) على عادة مثقفى تلك المرحلة لمناقشة القضايا الفقهية المختلفة، وعندما تعرض في حديثه لاجتهاداته حول قضية الحدود اقترح اثنان من تلامذته بأن يملي عليهم طرحه وتأصيله الفقهي لرأيه في قضية الحدود، كان نتاجها تلك الرسالة (في الحدود الإسلامية) المخطوطة باليد، والتي ما تزال بين أرفف مكتبة الأزهر الشريف، غير مسموح بطباعتها أو تداولها، دون نقاش علمي جاد أو محاولة للإجابة عن السؤال الأهم الذي طرحه الصعيدي منذ ما يربو على سبعين عاما حول الكيفية التي يمكن بها تطبيق الحدود الإسلامية في ظل تعذر تحقيق الشروط في الواقع المعاش.



وقعت أيدينا على النص الأصلي لمحتوى الرسالة التي أرفقنا منها في قصتنا عدد من الفقرات، لفتح النقاش من جديد حول قضية الحدود التي صارت تكأة للمتأسلمين وأصحاب العقول الضعيفة لسوق الاتهامات لمجتمعاتنا، تارة بالتجهيل، وأخرى بالتكفير.. كما ندعو للإفراج عن رسالة الصعيدي التي يظل حجبها عن الباحثين شينا لا يليق بمجتمع البحث العلمي الحر.

بمشاركة


رسوم وموشن جرافيك: أحمد بيكا

فيديوجرافيك: طه حسين

قصة


بلال مؤمن

أحمد الشوربجي

العودة للصفحة الرئيسية