آلام “مريم”.. عذراء كردية اغتصبها “الذئاب المجتمعة”

بين قدرين أو بالأحرى نارين عاش أهالي شمال سوريا أياماً عصيبة جراء العدوان التركي الذى عُرف بـ«عملية نبع السلام» العسكرية التي أطلقتها تركيا والميلشيات الإرهابية المسلحة الموالية لها لغزو مناطق خاضعة لسيطرة قوات «سوريا الديمقراطية» ذات الغالبية الكردية في أكتوبر 2019. فما كاد العدوان يهدأ على مناطق الشمال السوري وتبدأ عودة العائلات الكردية والعربية إلى بلدانها، حتى وجد الأهالي أنفسهم في مواجهة الميلشيات الإرهابية وفي مرمى خسة وحقارة عناصرها.

الحديث هنا، ليس عن جرائم حرب وثقتها المنظمات الدولية فحسب، بل يتجاوز ذلك إلى تسجيل جرائم ضد الإنسانية، ونكشف هنا عن جانب منها من خلال مأساة الفتاة «مريم» الكردية التي خصت «ذات مصر» بالحديث عنها، حيث روت الفتاة وقائع مروعة عن عمليات خطف واغتصاب على يد «الذئاب الإرهابية المجتمعة» التي تناوبت على اغتصابها بعد خطفها هي وآخريات لمدة أسبوع كامل.

 

“نبع السلام”.. تشريد وتهجير للمدنيين

بمنديل لا تزيد ألوانه عن الأبيض والأسود، أخفت ملامح وجهها الطفولية، وهي تتحدث إلينا، واكتفت بالاسم الأول فقط «مريم» وهى تعرف نفسها لنا، فقد عاشت الفتاة التي لم تتجاوز 17 عاماً أسابيع من الصدمة والرعب كانت كفيلة بتدمير نفسيتها وفقدانها الثقة في كل شئ، وبعد محاولات عديدة لطمأنتها تجاه الحديث معنا، بدأت تروي الحكاية من أولها، منذ كانت فتاة عذراء تعيش مع أهلها حياة هادئة وآمنة نسبياً في مدينة سري كانية أو «رأس العين»، حتى وقع العدوان التركي وبدأت عملية «نبع السلام» واجتاحت القوات التركية الحدود السورية لقتال الأكراد، ما أجبر المدنيين ومنهم أسرتها على الفرار بعيدا عن آلة الموت التي كانت تحصد الأرواح بلا هوادة.

خرجت «مريم» وأسرتها مع جموع الفارين من الموت إلى مدينة الحسكة، هرباً من قصف المقاتلات الحربية التركية شمال سوريا حتى وصلت إلى حارتها في حي «المحطة»، لكن والدها ظل متواصلا مع جارهم العربي الذى لم يغادر المدينة آنذاك، وبعد أيام طمأنه بأن الوضع أصبح هادئا وأن الفصائل المسلحة الموالية لتركيا تسمح للأهالي بالعودة إلى بيوتهم وأنهم وعدوهم بألا يلحقوا الأذى بأحد. وقتها قرر والد مريم أن يعود بأسرته إلى منزله.

عادت «مريم» بصحبة أسرتها المكونة من 5 أشخاص إلى مدينتها، بعد مرورها وبعض العوائل العائدة بعدة حواجز أمنية أقامتها فصائل سورية مسلحة في مدخل رأس العين وفي وسطها، وقالت: «دورية لواء المجد أصرت على توصيلنا لمنزلنا في حي المحطة وبعد أن تفقدنا البيت لم نجد فيه حتى قصاصة ورق».

 

مأساة خطف واغتصاب “مريم” وشقيقتها

ما ترويه «مريم» من مشاهد للدمار الذى حل بمنزلها ومدينتها يتقاطع مع تقارير منظمة العفو الدولية عن آثار العدوان التركي، التي أثبتت أن القوات التركية والمجموعات المسلحة المدعومة منها أبدت تجاهلًا مخزيًا للحياة المدنية وارتكبت انتهاكات جسيمة وجرائم حرب، بما في ذلك القتل المتعمّد والهجمات غير القانونية التي أدّت لقتل وجرح المدنيين.

لكن ما لم ترصده المنظمات الأممية والدولية في تقاريرها ـ حتى اليوم ـ ترويه مريم هُنا .. فبعد ساعة واحدة ونصف الساعة فقط من عودة أسرتها إلى منزلها في رأس العين، فوجئوا بدورية عسكرية تابعة للواء المجد المُسلح الذى يعد أحد مكونات ما يُعرف بـ«الجيش السوري الحر »المدعوم من تركيا يقتحمون المنزل. فماذا كانوا يريدون!

«بعد دخولنا البيت بحوالي ساعة ونصف وتحت تهديد السلاح أجبروني وشقيقتي راضية البالغة من العمر 27 عاما على الخروج معهم، ووجهوا فوهات بنادقهم إلى صدر والدي وشقيقي الصغير ذي العشر سنوات وتوعدوهما بالذبح حال اعتراضهما على اختطافنا».

إلى منزل لم تتمكن «مريم» أو شقيقتها من تحديد موقعه إن كان داخل المدينة أو خارجها، اقتادهما المسلحون بعد تكميم الأفواه وعصب العيون وتكبيل الأيدي، وداخل السيارة استمعت الفتاتين إلى أنين شابة ثالثة معهما: «حجزونا نحن الثلاثة داخل غرفة كبيرة وبعد ساعات فتح الباب ودخل 10 مسلحين إرهابيين يرتدون ملابس عسكرية ولحاهم وشعورهم طويلة وعلى أكتافهم علم تركيا واثنين منهما كانا يضعا على كتفيهما راية تنظيم داعش السوداء إلى جوار علم تركيا».

الهيئة التي بدا عليها إرهابيي «لواء المجد» كذئاب مجتمعة حول فريستها، ونظراتهم الحادة التي تفحصت أجساد الفتيات الثلاثة بشهوانية كانت كفيلة بإفهامهن مغزى اختطافهن من بين أُسرهن والزج بهن في ذلك المنزل المهجور، وأدركن سريعاً أنهن رهن الافتراس والاعتداء الجنسي على يد هؤلاء الإرهابيين الهمجيين. «طلبنا منهم أن يقتلونا فالموت أهون من الاغتصاب، لكن بعضهم رد علينا وهو يقهقه بأنهم لا يقتلون النساء بل يغتصبونهن». ثم بدأ الهجوم الوحشي على الفتيات الواهنات «ربط المسلحون أرجلنا وأيدينا نحن الثلاثة في الأرض وتناوبوا على اغتصابنا بعنف وكلما فقدت إحدانا وعيها، كانوا يضربوننا بوحشية لنبقى يقظين أثناء اغتصابنا».

طوال 7 أيام تعرضت الضحايا الثلاثة لاغتصاب جماعي على يد ذئاب «لواء المجد»، الذين يتفاخرون برفع راياتهم على أجساد نساء ضعيفات دون أدنى رحمة بعذريتهن ولا إنسانيتهن.

وبعد أسبوع لم يكف خلاله المسلحون عن اغتصاب الفتيات الثلاث، رموا «مريم» وشقيقتها «راضية» على عتبة منزلهما في رأس العين وهما في حالة صحية متدهورة، وعلى الفور توجهت الأسرة بهما إلى المشفى الوطني في مدينة «الحسكة» لإسعافهما، فأجبرهما الأطباء على البقاء في المشفى لحين إكمال علاجهما. وبعد أيام قليلة من تلقى العلاج عادت الفتاتين إلى المنزل، لكنهما لا زالتا تحت تأثير الصدمة النفسية وزاد قلق الأسرة عليهما بعد محاولة «مريم» الانتحار. فيما لم تعرف الفتاتين مصير الضحية الثالثة التي كانت برفقتهما في الأسر.

 

تتذكر «مريم» هذه اللحظات ويتردد على لسانها عبارات تكشف حجم المأساة التي تعرضت لها «عشت كوابيس مرعبة في الصحو وفي المنام ولا زلت أعاني من آثارها حتى اليوم».

الصمت يُبقى حالات الاغتصاب طى الكتمان:

مأساة مريم وشقيقتها والفتاة الثالثة المغتصبة معهما، تتكرر في مخيمات وملاجئ مؤقتة عديدة انتشرت خلال الأشهر الماضية لكن العائلات تتكتم عليها، حسبما تقول الصحفية والناشطة المدنية «رنا الأحمدي» التي لم تأذن أخذ صورة لها وقالت لـ «ذات مصر»: «تجولنا بين مراكز الإيواء ومخيمات النزوح ووثقنا 4 حالات اغتصاب بينهم سيدة كانت «حامل» عدن مع عوائلهن إلى كري سبي «تل أبيض» وسري كانية «رأس العين» وتعرضهن للاغتصاب الوحشي بعد خطفهن في مراكز أمنية التابعة للفصائل الإرهابية، لاسيما «لواء المجد» و«أحرار الشرقية» حسب شهادة الضحايا .

آرم حسن

 

معاناة المغتصبَات من الرغبة في الانتحار:

يصعب مقاضاة الجناة بالاغتصاب أثناء الحروب، ما يضغط على الحالة النفسية للمغتصبات ويعقِّد علاجهن. ويحذر «آرام حسن» الطبيب النفسي واستشاري علاج صدمات نفسية ومدير مركز وأكاديمية «كوتيم» في هولندا من آثار الاغتصاب على صحة المرأة الجسدية والنفسية لما يشكله من تدمير كامل للنفس و الجسد، وقد تعاني من الخوف والقلق والتبول اللاإرادي والتقيؤ والاضطرابات المعوية. ويشير الاختصاصي النفسي إلى أن المغتصبة تفقد الثقة بنفسها وبمن حولها وقدرتها على المواجهة، فربما تكون قد تعرضت لتكميم فمها وتقييد أطرافها وتهديدها بسلاح ما يصيبها بتهتكات وشروخاً نفسية هائلة فضلا عن وصمة عار تلاحقها في مجتمع يحمّل الضحية جانبا من المسؤولية، ما يسيء لحالتها النفسية فتظل مشوشة ومذهولة وخائفة ويساورها شعور بالخجل والعار والإهانة والقلق وتفقد الشعور بالأمان وينتابها موجات غضب ونوبات بكاء تدفعها أحيانا إلى الانتحار.

فصيل «لواء المجد الإرهابي»:

انتشرت مقاطع فيديو لعناصر من فصيل «لواء المجد» التابع لما يُعرف بـ «الجيش السوري الحر» أو «الجيش الوطني السوري» المدعوم من تركيا أثناء اعتقالهم مقاتلة كردية جريحة تسمى «جيجك كوباني» ويظهر الفيديو قائد الفصيل «ياسر عبد الرحيم» أمام «جيجك» وهي محاطة بعناصر فصيله الذين يتوعدون المقاتلة بالقتل ويشتمونها بعبارات بذيئة.

 

وفي 23 أكتوبر الماضي ظهر مقطع فيديو آخر لمسلحي «لواء المجد» يمثلون بجثمان مقاتلة من وحدات حماية المرأة الكردية تدعى «آمارا ريناس».

وحسب تقارير صحفية فإن «ياسر عبد الرحيم» كان قائداً سابقاً لـ«فيلق الشام» وغرفة عمليات حلب وارتبط اسمه بجريمة ذبح طفل فلسطيني في حلب والتنكيل بجثث مقاتلي قوات «سوريا الديمقراطية» ذات الغالبية الكردية.

الاغتصاب أشد من القتل:

تعنيف النساء جنسياً في الصراعات يستخدم منذ القدم وحتى يومنا هذا كسلاح حرب ويصفه الكاتب السوري «محمد يوسف» في دراسته «الاغتصاب سلاح في الحروب» بـ «الأسلحة الصامتة» التي تحول ضحاياها إلى مُهمشين في المجتمع.

ويندد الكاتب السوري بتجاهل المجتمعات وتعاملها مع حوادث الاغتصاب على أنها عار يلتصق بالضحايا أكثر من الجناة فتغض الطرف عنه، وهو ما يصعب أثناء الحروب والصراعات عملية توثيق حالات التعنيف الجسدي، ويصف الكاتب محمد يوسف الاغتصاب بأنه سلاح أشد من القتل بقنبلة أو رصاصة، ويقول: «بالرصاصة تُميت، لكن إذا تعرضت فتاة أو سيدة للاغتصاب، فإنها تعيش كشخص ملعون غير قادرة على التماسك النفسي ولا يتحدث إليها أحد ولا يراها أحد. إنه موت حى».

 

الاغتصاب جريمة محرمة دوليا:

وُضعت قوانين دوليّة لتجريم الاغتصاب، فقد صادقت 60 دولة في يوليو 2002 على تشريع روما الذي يعتبر أول وثيقة تعترف بكافة أشكال التعنيف الجنسي والاغتصاب وقت الحروب والنزاعات المسلحة كجريمة حرب، وإبادة جماعية جريمة ضد الإنسانية، لكن إفلات المجرمين وعدم محاسبتهم تحول دون إنهاء تلك الجرائم الوحشيّة.

ورغم التحذيرات الدولية المطالبة بإيقاف العملية العسكرية التركية شمال شرق سوريا، تواصل الهجوم التركي على المناطق الكردية وسط ارتفاع حصيلة القتلى ونزوح 350 ألف شخص بحسب تقديرات الإدارة الذاتية الديمقراطية. وحذرت منظمة «هيومن رايتس ووتش» في تقرير نشرته على موقعها الإلكتروني من تورط تركيا وحلفائها من المجموعات السورية المسلحة في عمليات قتل غير قانونية واعتقالات تعسفية واغتصابات وتهجير غير مشروع شمال شرق سوريا ودعت المجتمع الدولي لاتخاذ إجراءات فورية لوقف الانتهاكات.

بمشاركة

جرافيك ورسوم

أحمد بيكا

فيديوجرافيك

طه حسين

قصــة

لامار أركندي

صحفية كردية سورية

There are no reviews yet.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *



Start typing and press Enter to search

Visit Us On FacebookVisit Us On TwitterVisit Us On Instagram