وجهات نظر

آبي أحمد بين الشعوذة والدين والسياسة

حمدي عبدالرحمن

على مدى ما يقرب من ثلاثة عقود كان الأمهرة يبكون على مُلكِهِم الذي ضاع على أيدي التيغراي، وكانت اللحظة المناسبة هي ثورة شباب الأورومو ابتداء من عام 2016، ليدفعوا بعدها بربيبهم آبي أحمد الذي تربي في حجر أمه الأمهرية رغم نسبه لأبيه من الأورومو، ليصبح تكأة لعودة أمجاد منليك وهيلاسلاسي.

منذ البداية، قام رئيس الوزراء آبي أحمد، كما كان واضحًا جدًا لأولئك الذين قاموا بتحليل خطاباته وأفعاله، على الرغم من أن بعضها كان منمقا وسطحيًا، بتقديم صورة زائفة لشعبه والعالم، باعتباره الزعيم المنتظر.

حاول آبي أحمد ارتداء عباءة منليك الإمبراطورية، واضعا على رأسه عمامة وحكمة النجاشي وهو يمتطي في نفس الوقت فيل أبرهة الأشرم.

لكن الرجل رغم ذلك يعاني بعد ثلاثة سنوات من حكمه من اضطرابات في الشخصية بشكل يثير الشكوك حول صدقه وكفاءته. إنه يجسد بسهولة جميع خصائص القادة الذين تسيطر عليهم أوهام العظمة.

قدم آبي احمد مثل الطغاة المهووسين الآخرين “كتابه المقدس” لتسير على هديه الأمة الإثيوبية، ويحوي هذا الكتاب ملامح “فلسفة” -إن تجاوزنا في التعبير باستخدام مفردة فلسفة- تتسم بالغموض أطلق عليها اسم “مديمر”، والتي تعني التآزر بالأمهرية، لكنها في الحقيقة أقرب إلى مناهج الشعوذة والدجل.

وللحق لدى آبي أحمد مهارة فائقة تمكنه من أن يستنطق كتابه بأي شيء يريد قوله، اعتمادًا على السياق المتغير باستمرار، ولا أخفيكم سرا أنني كنت من المعجبين بادئ الأمر بمنهجه الذي خُيل إلى من سحره أنه إصلاحي الطابع.

أقرأ أيضًا للدكتور حمدي عبد الرحمن: مفاتيح الشخصية الإثيوبية

آبي أحمد.. وهم العظمة

هذا الوهم بالعظمة يُغلفه صاحبنا بعناصر أصولية دينية، وهو ما جعل البعض من أنصاره يشبهه بالرسول المُنقذ الذي أرسله الرب لأمّة الأحباش (ظاهرة الهوس الديني بأبي أحمد) ولاسيما في بداية حكمه، وحصوله على جائزة نوبل. إنه يعتقد بلا خجل أنه كان مُقدراً له أن يكون “الملك السابع”، كما تنبأت أمه.

ويستند مسمى “الازدهار” في الحزب الجديد الذي أنشأه إلى كنيسة الازدهار المثيرة للجدل، وهي كنيسة تُساوي الثراء بالفضائل، مع تطلعاتها المروعة التي لا مجال فيها للسلام من أي نوع.

ليس من المستغرب، بالنظر إلى قصة صعود أبي أحمد إلى السلطة، أن يتم استخدام “بشارة الرخاء” لتعبئة الإثيوبيين للانضمام إلى حزبه السياسي الجديد. لكن الأغرب، هو وجود هذا الرابط بين آبي أحمد وداعميه في واشنطن، لاسيما الدعم الذي يتلقاه من الإنجيليين في الكونجرس الأمريكي، والكنيسة الخمسينية في سيلفر سبرينج بولاية ماريلاند، وهو الدعم الذي دفع في نهاية المطاف بالرجل إلى قصر مينليك.

إنها قصة غريبة توضح كيفية حصول الإنجيليين على موطئ قدم لهم في إثيوبيا لإزاحة حزب التيغراي، وعموما القصة بسيطة تتمثل في الربط بين إنجيل الرخاء وحزب الرخاء.  إنجيل الرخاء يتجسد في مبدأ بسيط للغاية وهو :” تحتاج إلى التبرع بالمال للكنيسة لإثبات إيمانك وسيكافئك الله ماديًا مائة ضعف”.

بالنسبة لحزب الرخاء، عليك أن تتعهد بالولاء، وأن تجعل صوتك مهمًا في الانتخابات القادمة، وسيكافئك الله مائة ضعف.

بين إثيوبيا والولايات المتحدة

ما نود توضيحه هنا من السرد السابق ذكره هو العلاقة بين العقيدة الإنجيلية للازدهار، ودافع الولايات المتحدة لتأسيس موطئ قدم اقتصادي لها في إثيوبيا.

كانت جولة وزير الخارجية الأمريكية السابق مايك بومبيو التي شملت ثلاث دول في إفريقيا بلا شك محاولة لإقناع الدول الأفريقية بالتخلي عن الصين، وربط نهوضها باستراتيجية إدارة ترامب تجاه إفريقيا والتي أطلق عليها – ويا للمصادفة –  اسم ” إفريقيا المزدهرة“.

للمزيد: “سد النهضة”.. هل يظهر الضغط الأمريكي بعد فشل المفاوضات؟

تركز مبادرة “إفريقيا المزدهرة” على تسهيل زيادة استثمارات القطاع الخاص مع إفريقيا، حتى اسم “إفريقيا المزدهرة” يستحضر الإنجيل السياسي المنتشر في جميع أنحاء إثيوبيا والذي يعد بالازدهار الاقتصادي الإثيوبي مقابل دعم رئيس الوزراء في الانتخابات المقبلة.

ولكي تكتمل الصورة علينا أن ندرك أن تأثير الدعم الأمريكي لدولة إقليمية في واقع القرن الأفريقي المضطرب يرتبط به المسعى الإسرائيلي الذي يروج هو الآخر لمفهوم الازدهار، وإن اتخذ طابعًا علميًا تكنولوجيًا في هذه الحالة.

قصة البقرة الإسرائيلية

لعلنا نتذكر قصة البقرة الإسرائيلية والبقرة الأثيوبية في خطاب رئيس الوزراء الاسرائيلي نتانياهو أمام البرلمان الأثيوبي عام 2016، حيث اُستقبل بحفاوة بالغة ورد ما نصه:” إن السؤال الذي أطرحه دوما في كل مكان أذهب إليه: ماهي البقرة الأكثر إدرارا للحليب في العالم؟

ربما تعتقد أنها البقرة الهولندية؛ أو البقرة الفرنسية. ولكن ذلك غير صحيح؛ إنها البقرة الإسرائيلية وقريباً قد تكون البقرة الإثيوبية. هذه هي رؤيتي لتعاوننا: أن يتمتع المزارعون الإثيوبيون بمزايا الدراية التكنولوجية الإسرائيلية، ويعملون معنا؛ لتوجيه المياه إلى كل اتجاه نريده مع تقليل نسبة الفاقد منه، للحصول على التكنولوجيا، وللحصول على الاتصالات والتعليم والطب.

استمتعوا بثمار التقنية، لأن المستقبل ملك لأولئك الذين يبتكرون. إسرائيل دولة ابتكارية، لكننا مستعدون ومتشوقون لتبادل خبرتنا معكم، لأننا نؤمن بشراكتنا. أعتقد أن إثيوبيا آخذة في النهوض نحن نعتقد أن الصناعات الخاصة بكم نامية ومبتكرة، نفوذكم ينتشر. نحن نسعى إلى تعميق علاقاتنا معكم،  لأنه عندما نعمل معًا، يكون حال شعبينا أفضل”.

اضطهاد وبراجماتية

من جهة أخرى وفي سياق رؤى الرجل غير المعتادة نجد أنه على الرغم من اضطهاد أسياس أفورقي المروع للمسيحيين الإنجيليين (تم حظر دينهم، وأغلقت كنائسهم، وسُجن الآلاف)، فقد طور أبي احمد، الذي يُفترض أنه من الخمسينيين المتدينين، علاقة وثيقة معه لأسباب مكيافللية برجماتيه.

والعجيب، أن ذلك تم تبريره باعتباره مقبولًا في ملتهم وعقيدتهم الدينية، اشترك كل منآبي أحمد وأسياس في مسرحية حرب التيغراي الدرامية حيث اعتقدا أن رد الفعل  الدولي لن يتجاوز حد العقوبات الاقتصادية والدبلوماسية المفروضة على إريتريا، بما يعيد أفورقي إلى وضع العزلة المحبب إليه، ويضمن بقاءه في السلطة.

للمزيد: “المماطلة” إثيوبية.. من يوقف تلاعب أديس أبابا في أزمة سد النهضة؟

بيد أن رسالة الرئيس بايدن عن طريق مبعوثه، السناتور كريس كونز، كانت على الأرجح السبب وراء اعتراف أبي جزئيًا بوجود جنود إريتريين في تيغراي.

ومع ذلك كان رد الفعل الدولي غير متوقع حيث لم تستبعد الولايات المتحدة والدول الأوروبية خلال قمة الناتو في مارس الماضي خيار التدخل العسكري في التيغراي وربما لن يعفي ذلك أثيوبيا من المسئولية.

الملء الثاني والمسؤولية عن جرائم الحرب

لذلك، بعد يوم واحد فقط من اعتراف آبي أحمد بأن القوات الإريترية كانت في تيغراي، وأن انتهاكات حقوق الإنسان قد ارتكبت بالفعل، وجد أنه من الضروري السفر إلى أسمرة للتشاور مع أسياس، ويعلن بالفم المليان أن “إريتريا وافقت على سحب قواتها من الحدود الإثيوبية”.

في الفصل الثاني من هذه الملهاة الدموية تقتضي متطلبات الاخراج إبقاء القوات الإريترية في تيغراي بالزي الإثيوبي حتى يتمكن آبي أحمد من الالتفاف مرة أخرى، وإخبار العالم أنهم غادروا.

يعاني الرجل من ظاهرة الكذب فهو يكذب ويعلم أنه يكذب حتى بات يصدق نفسه، يمكن للمرء أن يحصي عددًا من الأكاذيب من مختلف الاتجاهات في خطاب واحد يلقيه في أي وقت.

آبي أحمد والأكذوبة الكبرى

من أفضل التعليقات التي قرأتها ردًا على تغريداته على تويتر: أنه إذا أقيمت مسابقة للكذب على مستوى العالم لاحتل آبي أحمد المرتبة الأولى دون منازع.

ولعل من أبرز الأمثلة التي تشير إلى شعور الرجل الزائف بالعظمة، وأنه يعيش في عالم خيالي قريب ربما من طوباوية توماس مور أو القديس أوجاستين (مدينة الله التي وهبها إياه) .في خطاب ألقاه أمام البرلمان، قال “بحلول عام 2050 سيكون للعالم قوتان عظميان، إحداهما ستكون إثيوبيا”. وهذا وفقًا لخطة الثلاثين عامًا التي رسمها، كما يبشر بها.

العظمة الوهمية وكذبه الذي لا يحصى تتسق مع بعض النبوءات الدينية المهوسة التي تنطوي عليها . هذا رجل قد يحتاج إلى مساعدة نفسية، وليس منحه هبة تشجيعية مثل جائزة نوبل للسلام،  والتي أسهمت في أن تدفع بشعوره بالعظمة المتوهمة إلى مستوى غير مسبوق. فهل يمكن التفاوض مع شخص بهذه الصفات؟

أقرأ أيضًا للدكتور حمدي عبد الرحمن: سد النهضة ولعبة الشطرنج

د. حمدي عبد الرحمن

كاتب وباحث مصري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى