سياسة

رهانات آبي أحمد في الانتخابات الإثيوبية.. سد النهضة للاستهلاك المحلي

بحلول شهر يوليو القادم تكون حكومة آبي أحمد قد بلغت الموعد الذي أعلنته للمباشرة في إجراءات الملء الثاني لخزان سد النهضة، بشكل أحادي دون التوصل إلى اتفاق ملزم مع دولتي المصب: مصر والسودان.

في المقابل، تبذل الدولتان، مصر والسودان، جهودًا ديبلوماسية واسعة لثني أديس أبابا عن الشروع في عملية الملء دون التوصل إلى اتفاق على تفاصيل الإجراءات الفنية.

وبين إصرار إثيوبيا على المضي قدمًا في إجراءات الملء، واعتراضات دولتي المصب، تبرز الانتخابات الإثيوبية الجارية لانتخاب أول برلمان منذ وصول رئيس الوزراء الحالي أبي أحمد إلى السلطة؛ لتطرح عدة تساؤلات حول رهاناتها، ومدى قدرتها على تغيير الموقف حيال سد النهضة.

هل تُغيّر الانتخابات رهانات آبي أحمد على سد النهضة؟

منذ اندلاع الاحتجاجات الإثيوبية، ونجاحها في تغيير الخارطة السياسية عبر الإطاحة بالحزب النافذ في الائتلاف الحاكم للبلاد لـ27 عامًا، وتنحي رئيس الوزراء السابق ولدماريام ديسالنج، ومن ثم صعود آبي أحمد لسدة الحكم في 2018.. منذ ذلك الحين لم تشهد البلاد أية استحقاقات انتخابية، إذ اعتبرت الفترة الانتقالية جزءًا من عهدة ديسالنج وتكملة لها.

ورغم أن الانتخابات البرلمانية كان مقررًا إجراؤها في 2020، قررت الحكومة الانتقالية تأجيلها لعام إضافي، بذريعة تفشي وباء كورونا.

سد النهضة
ظل ملف سد النهضة بمثابة القشة التي يتعلق بها آبي أحمد

وعلى الرغم من الوعود الكبيرة التي أطلقها آبي أحمد بعد وصوله للسلطة، خاصة تجاه المعارضة ودول الجوار، ثمة مؤشرات قوية تؤكد تراجع شعبيته خلال الأشهر الماضية، لا سيما بعد إعلان الحرب على إقليم تيجراي في نوفمبر 2020، والعقوبات الدولية التي فرضت على أديس أبابا على خلفية اتهام الحكومة بارتكاب انتهاكات واسعة لحقوق الإنسان في تيجراي، تصل إلى حد جرائم حرب.

فيما ظل ملف سد النهضة بمثابة القشة التي يتعلق بها آبي أحمد، حفاظًا على ما تبقى من شعبيته فعليًا، باعتبار السد “الحلم القومي لجميع الإثيوبيين”. ولم تخل استخدامات ملف السد من أغراض سياسية وأهداف انتخابية. فهل تميل الكفة في الانتخابات المنتظرة، لصالح آبي أحمد الحائز على نوبل للسلام، والمتهم في نفس الوقت بارتكاب ممارسات جرائم حرب؟

يعد هذا السؤال جوهريًا في الراهن الإثيوبي المنقسم على نفسه. ورغم صعوبة التنبؤ بتوجهات الرأي العام الإثيوبي في هذه الانتخابات، ثمة مؤشرات يمكن قراءتها بسهولة، تشي بأن كل الظروف، بما فيها سد النهضة، حُشدت في هذه المنافسة لصالح حكومة آبي أحمد.

آبي أحمد رهينةٌ لإرث الماضي

الانتخابات باعتبارها مجرد مرحلة لتحليل الشرعية مرة أخرى، عوضًا عن تجديدها (الشرعية) بثقة الشعب، هي النقطة الأساسية التي ينطلق منها الباحث الإثيوبي تدلا أيالو لوصف حزب الازدهار، وريث تركة الائتلاف الحاكم السابق، كرهينة لإرث الماضي القريب.

يقول أيالو لـ“ذات مصر”، إن الظروف الإجرائية للانتخابات قد تكون متوفرة، لكنها “غير كافية لتنظيم انتخابات شفافة ونزيهة، ما لم تتوفر الإرادة الحقيقية للتغيير”.

يرى أيالو أن سد النهضة بمثابة “مركز الجاذبية” لكل الأحزاب السياسية في إثيوبيا، مشيرًا إلى أن الخطاب السائد هو أن “إتمام مراحل بناء السد يعد واجبًا وطنيًا لأي جهة سياسية، حزبية أم تنفيذية”. على هذا ظل سد النهضة عاملًا مشتركًا في الحملة الانتخابية: “لعله الملف الوحيد المتفق عليه بين المعارضة والنظام”، يقول أيالو.

ويضيف: “قد تجري السلطة بعض التحديثات الإجرائية في تعاطيها مع ملف السد، في ظل الضغوط الدولية المتعاظمة، خاصة بعد التدخلات الأمريكية الكثيفة في ملفي السد والحرب في إقليم تيجراي”. مع ذلك لا يتوقع أن يصل الأمر إلى تغيير جوهري في التعاطي مع مسألة السد، سواءً فيما يتعلق بتوقيتات الملء الثاني، أو في مسار المفاوضات مع مصر والسودان.

“أي تنصل من التعهدات التي قدمتها السلطة للشعب بشأن ملف السد، سيعتبر نكوصًا، وقد يمنح ورقة ثمينة لأحزاب المعارضة للمزايدة عليها”، يوضح الباحث الإثيوبي تدلا أيالو.

آبي أحمد
ناشطة إثيوبية: إدارة آبي أحمد تفتقد للرؤية الواضحة

في النهاية يلخص أيالو رؤيته للانتخابات، بقوله إنها لن تفضِ إلى أي تغيير حقيقي، سواءً في شكل السلطة الحالية، أطرافها، أو سلوكها، أو حتى تعاطيها مع الملفات الأساسية، وعلى رأسها سد النهضة والحرب في تيجراي.

سد النهضة ورقة سياسية للاستهلاك المحلي

بالتدريج يصبح سد النهضة سببًا في تعرض مصالح إثيوبيا وأمنها للخطر. هذا ما تشير إليه الناشطة الإثيوبية جيجي كيا، قائلةً إن حزب الازدهار الحاكم “يستخدم ملف السد كورقة سياسية للاستهلاك المحلي”.

وبالجملة، ترى كيا أن تحركات الحكومة تفقد البلاد علاقاتها بحلفاء تاريخيين، على رأسهم الولايات المتحدة، سواءً بسبب سياستها في التعاطي مع ملف السد، أو بـ”الأخطاء الكبيرة والانتهاكات الواسعة” التي مارستها في حرب تيجراي بالتحالف مع دول مجاورة، في إشارة إلى إريتريا. “سيكلف ذلك البلاد أثمانًا باهظة، سيدفعها الشعب الإثيوبي من قوت يومه”، تقول كيا لـ“ذات مصر”.

“إدارة آبي أحمد تفتقد للرؤية الواضحة”، تخلص جيجي كيا إلى هذه النقطة انطلاقًا من تداعيات العقوبات المفروضة على البلاد: “لن يتمكن النظام الذي ظل معتمدًا على الإعانات الدولية والاستثمارات الغربية، من الصمود طويلًا أمام ما يتعرض له من ضغوط”.

وتضيف أن سياسات آبي أحمد ومواقفه “تعرض مصالح البلاد للخطر: داخليًا تواجه البلاد تحديات أمنية وعسكرية في أكثر من إقليم، وحركات تمرد، فضلًا عن الحرب المفتوحة في تيجراي. وخارجيًا تواجه ضغوط مكثفة. في نفس الوقت علاقاتها مع كل من كينيا، السودان، ومصر، متوترة للغاية وبشكل غير مسبوق”.

مع كل هذا لا يبدو ثمة فرصة للتغيير خلال الانتخابات، في نظر جيجي كيا، التي قالت إن “المقدمات تشي بالنتائج”، موضحةً: “الانتخابات التي تجري في ظل حالة الطوارئ، والخروقات الكبيرة في القوائم الانتخابية، والاعتقالات المستمرة للمعارضين السياسيين أمثال جوهر محمد؛ كل ذلك لا يضمن أن تكون انتخابات نزيهة وشفافة”.

تستدل جيجي على ذلك بالتسريبات الأخيرة لاجتماع الهيئة التنفيذية للحزب الحاكم، حيث أكد آبي أحمد أن حزبه باقٍ في السلطة لعقود قادمة، وأنه “لا قوة على الأرض بإمكانها اقتلاعه عن السلطة”، وإن وجدت فسوف يحاربها حتى الموت، على حد تعبيره.

كان الحزب الحاكم علّق على هذه التسريبات، بنفيها واعتبارها مزيفة ورُكّبت من مجموعة تصريحات مختلفة. لكن جيجي كيا في المقابل، تؤكد أن هذا الشريط المسرب، إنما “يكشف نوايا آبي أحمد”، خاصة أن الحكومة لم توضح كيفية جمع تلك التصريحات وتركيبها، ولم تقدم في المقابل التصريحات “الأصلية” التي تقول إنها تم التلاعب بها.

ثمن التحرر من السيطرة الأمريكية؟

من جهة أخرى، تدافع النخبة المؤيدة لحزب الازدهار الحاكم، عن الخيارات التي اتخذتها إدارة أبي أحمد. وتبرر هذه النخبة، الأزمات التي تمر بها البلاد، بأنها “جزء من فاتورة التحرر من السيطرة الأمريكية”.

الباحث الإثيوبي ألمنيه واسي، يقول في هذا الصدد: “الأزمات المتتالية التي واجهت إدارة آبي أحمد، لم تكن متوقعة”، مشيرًا إلى أزمة كورونا، وتمرد الجبهة الشعبية لتحرير تيجراي، باعتبارهما شاهدين على ذلك.

وفي مقال طويل نشره موقع “The Habesha”، أشار واسي إلى أن الاقتصاد الإثيوبي، “الذي لطالما صُنف كأسرع الاقتصاديات النامية في أفريقيا، تعرض لهزات كبيرة نتيجة أزمة كورونا، فضلًا عن قرار حجب المعونات الأمريكية الذي فرضه الرئيس السابق دونالد ترامب، كعقاب على مواقف إثيوبيا السيادية تجاه سد النهضة، والانفتاح على الصين وتنويع وارداتها التجارية”، بحسب واسي.

تيجراي
من المتوقع تضاعف الضغوط الأمريكية على أديس أبابا في ظل استمرار الحرب في تيجراي

من هذا، يخلص واسي إلى أن بلاده “تدفع ثمن التحرر من السيطرة الأمريكية”، زاعمًا أن “انسحاب أديس أبابا من مسار واشنطن، الخاص بسد النهضة،كلفها الكثير على المستويين الاقتصادي والمالي”. لكنها في المقابل، وفقًا له “ربحت رهانها السيادي في الملء الأول للسد، وسوف تستمر نحو الملء الثاني”.

اقرأ أيضًا: الأسوأ منذ عقد.. سياسات آبي أحمد تدفع نحو مجاعة في تيجراي

وفي حين يتوقع واسي تضاعف الضغوطات الأمريكية على إثيوبيا مع الملء الثاني للسد، واستمرار الحرب في تيجراي، يعتقد أن هناك “تفهمًا أوروبيًا بات يتبلور في الفترة الأخيرة”، مشيرًا بشكل خاص إلى الجلسة الخاصة بإثيوبيا في البرلمان البريطاني، وردود وزير الخارجية البريطاني التي صارت أكثر قربًا من الموقف الإثيوبي.

المتغيرات المحتملة في ملف سد النهضة

وبالعودة إلى قضية توقيت الملء الثاني للسد، ونقاط الاختلاف بين إثيوبيا من جهة ومصر والسودان من جهة أخرى، خاصةً فيما يتعلق بمسألة التوصل لاتفاق فني ملزم لتشغيل السد؛ لا تستبعد جيجي كيا “حدوث انفراج محدود مع دولتي المصب بعد الانتخابات، لا سيما أن الحزب الحاكم سيكون قد فاز باستخدام هذا الملف، وعليه يهمه تسكين الخلافات الخارجية، ومحاولة استعادة الدعم الدولي، على ضوء الأزمة الاقتصادية والمالية الطاحنة”.

الأكيد، بالنسبة لجيجي، أن النظام الإثيوبي لن يتمكن من الاستمرار في ظل هذه الأزمات، داخليًا وخارجيًا. ومع تراجع مؤشرات النمو “بشكل مخيف” بتعبير جيجي، من 8.1% عام 2018 وقت وصول آبي أحمد للحكم، إلى 2.8% هذا العام؛ فلاد من المضي نحو تغيير محتمل، وفقًا للناشطة الإثيوبية.

وعلى ضوء تعيين الولايات المتحدة مبعوثًا خاصة للمنطقة، بالتضافر مع العقوبات التي تفرضها على إثيوبيا، من المحتمل التوصل إلى اتفاق بين إثيوبيا وبين مصر والسودان، حول الإجراءات الفنية، بوساطة أمريكية.

يتفق مع ذلك الباحث الإثيوبي تدلا أيالو، مشيرًا إلى إمكانية حدوث تطورات ما “بعيدًا عن الخطاب السياسي والتناول الإعلامي”. ما هي هذه التطورات؟ يجيب أيالو: “هناك عدة طرق كتقليص نسب الملء بالاتفاق مع دولتي المصب والولايات المتحدة الأمريكية، خاصة مع التسريبات التي تتحدث عن زيارة وفد إثيوبي رفيع المستوى لواشنطن، من أجل التفاوض حول ملف السد ثنائيًا”.

يخلص أيالو إلى أن هذه قد تكون الطريقة الأفضل لتسكين الخلاف وفي نفس الوقت حفظ ماء وجه حكومة آبي أحمد داخليًا، أي تقليص نسب الملء، قبل التوصل لاتفاق نهائي ملزم لكل الأطراف.

آبي أحمد يخرق قانون الانتخابات

من جهة أخرى، طالب برهانو نقا، رئيس حزب المواطنة الإثيوبي، اللجنة العليا للانتخابات في البلاد، حظر حوار آبي أحمد المسجل مع التلفزيون الرسمي، والذي كان مزمعًا بثه خلال الأيام القادمة.

الانتخابات الإثيوبية
وجهت اتهامات لآبي أحمد بخرق قانون الانتخابات

واعتبر برهانو نقا أن بث الحوار يمثل “خرقًا لقانون الانتخابات وقد دخلت البلاد فترة الصمت الانتخابي”.

قال نقا إن رئيس الوزراء آبي أحمد، وباعتباره رئيسًا للحزب الحاكم في البلاد “يخرق القانون الانتخابي الذي يفرض عليه الصمت، وعدم استخدام وسائل الإعلام الثقيلة للتأثير على خيارات الناخبين”.

ورغم عدم ظهور أي ردود رسمية من اللجنة العليا للانتخابات، فإن مسؤول الإعلام المرئي والمطبوع بوزارة الإعلام الإثيوبية، محمد أندريس، أيّد موقف برهانو، قائلًا في تصريح لإحدى القنوات الإثيوبية الخاصة: “حوار رئيس الوزراء المسجل مع (القناة) الحكومية، وإن كان يركز على النشاطات والإنجازات الحكومية، وغير مرتبط بشكل عضوي بالحملة الانتخابية، فإن توقيته قد يمثل خرقًا لإجراءات الصمت الانتخابي”.

محمود أبو بكر

صحفي وكاتب أريتري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى