سياسة

آبي أحمد نَشْوان بالنصر!: “تيجراي”.. من يُسدد فواتير الحرب؟

 

تعمدَ آبي أحمد، رئيس وزراء إثيوبيا، أن تُلتقط له الصور في قاعة مؤتمرات حزب جبهة تحرير شعب تيجراي. أرادَ أن يُظهر للعالم كله أنه انتصر. لقطات مُكايدة لحزب تيجراي الذي بدا –مؤقتًا- أن هُزِمَ في حرب دارت رحاها لأكثر من شهر بين مقلي وأديس أبابا.

زيارة رئيس الوزراء الاثيوبي لعاصمة إقليم تيجراي واجتماعه مع قادة الجيش النظامي، في القاعة المذكورة أعلاه، التي ظلت تستضيف مؤتمرات قيادة حزب تيجراي، دالة جدًّا. لكن هل انتهت الحرب فعلا؟

نهاية المعارك العسكرية، لا يعني بالضرورة نهاية الحرب بأي حال، حتى لو سيطرت القوات النظامية على المدن والقرى التي تشكل خارطة الاقليم الشمالي، خاصة وأن “جبهة تحرير تيجراي” –تاريخيًّا- مفطومة على “حرب العصابات” الطويلة، ضد الأنظمة المركزية المتعاقبة في أديس أبابا.

بدأت الموجة الأولى لهذه الجبهة في أربعينات القرن الماضي، باسم الوياني (تعني الطليعي) في عهد الإمبراطور هيلي سلاسي، الذي اعتقد بدوره أن “الحسم العسكري” كفيل بإنهاء  القضية، وقد عمل على تصفية المقاومة بالآلة العسكرية، إلا أنها عادت مرة أخرى بعد 3 عقود من الزمن، بنحو أكثر تنظيمًا وقوة، سواء أكان على المستوى العسكري أم على مستوى تحالفاتها الإقليمية، خاصة مع الثورة الإريترية، لتطيح بنظام العقيد منجستو هيلي ماريام، بعد عقد ونيف من حروب الاستنزاف المريرة، وتتربع على كرسي السلطة 3 عقود تالية (1991- 2018)!

ابي احمد لدى وصوله لعاصمة إقليم التجراي لأول مرة

العودة للمربع الأول

لم تعرف إثيوبيا في تاريخها الحديث، مبدأ تداول السلطة سلميًّا، فقد ظلت أمهرة وتيجراي تتداولان السلطة إما عبر ضغط التحالفات الخارجية، وإما نتيجة انقلابات عسكرية، أو ثورات مسلحة، إلى أن جاء الحراك الأورومي الأخير (2015/ 2018) ليمثل أول عملية تحول سلمي للسلطة، قبل أن تعود الساحة من جديد للنزاع العسكري، الذي تفجر في تيجراي نتيجة أزمة سياسية تتعلق بالأساس بتناقض الإرادات حول نموذج الحكم المراد بناؤه، واستحقاقات المرحلة الانتقالية، فضلاً عن التحالفات الإثنية المترتبة على إعادة توزيع السلطة والثروة.

ولأن لعنة “العنف” مترسبة بوضوح في قصر “آرت كيلو”، فإن الحاكم الجديد، الذي أتى محمولاً على كف التطلعات الديمقراطية، والحائز على جائزة نوبل للسلام، لم ينجح في تجاوز ذهنية “اللعنة”، ومضى في ارتهان إغراءات السلطة من جهة، واستفزازات غرمائه في مقلي من الجهة الأخرى، ليقرر إنهاء السلطة المحلية في إقليمي تيجراي، الذي أجرى انتخابات أحادية، على نحو يناقض بنود الدستور الفيدرالي الإثيوبي، ليستغل تلك الثغرة، بجانب توفير أبناء تيجراي أنفسهم للشروط الموضوعية للمواجهة، من خلال هجومهم على الجيش الشمالي والاستيلاء على عتاده العسكري الثقيل، وبذلك عادت البلاد الى “المربع الأول”، وسياسة الأقوى في القصر، والأضعف نحو خنادق الثورة المسلحة، إلى حين توافر القوة الكفيلة بإيصاله إلى السلطة.

قائمة المطلوبين من قيادات جبهة التجراي

هل حققت العمليات أهدافها؟

وبعيدًا عن سير العمليات العسكرية على الأرض، السؤال المركزي هو: هل حققت هذه العمليات التي سميت بـ”إنفاذ القانون”، هدفها الرئيس المتمثل في تسليم المتهمين للمحاكمة؟

حتى اللحظة لم يتحقق هذا الهدف، فقائمة الـ97 متهمًا المطلوبين للعدالة، لا تزال تراوح مكانها، رغم السيطرة عسكريًّا على الإقليم. ولا يزال جميع المتهمين في حالة فرار، باستثناء شخصين قيل إنهما سلما نفسيهما طوعًا لقوات النظام.

وبالتالي فإن الهدف المعلن للعمليات لم يتحقق، لكن النظام احتفل بتحقيق هدفه الذي لم يعد سِريًّا، المتمثل في إقصاء جبهة تحرير تيجراي من الحكومة الفيدرالية للإقليم، وإنهاء وجودها المادي، وسيطرتها السياسية على مقدرات الإقليم، وتنصيب حكومة بديلة لفترة انتقالية مؤقتة. ويشي الاحتفال الرسمي الصاخب في مقلي، بمشاركة القوات النظامية، وبعض المحسوبين على حزب الازدهار الحاكم، بأن الأهداف غير المعلنة هي التي ظلت تمثل القضية المركزية للمواجهة العسكرية، وتبقى الأهداف المعلنة مجرد مسوِّغ سياسي وقانوني للعمليات المسلحة.

خارطة تيجراي

خيارات تيجراي.. وتدابير أديس أبابا

لم يعد لقيادة تيجراي خيار سوى العودة لسيرتها الأولى، كحركة مسلحة تحمل أجندة ذات طابع قومي، وتسعى إما إلى تحقيق الانفصال وإعلان دولة مستقلة، وإما إلى العودة لحكم إثيوبيا ككل، وفي كلتا الحالتين يبقى خيار “حرب العصابات” وسيلتها للمواجهة مع الدولة المركزية. ويبدو أن هذا الخيار لم يسقط يومًا من الأجندة الداخلية للجبهة، فقد ظلت تعمل طوال فترة حكمها على الاحتفاظ بجيش جرار يسمى “قوات خاصة” لا يتبع وزارة الدفاع، فضلاً عن ميليشيات إثنية يجري تسليحها وقت الضرورة، وقد لاحت لحظة “الضرورة” تلك منذ فقدان الجبهة لكرسي الحكم في أديس أبابا، حيث ظلت تستغل كل المناسبات الوطنية والقومية لإظهار تأهبها، عبر استعراضات عسكرية لم تخل من استفزاز المركز.

لكنّ ثمة أمورًا لم ينتبه لها الحرس القديم بقدر كافِ، وهي المتعلقة بتحالفات آبي أحمد الجديدة، سواء أكانت على المستوى المحلي أم الإقليمي، فضلاً عن التطورات التي ظلت على نار هادئة داخل الثكنات العسكرية، على مستوى نوع التسليح أو العقيدة العسكرية للجيش النظامي. عامان من العمل الجاد والممنهج كانا كفيلين بإعادة تنظيم المؤسسة بنحو حديث، خاصة بعد عملية الاغتيال الغامض التي تعرض لها قائد الأركان السابق الجنرال سمري سعري (وهو من تيجراي) فضلاً عن إعادة تأهيل مؤسسة الاستخبارات العسكرية بما يتناسب مع تحديات النظام الجديد، باستبعاد معظم القيادات العليا المحسوبة على التيجراي، واستدعاء قيادات سابقة محسوبة على نظام منجستوا، للعمل كخبراء ومستشارين في جهازي الجيش والاستخبارات. تلك العوامل كلها ساهمت بوضوح في خلق واقع جديد، داخل المؤسسة العسكرية، الأمر الذي لم تضعه إستراتيجية تيجراي العسكرية في الاعتبار، فبدا ان إدراكها للقدرات العسكرية في المركز يفتقر إلى الدقة والموضوعية.

لوحة تعبر عن ارتباط التجراويين بفكرة التابوت المقدس

فواتير النصر والهزيمة

لا شك أن المركز قد كسب المعركة، إلا أن فواتير المعارك المتبقية قد تبدو أكثر كلفة، على المستويين الأمني والعسكري لمواجهة “حرب العصابات”، وعلى المستويين الاقتصادي والاجتماعي، فمن الواضح أن إعادة بناء ما دمرته الحرب من البنى التحتية والمرافق العامة وغيرها، أكثر كلفة من أن تتحمله دولة تعاني اقتصاديًّا من مشكلات بنيوية، وتقع تحت طائلة تهديدات بحجب المعونات الأوروبية والأمريكية المقدمة لدعم الميزانية العامة، فضلاً عن التداعيات السياسية والاجتماعية لهذه الحرب، من فقدان الشرعية القانونية والسياسية، علاوة على حالات النزوح الداخلي والخارجي كأحد تبديات الحرب الأكثر قسوة على المستوى الاجتماعي.

كل ذلك سيمثل تركة ثقيلة أمام المركز المُقبل على انتخابات تشريعية، والمزمع إجراؤها في العام المقبل.

فواتير قيادة الجبهة لا تقل قسوة من غرمائها في أديس ابابا، فبعد أن تصمت أصوات المدافع، ولو نسبيًّا، ستبدأ عملية جرد الخسائر، والهزيمة كما يقول المثل الفرنسي “يتيمة ولن تجد من يتبناها”. من المحتمل أن تحدث تصفيات قاسية في أوساط القيادات المتسببة في الهزيمة، وفي ضياع مكتسبات 4 عقود من النضال، خاصة وأن “الدعاية الرسمية” للجبهة ظلت تهدد وتتوعد بقبر القوات النظامية في أرض تيجراي، والصمود إلى آخر رصاصة، لحماية الشعب، مشيرة إلى أنها سوف تستعيد أمجاد معركة “عدوة” التاريخية ضد الاستعمار الإيطالي.

لكن قيادات الجبهة انسحبت في 3 أسابيع من معظم مدن وقرى تيجراي.

وحدة من القوات النظامي عند تحرير مقلي

ماذا بعد الحرب؟

لعل كثيرين يعتقدون أن انتهاء حكم جبهة تيجراي في الإقليم، سوف يهيئ الأرضية لبروز تيارات سياسية جديدة، أو حتى القبول بالحكومة المؤقتة التي عينتها أديس أبابا لإدارة الإقليم، لكن ذلك يتناقض مع الواقع التاريخي في تيجراي، فكما أشرنا في البدء، لم تُنهِ تصفية الحركة الطليعية، في أربيعينات القرن الماضي، وجودها في أذهان ووجدان أبناء تيجراي، ما ساهم في إعادة بعثها في منتصف السبعينات بشكل جديد، وهو ذات السيناريو الذي ينبغي توقعه في الحالة الراهنة، خاصة وأن الجبهة صار لها ماضٍ نضالي طويل، وتجربة حكم امتدت 3 عقود، رسخت فيها حضورها المحلي وارتباطاتها الإقليمية والدولية.

كما أن الحكومة المؤقتة لإدارة الحكم الانتقالي في الإقليم، لا تحظى بالتأييد الشعبي اللازم، وليست لديها تجارب نضالية راسخة في ذاكرة شعب تيجراي، كما هي الحال بالنسبة إلى الجبهة، فضلاً عن أنها تفتقر إلى الشرعية باعتبارها غير منتخبة.

والواقع أن هذه التحديات -بالإضافة إلى استحقاقات ما بعد الحرب من إعادة البناء والتعمير وإعادة توطين النازحين وتوفير الحاجات الأساسية للمواطن- سوف تثقل كاهل هذه الإدارة المؤقتة التي شكلتها أديس أبابا على عجل لسد فراغ السلطة، دون استشارة أبناء تيجراي!

 

محمود أبوبكر

كاتب أريتري مهتم بالشأن الثقافي والسياسي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى