ثقافةمختارات

آمنة ومثيرة.. لماذا يلجأ كتاب الـ”بيست سيلر” إلى الرواية التاريخية؟

وونج كار واي..

أن تعيش الوحدة بألوان دافئة

“المخرج يصنع فيلمًا واحدًا ثم يفككه ثم يصنعه مجددًا”.. المخرج الفرنسي الشهير جان رينوار

يرى المخرج الفرنسي جان رينوار أن عملية صناعة العمل الفني، وصناعة الأفلام تحديدًا، هي عملية تكرارية، نظرًا إلى ذاتيتها الشديدة، فالمخرج يصنع فيلمًا يصب داخله هواجسه وخياراته الجمالية والموضوعية، ثم يُفكك تلك العناصر ويُحللها ويصنع من خلالها المزيد من الأفلام وفي النهاية تصير أعماله وحدة متماسكة من نفس الفيلم، لكن بتركيبات مختلفة ومتشابكة من نفس عناصره الداخلية.

حب وذاكرة

يمكن بسهولة تطبيق تلك المقولة على المخرج الصيني وونج كار واي، بالنظر إلى مسيرته السينمائية، سنجد نفس التيمات الشكلية والموضوعية وربما نفس الممثلين في أفلامه، كل فيلم في قلبه قصة حب مستحيلة ذات أبعاد ملحمية، أبطال من الذكور تكللهم هالة من الوحدة، بل إن الشخصيات السينمائية نفسها تُستَعاد من فيلم لآخر فتصير أفلامه أشبه بعالم سينمائي متصل تحكمه المصادفات والصلات العاطفية بين غرباء تجمعهم الوحدة في مدن شاسعة يضيئها النيون.


As tears go by 1988

بدأ وونج كار واي حياته الفنية بإخراج المسلسلات الميلودرامية قبل أن ينتقل لإخراج فيلمه الأول “بينما تسري الدموع” as tears go by 1988 ويصعب تجاهل تأثير الميلودراما على أعمال وونج، فقصص حبه مستحيلة أو صعبة المنال وتتشبع صورته بألوان بالغة الدفء والتداخل، وتغلي أحداثه ببطء وتصل إلى ذروتها ببطء أو لا تصل.

وعلى الرغم من تلك النزعة الميلودرامية فإنها واعية لذاتها فتهدم تلك الأنماط السائدة من الميلودراما بهدوء، فالميلودراما تتسم بشكلها الكلاسيكي بالميل للإفراط والمبالغة، وتتابع الصدف والمآسي على أبطالها، لكن بما أن وونج كار واي مخرج حداثي يفكك القيم الكلاسيكية ويعيد تركيبها فهو يستعير من الميلودراما عناصرها الأولية مثل تتابع المصادفات غير المنطقية مثلاً ثم يدمجها في سرديات تملك أسلوبية خاصة غير مكررة.

يمكن تحليل أعمال وونج كار واي عن طريق النظر إلى بعض العناصر الأساسية التي يتناولها مثل الذاكرة والحب، وكيف تتضافر الأساليب السينمائية التي يختارها لخلق منظومة متكاملة للتعبير عن تلك العناصر.

ففيلمه الأول “بينما تسري الدموع” عن شاب منخرط في عصابة أشبه بمافيا سرية يحاول مساعدة أخيه ضد عنف الشارع، وفي جوهر العنف الذكوري والعوالم الليلية الدموية تنمو قصة حب بطلتها فتاة رقيقة، لكن القدر يأبى أن يعود الشاب لحبيبته ويتورط في عملية إطلاق نار متبادل في أثناء إنقاذه لأخيه، فيلفظ أنفاسه الأخيرة وتلح ذكرى قبلتهما الأولى على عقله كمشهد أخير لختام حياته.

يؤسس “بينما تسري الدموع” لأسلوبية وونج، سواء خياراته البصرية واللونية من تصوير بطيء متشظٍ وألوان مُشبَعة، وخياراته الموضوعية مثل قصص الحب التي لا يبقى منها إلا الذكرى، والوحدة التي تلازم الإنسان في المدن الكبيرة.

أتبع وونج عمله الأول بعدة أعمال تدور أحداثها بين قصص الحب وعوالم العنف مثل “أيام الجموح” days of being wild 1990 و”مطعم شانكينج” chungking express 1994 و”ملائكة منبوذة” fallen angels 1997، أو قصص مغرقة تمامًا في حكايات الحب والوحدة مثل “في مزاج للحب” in the mood for love 2000 و”ليالي التوت البري”my blueberry nights 2007.


The grandmaster 2013

استكشف وونج كار واي في مسيرته صناعة أفلام الفنون القتالية لكنه لم ينجح بنفس قدر نجاحه في تناول القصص الإنسانية، ومنها “رماد الزمن”ashes of time 1994 و”المعلم” the grandmaster 2013 آخر أفلامه حتى الآن.


mood in love

الذاكرة كملاذ

“يتذكر كل تلك السنوات البائدة، كأنه ينظر إلى نافذة غائمة، يمكنه أن يراها ولا يلمسها، وكل ما يراه غائم وغامض”.

يبدأ بعض أفلام وونج كار واي بكلمات من هذا النوع مكتوبة على الشاشة أو تنتهي كذلك، تعطيها اللغة الصينية طابعًا جماليًّا غير معتاد للعين الأجنبية، وأيًّا ما كانت دقة الترجمة فالخيارات الكتابية متعلقة بالذاكرة.

في نهاية “في مزاج للحب” تضعنا الشاشة في الحالة الذهنية للبطل الذي ترك للتو أسراره وذكرياته في معبد ناءٍ، وندرك أن كل ما اختبره من سنوات الحب هي ذكريات غائمة وكل ما يتعلق بالفترة التي عاشها لم يعد له وجود.

وفي فيلم “2046” يعلن الفيلم عن وطأة التذكر بوضوح بجملة مكتوبة في بدايته “كل الذكريات هي آثار للدموع”.

يحتسي أحد شخصيات فيلم “رماد الزمن” نبيذًا له القدرة على محو ذاكرة الإنسان في دقائق، فلا يذكر من أين جاء وكيف وصل إلى مكانه! ويعلل الفيلم أهمية ذلك بقوله إن الذاكرة “جذر هموم الإنسان”، فمن دونها سيكون العيش في الحاضر أسهل والتطلع إلى المستقبل أكثر منطقية.

يمكن اعتبار وونج كار واي من صناع السينما الرومانتيكيين شكلاً وموضوعًا، لذلك تشغله الذاكرة والتذكر واستعادة الماضي، وتصير أفلامه بألوانها الدافئة وحركتها البطيئة الحالمة أشبه بذكريات حب لعجوز وحيد تهون عليه وحدته، أو لشاب يقضي آخر لحظات حياته يتذكر حبيبته.

يُثقل الحب على أبطاله ويخفف عنهم في آن، يصير ملاذهم وعذابهم، حالة كلاسيكية من الرومانتيكية التي تتشرب تفاصيل الحياة العادية وتجعل منها ملاحم مصغرة تأسر الأعين والعقول.

في فيلمه الأول يتذكر البطل قبلته الأولى مع حبيبته وهو ينزف حتى الموت، وفي نهاية مشابهة يختم فيلمه التالي “أيام الجموح” ببطل وحيد يموت ويتذكر الفتاة التي أحبها حقًّا من بين كل الفتيات اللاتي تلاعب بهن.

في فيلميه المبكرين استكشف كار واي عوالم ذكورية جافة وقاسية فيها يتباهى الأبطال بقدرتهم على إلحاق الأذى بالآخرين سواء أكان جسديًّا أم معنويًا، ربما لتأثره بطبيعة أفلام الحركة الصينية أو تأثره بمخرجين مثل الأمريكي مارتن سكورسيزي.

لكن داخل كل تلك القسوة تتمركز قصة حب تُذكّر ذلك البطل الوحيد بما يعني للإنسان أن يختبر الرقة والرفق، لذلك تكون ذكرى الحب هي العنصر الذي يختم حياته.

انتقل وونج لقصص أكثر رقة في أفلامه التالية علت بها قصص الحب على العنف، ووجد شخصيته الإخراجية الحقيقية.

في فيلمه الأشهر “في مزاج الحب” يهجر وونج كار واي كل عناصر العنف لصالح دراما أشبه برقصة هادئة من فرط رقتها، ويقع مفهوم ذاكرة الحب في جوهرها، يكتشف كل من “السيد شاو” و”السيدة شان” خيانة زوجيهما لهما معًا، وفي أثناء استكشافهما لأسباب تلك الخيانة يقعان هما أيضًا في الحب.

أحدث موضوعاتنا
أحدث موضوعاتنا



فيلم 2046

لكن اختبار الخيانة وخوفهما من النتائج الأخلاقية وطبيعة المجتمع التطفلي يمنعهما من التماهي مع مشاعرهما، وعلى الرغم من صدق حبهما يحتفظان به كذكرى وسر ثقيل يحملانه بداخلهما وهمما يمضيان في عيش حيوات متباعدة.

وفي “مطعم شانكينج” تصير وسيلة الشرطي الوحيد لتذكر حبيبته هي التركيز الهوسي على التفاصيل الصغيرة، مثل طعامها المفضل وتاريخ ذكرى علاقتهما.

فكرة الاحتفاظ بالذكرى كشيء مادي تستمر في فيلم “ليالي التوت البري” فيحتفظ البطل بمفاتيح يتركها الآخرون في المطعم الذي يعمل به، منها مفتاح مكان عيشه مع حبيبته السابقة، يصير العيش على الذكرى هو الطريقة الوحيدة للحياة حتى يتدخل القدر. في أفلام وونج كار واي القدر هو أن تصادف من يشاركك وحدتك ولو للحظات قليلة.. هكذا يقول وونج كار واي.


chungking express

ميلودراما المصادفات

“يتعامل معظم أفلامي مع أناس محتجزين في روتينات وعادات لا تجعلهم سعداء، يتمنون التغيير، لكنهم يحتاجون إلى ما يدفعهم لذلك، أظن أن ما يدفع الناس في الغالب هو الحب، هو الذي يجعلهم يكسرون أنماط معيشتهم ويتخطون وضعهم الحالي”.

تُبنى قصص الحب في أفلام وونج كار واي على الفقد والتعويض، فالأساس بالنسبة إلى أبطاله هو حالة من الوحدة والاغتراب عن العالم المحيط، أيام مكررة يقضونها في رثاء علاقاتهم المنتهية ويأتي التغيير عن طريق مصادفة صغيرة غير متوقعة.

يرى وونج أن أفلامه كلها عن مدينة هونج كونج حتى وإن لم تقع أحداثها بداخل المدينة، تصير المدينة عالمًا واسعًا يمكن أن تعيش فيه الشخصية وحدة كاملة، تنتقل من يوم إلى آخر دون شعور بالمؤانسة، ولكن في الوقت ذاته يمكن للعالم أن يصير مكانًا بالغ الصغر، تتصادم فيه أكتاف الشخصيات دون أن تدري أن تلك التقاطعات الصغيرة من الممكن أن تغير حيواتهم للأبد.

مفهوم المصادفات غير المنطقية جزء من طبيعة الميلودراما، وفي الميلودراما التي يصيغها وونج كار واي يتداخل مفهوم الوحدة مع مفهوم المصادفة، فالجميع وحيدون يقابلون غرباء أمثالهم، يستطيع ذلك الغريب ملء فراغ الوحدة للحظات أو أيام، يتشارك فيها الهائمون لحظات من الحميمية والتفهم المشترك للحالة الإنسانية والوحدة المفروضة عليها.


days of being wild

في “أيام الجموح” تصادف الفتاة الرقيقة عاملة شباك التذاكر ضابطًا يحرس الشارع وحيدًا كل ليلة، تخبره بحكايتها وكيف هجرها حبيبها بقسوة، يدرك هو وحدتها وتدرك كونه مثلها، يصاب بالإحباط نظرًا إلى ابتعادها المفاجئ لكنه يتقبل رغبتها في مشاركته حياتها لليلة واحدة صعبة تثقل عليه فيها الوحدة.

يزرع وونج صدفة أخرى ميلودرامية عندما يتقابل كل من الشاب الجامح والضابط الذي صار بحارًا في الفلبين، الأول باحثًا عن والدته والأخير في رحلة عمل، وتنشأ بينهما صداقة غير متوقعة تؤنس وحدتهما في بلد غريب ويتأملا ذكرياتهما في حب الفتاة نفسها.

لا تتوقف المصادفات في عوالم وونج كار واي على شخصيات الفيلم الواحد، بل تتداخل الشخصيات الفيلمية من فيلم إلى آخر، في البداية كان من المقرر أن يكون فيلم “ملائكة منبوذة” جزءًا من فيلم “مطعم شانكينج”، وانتهى الأمر بفصلهما لكن يبقى الترابط حاضرًا.

يلعب تاكيشي كانيشيرو دور شاب وحيد في كلا الفيلمين، يعبر عن أفكاره عن طريق صوت الراوي، كلتا الشخصيتين تنتظر الحب أو اللقاء الذي يمكن أن يعطي معنى مختلفًا لحياتهما ويتأملا فكرة الاحتكاك اليومي بالبشر، وكيف من الممكن أن يفضي إلى تبادل شعور حقيقي بين شخصين أو يمر اللقاء دون ملاحظة.

في “مطعم شانكنج” يصطدم الضابط الوحيد كسير القلب بفتاة يعرف أنه سيقع في حبها، لكن ذلك التواصل ليس مقدرًا له أن يحدث، يصف ذلك بأن أقرب نقطة جمعت بينهما كانت مسافة سنتيمتر واحد.


Fallen angels

وفي فيلم “ملائكة منبوذة” يلعب كانيشيرو شخصية شاب هارب من السجن تبدو عليه أمارات عدم الاتزان العقلي، مرِح وعُصابي ولا يملك القدرة على التحدث، لكنه يملك عقلاً نشطًا لا يتوقف عن الكلام.

في أحد المشاهد يتطرق الشاب إلى فكرة مقابلة الأشخاص قائلاً إننا نحتك بأكتافنا بكثير من البشر يوميًّا، يمكن لهؤلاء أن يصيروا أصدقاء مقربين، أو محل ثقة، لذلك يشعر بالتفاؤل دائمًا حتى لو كان ذلك يمكن أن يعرضه للأذى.

يمثل ذلك للشخصيات مفهوم إمكانية حدوث التواصل في ظل شساعة العالم وطبيعة العزلة الإنسانية في المدن الكبيرة، وفي ظل عالم حديث مزدحم بالأحداث والركض المتواصل وربما حتى الجريمة، لكن تظل هناك تلك المساحة الصغيرة لإمكانية علاج الوحدة بوجود الآخر.

يستمر استكشاف مفهوم الوحدة والتواصل في فيلم “سعداء معًا”، الذي تقع أحداثه في الأرجنتين، تأخذ الوحدة والمصادفة شكلاً آخر، فالوحدة التي يختبرها البطلان مزدوجة، يعاني كلٌ منهما من علاقة غير متوازنة معًا، يشعران بالوحدة في صحبتهما حتى ينفصلا.

يرى أحدهما أن كل الوحيدين متشابهون في أسلوب تعاملهم مع تلك الوحدة، وهو ما يتبناه وونج كار واي في ربط تجارب أبطاله الشخصية الحميمة بالتجربة الإنسانية عمومًا والتجربة الإنسانية الحديثة خصوصًا.

يميز وونج كار واي لحظات التواصل النادر بين شخصيتين بتقنيات خاصة تخلق أجواء بصرية متفردة، تجعل تلك اللحظات كأنها سوف تدوم أبدًا، حتى وإن كان توقيت حدوثها لا يتعدى دقائق، ولا يكتفي بالمونولوجات التي يعبر بها أبطاله عن ذواتهم أو حوراتهم المتبادلة، بل يكون التعبير عن التيمات بواسطة اللغة البصرية، فتصير جزءًا من نسيج الفيلم.


my blueberry nights 2007.

زمن بديل

“اعتدت التفكير في أن الدقيقة تمر سريعًا جدًّا لكنها يمكن أن تستمر للأبد”

في بداية فيلم “أيام الجموح” يقابل الفتى اللعوب فتاة رقيقة يحاول التقرب منها، في لحظةٍ ما يعترض طريقها ويطلب منها أن تنظر إلى الساعة لمدة دقيقة، تستسلم لإحساس عدم الراحة الذي يسببه قربه الجسدي المقتحم منها، تمر الدقيقة، فيصرح هو بأنهما ظلا معًا طيلة مدة تلك الدقيقة، وأنه سيتذكر تلك الدقيقة في ذلك الوقت المحدد دومًا بسببها، صارا صديقين لدقيقة، هذا واقع لا يمكنها تغييره أو إنكاره.

تمثل تلك الفكرة الرومانسية البسيطة مقاربة وونج كار واي لمفهوم الزمن ونسبيته، يمكن للدقيقة أن تستمر أبدًا إذا ملأها حدث يستحق التذكر، لا يحقق ذلك فقط عن طريق الحوار مثل المشهد المذكور لكنه يأخذ المفهوم إلى مستوى بصري فيتلاعب بزمن الصورة وطبيعة التلقي.

يملك الكثير من صانعي الأفلام أفكارًا عن طبيعة الزمن، فالسينما هي الفن الوحيد تقريبًا الذي يختبر عبر زمن محدد، ليس فقط زمن الأحداث لكن زمن المشاهدة.
أحد أشهر منظّري الزمن في السينما هو المخرج الروسي أندري تاركوفسكي عامَل مفهوم الزمن مثل مفهوم الحلم، فالوحدة المشهدية تتعلق بنقطة في الزمن ليس من الضروري أن تعقبها أخرى منطقيًّا، بل إن الزمن سائل يتحرك للأمام وللخلف ويتغير بين زمن الأحداث وزمن الأحلام.

كاتب السيناريو تونينو جويرا يصف تاركوفسكي بكونه واعيًا بفكرة سريان الزمن الحتمي وأن هدفه هو إيقافه عند لحظة معينة، لكن وونج كار واي لا يوقف الزمن مثل التصوير الفوتوغرافي ولا يتأمل سريانه كما في الصورة السينمائية، بل يصنع إيقاعًا مغايرًا تمامًا للواقع أو الفيلم، هو يغير طريقة وسرعة سريان الزمن نفسه، لكي يعبر عما يدور في وجدان شخصياته.

استخدم كار واي مع مصوره كريستوفر دويل تقنية تكرار بعض الإطارات الثابتة لكي يبدو للمشاهد أن الزمن يسير أبطأ لكنه في الوقت ذاته متقطع، ويخلق ألوانًا مجردة تجعله يبدو أسرع، هي صورة جمالية معقدة تضع أفلام كار واي في حالة بين الحلم واليقظة.

لكن الأكثر راديكالية هو كيف يضع زمنين مختلفين في مشهد واحد، فنرى مثلاً الزمن يمر ببطء على الشخصيات لكنه سريع في خلفية العالم حولهم، يصير الزمن نسبيًّا على مستوى بصري وحرفي وليس مجرد شعور داخلي.

ظهر ذلك خصوصًا في فيلم “مطعم شانكينج”، ففي أحد المشاهد تنتظر الفتاة أن يقرأ الرجل الذي أحبته خطابًا سوف يحدد طبيعة علاقتهما، يخبرها هو أنه سوف يفعل بعد أن ينتهي من كوب قهوته، يجري تصوير تلك اللحظة ببطء شديد؛ يرفع الرجل يده ببطء لكي يرتشف مشروبه، وتنتظر الفتاة في جزع، ويسير العالم متسارعًا أمامهما، كأنهما يعيشان بُعدًا آخر.

في مشهد آخر من الفيلم تعد الفتاة الشرطي بالحضور في ميعاد محدد ولا تأتي، فيتوقف عنده الزمن ويسير بسرعة أكبر من المعتاد حوله، تعطي تلك التقنية تأثيرًا بصريًّا مميزًا لأفلامه لكنها ليست مجرد خيار شكلي، هي تصوير مجسد لوطأة الانتظار ولطبيعة الحب التي لا تعترف بالصبر.

في فيلم “في مزاج للحب” يعتمد وونج كار واي تصويرًا بطيئًا كلاسيكيًّا يعطي لكل لحظة ثقلها في قصة حب محكوم عليها بالفشل من قبل أن تبدأ، يصير السير في الممر لإحضار الغداء حدثًا مهمًّا يملك قيمة بذاتها، فيأتي تصويره ببطء شديد وتأنٍّ وتستمر النظرة الخاطفة لدقائق ودقائق يتشبع منها المحب قبل أن يفقدها للأبد.

يمثل الولوج إلى عالم وونج كار واي اختبار واقع مغاير حتى وإن اتسمت أفلامه بالصدق والواقعية، أو اختبار زمن بديل عن الزمن الذي تسير حسبه أحداث أيامنا، أفلام تمثل راحة قصيرة من الحقيقة حتى وإن واجهتنا بحققيتنا وحقيقة وحدتنا في العالم فإنها تعطينا أملاً صغيرًا في احتمالية أن نصادف من يطفئ وحدتنا.

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

قصة

رحمة الحداد

صحفية مصرية

مشاركة

أحمد بيكا

رسوم

القصص المتعلقة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى