سياسةمختارات

آلان جريش: المهاجرون كبش فداء لفشل نيوليبرالية أوروبا

 

  • مصدر أزمة المهاجرين أن الأحزاب الفرنسية توظفها لمصالحها بدلاً من البحث في جذورها
  • المشكلة المركزية الأوروبية “اجتماعية”.. وخطاب الليبراليين في قضية المهاجرين مزيف
  • أوروبا في كارثة حقيقية؛ اقتصاديًّا واجتماعيًّا وسياسيًّا لكنها ستصمد لعشرات السنين
  • المهاجرون العرب يريدون أن يبقوا مسلمين بارتداء الحجاب والذهاب إلى المسجد.. وهذه مشكلة
  • في فرنسا لا توجد لوبيات إسلامية لأنها تجمعات موجهة كما أنهم لا يملكون تاريخًا موحدًا
  • اﻗﺘﺮاﺡ ﺇﻋﺪﺍﺩ ﻗﺎﻧﻮﻥ ﻳﻌﺘﻤﺪ ﻓﻲ ﺗﺸﺮﻳﻌﺎﺗﻪ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﻘﺮآﻥ ﻛﻤﺼﺪﺭ ﺗﺸﺮﻳﻊ مرفوض ويخلق توترًا أكبر داخل فرنسا

قبل يومين تعرّض معلم بمدرسة إعدادية بإحدى ضواحي العاصمة باريس، للذبح على يد مهاجر مسلم في فرنسا، بعد عرضه رسومًا مسيئة للنبي محمد (ص) على تلامذته. ووصف الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الحادث بأنه هجوم إرهابي “إسلامي”، وأن الأمة بكاملها مستعدة للدفاع عن المدرسين، وأن الظلامية لن تنتصر.

قبل هذه الحادثة بشهر ونصف تقريبًا كان الرئيس الفرنسي يعرض إستراتيجيته ضد “الإسلام السياسي”، والتي ذكر أن هدفها هو ترسيخ قيم العلمانية في التعليم والحياة العامة وتمديد حظر الحجاب إلى القطاع الخاص، معلنًا أن فرنسا عليها التصدي للانعزالية الإسلامية الساعية لإقامة نظام موازٍ ينكرون فيه الجمهورية، معتبرًا الإسلام “ديانة تعيش في أزمة”.

ولأن كل التطورات التي انتهت بذلك الفصل الدموي المتعلق بالمعلم الذي قُتل على يد مهاجر شيشاني، لها جذور ممتدة في الثقافة والاجتماع الفرنسي، قرر “ذات مصر” إجراء حوار مع الصحفي والمفكر الفرنسي آلان جريش، رئيس التحرير السابق لجريدة “لوموند ديبلوماتيك” ورئيس تحرير موقع “أوريان 21” الحالي، ومؤلف كتاب “الإسلام والجمهورية والعالم” (ترجمة جلال بدلة، دار الساقي، بيروت، الطبعة الأولى، 2016) الذي طرح خلاله إشكاليات تاريخية استحوذت على اهتمام الإنتلجنسيا الفرنسية ودوائر القرار السياسي والإعلام هناك.

ناقشنا جريش خلال هذا الحوار المتشعب، في إشكالية الهجرة وأوضاع المهاجرين وتنامي التيار الشعبوي والخطاب المحافظ، والأسباب الاقتصادية والاجتماعية لذلك التنامي، وجذور الانغلاق الأوروبي منذ القرن التاسع عشر، متطرقين إلى مقارنات بين أوضاع المهاجرين المسلمين في فرنسا وبريطانيا وألمانيا وسويسرا وغيرها من البلدان، مع تسليط الضوء على التمايز بين المهاجرين العرب من جهة والمهاجرين المسلمين من قوميات من جهة أخرى.. وإلى نص الحوار:

مسلمات من أصول مختلفة في فرنسا – أرشيفية
  • لماذا ينتشر رهاب الأجانب بهذه الوتيرة المتسارعة في أوروبا؟ وهل ساهم ﺍلاﻧﻔﺘﺎﺡ ﺍلاﺟﺘﻤﺎﻋﻲ في جعل ﻣﺠﻤﻮﻋﺔ ﺃﻛﺒﺮ ﻣﻦ ﺍﻟﻨﺎﺱ ﺗﺆﻳﺪ ﺩﻋﺎﻭﻯ ﺍلاﻧﻐﻼﻕ ﻭﺭﻓﺾ ﺍﻟﻐﺮﻳﺐ؟ وهل هناك استغلال سياسي لوجود المهاجرين؟

    رهاب الأجانب بأوروبا يرتبط على نحو ما بالعولمة. هذه الحقيقة ليست وليدة اليوم، فمنذ القرن التاسع عشر شهدت فرنسا حركات هجرة، لكن الأمر يتعلق بالمواطنين أنفسهم وطبيعة تعاملاتهم.

    يمكننا القول بأنه طوال القرن العشرين لم يُسمح للأوروبيين بالخروج من دولهم، بذلك فإنه حاليًّا، ومع الانفتاح النيوليبرالي؛ تشعر فئة ليست بقليلة من المواطنين بأنها غير آمنة، وأعتقد أن جزء من ذلك يعود سببه إلى دفع العديد من القيادات والرموز السياسية المواطنين في اتجاه أن الأزمات والمشكلات الحالية التي تعيشها أوروبا سببها المهاجرون، لكن الأزمة تكمن في ماهية دور الدولة الحالي الذي يدور حول سؤال: كيف تمكن حماية المواطنين؟

    نسبة المهاجرين لم تزد إن قارناها بنسبة الكثافة السكانية العالمية في السنين الماضية (قبل انتشار ظاهرة رهاب الأجانب) لم تتغير لا بأوروبا ولا بفرنسا. لكن الواضح أنه ليس فقط اليمين الفاشي بل أيضًا أحزاب سياسية يسارية تلعب على تلك النقطة، لتقديم المهاجرين ككبش فداء للأزمة الاجتماعية الحقيقية، لأنه إن لم يحدث إلهاء للمواطنين  فسيبدؤون في السؤال عن الإصلاح الاجتماعي.

    إن حركة “السترات الصفراء” مؤثرة للغاية، لأنها جعلت الناس يوقنون ما هي القضايا المحورية التي تستحق أن توضع على طاولة نقاش.

مليشيات “الدفاع الذاتي” اليمينية في أوروبا – أرشيفية

 

  • في ظل هذه الأجواء التي تتحدث عنها، هل ستتحول العناصر المتشددة الإسلامية إلى رمز للمقاومة؟ وهل توجد احتمالية لتأسيس جماعات مسلحة يمينية في إيطاليا أو اليونان أو في الدول التي تعاني من أزمات اقتصادية وحالة عدم استقرار؟

    بخصوص الجزء الأخير من سؤالك، لا أرى أية احتمالية لتأسيس جماعات مسلحة في إيطاليا أو اليونان، هنالك العديد من الجرائم لكن حتى الآن لم يتطور الأمر إلى ميليشيات. الحكومة اليمينية المتطرفة في هنجاريا على سبيل المثال تدعو إلى فكرة دفاع ذاتي عن النفس بالمدن، وغير ذلك من الاقتراحات. وهذا قد يؤدي إلى ردة فعل، أعتقد أنه واضح تمامًا أن جزءًا من جاذبية الجماعات الراديكالية الإسلامية بأوروبا، يمكن أن يرتبط بالوضع الحالي، ليس فقط الوضع الأوروبي الداخلي بل الوضع العالمي.

    وبالنسبة إلى الجزء الأول من السؤال، حينما تكون كل ردود أفعال الحكومة العدائية موجهة ناحية الأقليات المسلمة في فرنسا وأوروبا، فإن أقلية صغيرة جدًّا يمكن أن تكون رمزًا للمقاومة عن طريق هجمات إرهابية كالتي رأيناها في فرنسا في 2015 والتي أخذت شكل جماعات صغيرة من أفراد معدودين.

  • ﻫﻞ ﺗرى تنميطًا ﺳﻠﺒﻴًّﺎ لسلوكيات ﺍﻟﻤﻬﺎﺟﺮﻳﻦ ﺍﻟﻤﺴﻠﻤﻴﻦ، ﺃﻡ ﺃﻥ هذا ﺘﻌﻤﻴﻢ ﻭﺍﻗﻌﻲ ﻭﺣﻘﻴﻘﻲ نظرًا إلى الاﺧﺘﻼﻑ ﺑﻴﻦ ﺍﻟﺜﻘﺎﻓﺔ ﺍﻷﻭﺭﻭﺑﻴﺔ ﻭﺍﻟﻌﺮﺑﻴﺔ ﻭﺍﻟﺬﻱ ﻳﺆﺩﻱ ﺇﻟﻰ صعوبةٍ ما في التواصل؟

    دائمًا ما مثلت الهجرة مشكلة لأوروبا، إن أخذنا فرنسا كنموذج، منذ القرن التاسع عشر كان هناك مهاجرون من بلجيكا ثم من إيطاليا ثم من إسبانيا ثم من أوروبا الشرقية ووسط أوروبا مرورًا بالبرتغال، وكل هؤلاء الوافدين أحدثوا أزمات للدولة.

    كان في المجتمع توتر كبير، ومورست أفعال عنصرية عدة تجاههم، وكل أفراد الجماعات من المهاجرين حاليًّا هم فرنسيون تمامًا، ورغم أسمائهم الإيطالية أو الإسبانية يعتبرون أنفسهم جزءًا من الثقافة الفرنسية.

    والآن لدينا نفس المشكلة مع المهاجرين العرب، ولا أعتقد أن السبب هو اختلاف الثقافات: أعني هنالك اختلافان يمكننا بهما المقارنة بين وضع المهاجرين الإسبان وغيرهم من حقبات الهجرة ووضع العرب.

    أولاً التوظيف، فحقبات الهجرة الماضية كانت تجد وظائف في مصانع كبيرة، حين كانت توجد حاجة إلى استخراج الموارد المعدنية المختلفة من المناجم، وكانت لديك مئات الآلآف من المهاجرين الذين تحتاج إليهم للعمل في ذلك المجال، ومن خلال تلك الوظائف كان من الأسهل للمهاجرين الاختلاط بالفرنسيين وأن يصبحوا جزءًا من المجتمع.

    اليوم لدينا أزمة بطالة، وحين تتوافر وظائف لمهاجرين فإنها تكون صغيرة للغاية مثل عامل بماكدونالدز؛ وهي وظيفة من الصعب للغاية الاندماج من خلالها (فكرة تركيبة المهنة نفسها والتي تجعل هنالك فروق في التعامل بين المستهلك الفرنسي والعامل المهاجر).

    البعد الثاني يتعلق بأصل هؤلاء المهاجرين القادمين من دول شمال إفريقيا أو جنوبها، ولذلك فهنالك عنصرية مؤصلة تاريخيًّا لا يمكن انتزاعها بسهولة. لكن الجانب الإيجابي في تلك العلاقة الاستعمارية هو أن 80 إلى 90 بالمئة من المهاجرين منها يتحدثون الفرنسية (لغتهم الأم) ويستمعون إلى نفس الموسيقى، ويقرؤون نفس الكتب.

    لذلك ومع سرد كل تلك العوامل فإن الأزمة مصدرها الأساسي هو توظيف الأحزاب السياسية لمصلحتهم بدلاً من التعامل مع الأزمة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية بفرنسا.

مسلمون في بريطانيا – أرشيفية

ﻛﻴﻒ ﺗرى ﺍﻟﺘﺄﺛﻴﺮ ﺍلاﺟﺘﻤﺎﻋﻲ ﻟﻠﻮﺍﻓﺪﻳﻦ ﺍﻟﺠﺪﺩ ﻣﻦ ﺍﻟﻤﻬﺎﺟﺮﻳﻦ؟ ﻭﻫﻞ ﺗﺘﻮﻗﻊ ﺃﻥ ﻳﺼﻞ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﺘﺄﺛﻴﺮ ﺍﻟﺬﻱ ﺗﺮﻛﻪ ﺍﻟﻤﻬﺎﺟﺮوﻦ ﺍﻟﻘﺎﺩﻣوﻦ ﻣﻦ ﺍﻟﻜﺎﺭﻳﺒﻲ ﻭإﻓﺮﻳﻘﻴﺎ ﺇﻟﻰ ﺑﺮﻳﻄﺎﻧﻴﺎ ﻭﺍﻟﺬﻱ ﻛﺎﻥ ﺳﺒﺒﺎً ﺟﻮﻫﺮﻳﺎ ﻓﻲ ﻗﺮﺍﺭ انفصال ﺑﺮﻳﻄﺎﻧﻴﺎ ﻋﻦ ﺃﻭﺭﻭﺑﺎ، ﺣﻴﺚ فضل ﺍﻟﺒﺮﻳﻄﺎﻧﻴون ﻋﺪﻡ ﺗﺤﻤﻞ ﺃﻋﺒﺎء ﺃﻛﺒﺮ؟

– فرنسا مختلفة جدًّا عن بريطانيا، في بريطانيا خليط متماسك من الأعراق؛ هنود، باكستانيين، وهم يعيشون بالأحياء المتوسطة والفقيرة، يمكن أن يدخلوا في الانتخابات البرلمانية وهو ما لا يمكن أن يحدث بفرنسا، فهم يعيشون في جماعات شبه مغلقة.

في فرنسا الوضع مختلف، لدينا حاليًّا أحياء يقطنها العرب بالكامل لكنهم مع ذلك يعيشون ضمن المجتمع بنفس نمط حياة الجميع، الأمر ليس بنفس تنظيم المهاجرين في بريطانيا من الأفارقة والهنود.

– ﺑﺨﺼﻮﺹ ﺍلاﻧﻌﺰﺍﻝ ﺍﻟﺜﻘﺎﻓﻲ ﻟﻠﻤﻬﺎﺟﺮﻳﻦ ﺍﻟﻤﺴﻠﻤﻴﻦ ﺑﺒﺮﻳﻄﺎﻧﻴﺎ، اﻗﺘﺮﺡ ﻗﺲ ﺑﻤﺪﻳﻨﺔ ﻛﺎﻧﺘﺮﺑﺮﻱ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﺒﺮﻟﻤﺎﻥ ﺇﻋﺪﺍﺩ ﻗﺎﻧﻮﻥ ﻣﻮﺍﺯٍ ﻳﻌﺘﻤﺪ ﻓﻲ ﺗﺸﺮﻳﻌﺎﺗﻪ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﻘﺮآﻥ ﻛﻤﺼﺪﺭ ﺗﺸﺮﻳﻊ، ﻓﻲ ﺭﺃﻳﻚ ﻫﻞ اﻗﺘﺮﺍﺡ ﻛﻬﺬﺍ ﺃﻭ ﺃﻱ اﻗﺘﺮﺍﺣﺎﺕ ﻣﻤﺎﺛﻠﺔ ﻫﻲ ﺍﻟﻮﺳﻴﻠﺔ ﺍﻟﻌﻤﻠﻴﺔ ﻟﺤﻞ ﺃﺯﻣﺔ ﺍﻟإﺪﻣاﺞ؟

على الإطلاق، لا يمكنني تخيل حل كهذا في فرنسا، ولا أظن أنه ممكن؛ لدينا قانون واحد ويجب على الجميع الالتزام به، وأعتقد أن ذلك القانون مقبول من جانب أي مسلم مهاجر، تمكنه الحياة بالطريقة التي يريدها حتى على الجانب الديني، لكن مثلاً يجب على المهاجر أن يتزوج أمام الدولة، قبل أن يتزوج على حسب شريعته.

لا أتخيل قبول اقتراح مثل هذا، مستحيل. ولا أظنه أمرًا إيجابيًّا؛ سنخلق توترًا أكبر بين الفرنسيين والمهاجرين.

توجد مشكلة أخرى يمكن اعتبارها تخص المهاجرن العرب وتفرقهم عن المهاجرين الآخرين الذين قدموا إلى فرنسا، وهي أن جزءًا من المهاجرين المسلمين يريدون أن يبقوا مسلمين، وأن يظهروا ذلك؛ بارتداء الحجاب، والمداومة على الذهاب إلى المسجد، كما يذهب الكاثوليك الفرنسيون إلى الكنيسة.

وأعتقد أن هذا يرتبط بقدر كبير بفكرة العولمة، لأنها تجعلهم مرتبطين أكثر بثقافاتهم وبلدانهم الأصلية، وهذا لا يجب أن يؤثر في مجتمعنا أو ثقافتنا وقيمنا.

مسلمات في سويسرا – أرشيفية

يشعر المسلمون في أوروبا بأنهم تحت المراقبة طوال الوقت، وأن رموزهم الشعائرية يطالها المنع (ﺍلأﺫﺍﻥ ﻭﺍﻟﻨﻘﺎﺏ).. هل هذه سياسة مغازلة للمزاج الشعبي؟

هناك فارق بين المآذن والنقاب، أعتقد أن حظر بناء المآذن كان قرارًا عنصريًّا للغاية، لا أعتقد أن علينا تحديد كيف تُبنى أي دار عبادة؛ هنالك قوانين لبناء دور العبادة والمباني المختلفة عمومًا.

لكن النقاب كان ممنوعًا أيضًا في فرنسا، وأظن أن هذا مرآة لما يحدث في الواقع المجتمعي: جزء من المواطنين المسلمين يشعرون أنهم موضوعون تحت المجهر، وهو حقيقي جزئيًّا. لا أعتقد أن مزيدًا من الضجة حول ذلك الأمر شيء إيجابي، خاصة في أوروبا.

لسنا في المملكة العربية السعودية كي يكون النقاب فرضًا على النساء، من ترتديه ترتديه لرغبتها الشخصية؛ 40% من المرتديات للحجاب هن متحولات جدد إلى الإسلام، وهو خيارهن، أنا لا أفضله، لكنها ليست وظيفتي كمواطن أو دولة أن أقول للناس ماذا يرتدون أو ما لا يرتدون.

ﺍﻟﺴﻴﺎﺳﺔ ﺍﻟﺪﺍﺧﻠﻴﺔ ﺍﻷﻟﻤﺎﻧﻴﺔ ﺗﺤﺎﻭﻝ ﺗﺠﻨﺐ ﺍﻷﺯﻣﺎﺕ ﺍﻟﺪﺍﺧﻠﻴﺔ ﻋﻦ ﻃﺮﻳﻖ ﺳﻴﺎﺳﺔ ﻣﺘﻮﺍﺯﻧﺔ ﻣﻊ ﺇﺑﻘﺎء ﺍﻟﺒﺎﺏ ﻣﻔﺘﻮﺣًﺎ ﻟﻠﻤﻬﺎﺟﺮﻳﻦ.. ﻫﻞ هي ﻗﺎﺩﺭﺓ ﻋﻠﻰ ﺇﺑﻌﺎﺩ ﺃﻟﻤﺎﻧﻴﺎ ﻋﻦ ﺍﻟﻔﻮﺿﻰ ﺍﻷﻭﺭﻭﺑﻴﺔ ﺍﻟﺤﺎﻟﻴﺔ؟

كما قلت من قبل فإن أحد أهم مشكلات أوروبا هو وجود اتحاد أوروبي دون وجود سياسات أوروبية موحدة، لذلك فإنه في ظل أزمة اللاجئين كانت الأمور مزعجة ومرعبة.. ألمانيا كانت الدولة الوحيدة التي استقبلت لاجئين بذلك العدد، لم تطبق الحكومات القانون الدولي  المعني باللاجئين، وقد كانت فرنسا من المصدقين عليه لكنها لم تستجب بالفاعلية المطلوبة، بريطانيا لم تكن كفرنسا وفرنسا لم تكن كألمانيا.

بالنسبة إلى ألمانيا كان جيدًا للغاية التعامل مع أزمة اللاجئين بتلك الكيفية، لاحتياج ألمانيا إلى عمال في مختلف المجالات نظرًا إلى زيادة الفجوة بين المسنين والشباب في الأعوام الأخيرة.

هل سيشارك “ﺍﻟﺸﺘﺎﺕ ﺍﻟﺸﺮﻕ ﺃﻭﺳﻄﻲ” ﺑﺄﻭﺭﻭﺑﺎ في أﻱ تغيير ﻗﺎﺩﻡ في السياسات على مستوى دولهم، وكذلك الاتحاد الأوروبي؟

حتى الآن، أعتقد أن المهاجرين يلعبون دورًا سياسيًّا أهم في بريطانيا عن فرنسا؛ الجاليات الإفريقية خاصة الشمال إفريقية منقسمة، جزء كبير منها لا يصوت في الانتخابات، هم ليسوا جماعة منظمة، لا أعلم عدد النواب من أصول عربية بالبرلمان، هم غير مؤثرين وقليلون للغاية، في بعض المدن حيث يوجد الكثير من المهاجرين، يمكنهم أن يلعبوا دورًا، لكن حاليًّا لا وجود لذلك الدور.

ﻫﻞ ﺍﻟﺨﻄﺎﺏ ﺍﻟﻠﻴﺒﺮﺍﻟﻲ، ﺍﻟﺬﻱ اﻓﺘﻘﺮ إلى ﻮﺟﻬﺔ ﻧﻈﺮ ﺗﺤﻠﻴﻠﻴﺔ ﻣﻨﻄﻘﻴﺔ، ﺃﺩﻯ ﺇﻟﻰ ﺑﺰﻭﻍ ﻧﺠﻢ ﺍﻟﺨﻄﺎﺏ ﺍﻟﻤﺤﺎﻓﻆ ﺍﻟﺬﻱ ﻣﺜﻞ -ﻋﻠﻰ ﺍﻟﺠﺎﻧﺐ ﺍلآﺧﺮ- ﻭﺟﻬﺔ ﻧﻈﺮ ﺃﻛﺜﺮ ﻭﺍﻗﻌﻴﺔ؟

نعم، أنت محق، لا تمكن معالجة الأزمة بالخطاب الليبرالي الحالي، كما قلت لك سابقًا، المشكلة المركزية الأوروبية بالنسبة إليّ هي مشكلة اجتماعية، وليست مصادفة ألا يتعرض لهذه الأزمة اليمين واليسار بأوروبا.

الخطاب الليبرالي في معظم الأحيان يكون عن حقوق الإنسان ومبدأ التكافؤ دون حتى الخوض في جذور القضيتين. هذه هي مشكلة اليسار الليبرالي، وحتى ما يطرحه من سياسات جديدة هو مضادة للواقع ويساهم في تقليل الثقة بينهم وبين الجمهور.

ما يجعل خطاب الليبراليين في قضية المهاجرين مزيفًا، ليس غياب الرؤية التحليلية، بل غياب مواكبة القضية من الأصل، وعدم فهم إشكاليات المجتمعات المصدرة للمهاجرين.

ﻫﻞ ﺗﺴﺎﻫﻢ ﺳﻴﺎﺳﺎﺕ ﺍﻷﺣﺰﺍﺏ ﺍﻟﺴﻴﺎﺳﻴﺔ المتباينة ﺣﺎﻟﻴًّﺎ ﺑﺄﻭﺭﻭﺑﺎ، ﺧﺎﺻﺔ في ﻓﺮﻧﺴﺎ ﻭﺑﺮﻳﻄﺎﻧﻴﺎ، ﻓﻲ ﺇﺣﺪﺍﺙ ﻓﺠﻮﺓ اﺟﺘﻤﺎﻋﻴﺔ داخل الشعوب، ﺭﺑﻤﺎ ﻟﻦ ﻳﺰﻭﻝ ﺃﺛﺮﻫﺎ ﺑﺎﻟﻤﺴﺘﻘﺒﻞ، ﺃﻭ سيُركن ﺇﻟﻰ ﺳﻴﺎﺳﺎﺕ ﻣﺘﺴﺮﻋﺔ ﻗﺪ ﺗﻨﺪﻡ ﻋﻠﻴﻬﺎ ﺃﻭﺭﻭﺑﺎ لاحقًا؟

المشكلة أن أوروبا في كارثة حقيقية؛ اقتصاديًّا واجتماعيًّا وسياسيًّا، وسيكون من الصعب للغاية تخطي هذه الأزمة لأن سياسات الدول الأوروبية الداخلية مختلفة تمامًا. سيكون من الصعب للغاية أن تكون لدول أوروبا سياسة موحدة أيضًا.

لكن في نفس الوقت أعتقد أن أوروبا ستصمد كما صمدت لعشرات السنين، المشكلة فقط هي أن أوروبا إن أكملت بنفس النمط الحالي ستظل تخرج من أزمة إلى أزمة أخرى.

آلان جريش

ﻣﻊ ﺯﻳﺎﺩﺓ ﺃﻋﺪﺍﺩ ﺍﻟﻤﻬﺎﺟﺮﻳﻦ ﺍﻟﻌﺮﺏ ﻣﺆﺧﺮًﺍ ﺇﻟﻰ ﺃﻭﺭﻭﺑﺎ، ﻫﻞ ﻧﺸﻬﺪ للمرة الأولى ﻟﻮﺑﻲ ﻋﺮﺑﻲًّا ﻣﻨﻈﻢًا ﻛﺎﻟﻠﻮﺑﻲ ﺍﻟﻴﻬﻮﺩﻱ ﺃﻭ ﺍﻟﺠﻤﺎﻋﺎﺕ ﺍﻟﻴﻬﻮﺩﻳﺔ ﺍﻟﻤﺸﻬﻮﺭﺓ ﺑﻨﻔﻮﺫﻫﺎ ﺍلاﻗﺘﺼﺎﺩﻱ ﻭﻗﻮﺗﻬﺎ ﺍﻟﺘﻨﻈﻴﻤﻴﺔ؟

– في فرنسا لا توجد لوبيات إسلامية، لأن التجمعات الإسلامية موجهة بالكامل سياسيًّا واجتماعيًّا، وهم لا يملكون تاريخًا موحدًا.

وقد حاولت القوى السياسية المختلفة في فرنسا تحريك الأمر لتكتل سياسي واحد لكنه فشل فشلاً ذريعًا.

في بريطانيا سياسيون من باكستان والهند لأنهم أكثر تنظيمًا، لكننا في فرنسا لا نجد تنظيمات لها تأثير مثلاً على الاتحاد الأوروبي مثل اللوبي اليهودي، في الانتخابات المحلية قد يضاهي تأثير الاسلاميين تأثير اليهود، لكن الأمر يظل مقصورًا على الانتخابات المحلية دون تأثير على سياسات الدولة أو سياسات الاتحاد الأوروبي.

– وصلت الصين في الأعوام الماضية إلى نسبة نمو اقتصادي عالية وهي 6%، وهي دولة ذات نظام استبدادي، ألا يؤثر هذا في المواطن الأوروبي ويدفعه أكثر في اتجاه الخطاب المحافظ؟

في البداية، كما تعلم فإن النموذج الصيني يحمل إشكالية كبيرة؛ قد بدأ من مستوى متدنٍّ للغاية من التطوير، بالطبع في الأربعين أو الثلاثين سنة الماضية مروا بمرحلة نمو عظيمة، لكنني لست متأكدًا مما إذا كان يمكن أن نسميها دولة شيوعية، لأنه على المستوى الاقتصادي تسير المنظومة بالتوازي مع تدخل الدولة.

ربما تمكننا مقارنة ذلك التطور بكوريا الجنوبية في الستينات والسبعينات مع التدخل الليبرالي للدولة.

وبالتأكيد هنالك أزمة، وبالتأكيد سيكون هنالك هؤلاء الذين يقولون “انظروا إلى الصين؛ إن قوتها وتقدمها في عدم وجود ديمقراطية أو حقوق إنسان”. لكن هذا الافتراض يجعل الأمور أكثر قلقًا. من الصعب جدًّا الحكم على 30 عامًا، فهو تطور قصير المدى للغاية، وأعتقد أنه مليء بالمشكلات الاجتماعية والاقتصادية.

وأنا أثق بفكرة عدم وجود طريقة واحدة تُدار بها الأمور في كل عصر،  الصين لها تاريخها وأوروبا لها تاريخها؛ لا يمكن أن نوافق على أفكار مثل تلك أو أفكار مشتقة منها، النظام الصيني لديه الاستقرار والثبات لأنه يمكنه البقاء دون تغيير لمدة 30 أو 40 سنة، لكن في أوروبا لا يمكننا فعل ذلك؛ لدينا انتخابات وأحزاب سياسية.

حتى بالنسبة إلى المشاريع الاقتصادية؛ الصين لديها مشروع طريق الحرير لما يقارب الـ15 عامًا، لا يمكن تصور شيء مثل ذلك بأوروبا، لكنه بلا شك هائل بالنسبة إلى الصين.

 

يوسف الحريري

صحفي وكاتب مصري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى