ثقافة وفن

“أبلة فاهيتا”.. أيقونة النسوية الساخرة

دراما كوين: أبلة فاهيتا 
مسلسل: 6 حلقات
النوع : كوميدي/جريمة/تشويق
سنة الإنتاج: 2021
إنتاج: OKWRD Productions بالتعاون مع Partner Pro
المنتج المنفذ: أمين المصري/ رانيا حجازي
منصة العرض:  نيتفليكس/مسلسلات نيتفليكس الأصلية
سيناريو وحوار: أبلة فاهيتا / محمد الجمل / دينا ماهر / محمود عزت/ جورج عزمي
 تمثيل: أبلة فاهيتا / كارو / باسم سمرة / دنيا ماهر / زينب منصور / أسامة عبد الله / رحاب حسين.
مونتاج : خالد سليم / حسام المصري  – الإشراف الفني وديكور : محمد عطية
تصميم ازياء : ياسمين القاضي – موسيقى : حسن الشافعي  – ميكساج : طارق علوش
تصوير: أحمد يوسف – مهندس صوت: علمي عبد الستار
إخراج: خالد مرعي

في 21 إبريل 2010  أطلت الدمية “أبلة فاهيتا” على جمهورها بصحبة ابنتها “كارو” وابنها الرضيع الصامت “بودي” لأول مرة عبر “اسكيتش ” ساخر على “يوتيوب” تُسدي فيه نصائحَ لـ”أبلة فايزة” -التي لا نراها- عن وصفة “تتبيل الفراخ” (الكوكو) ومفضلات “قطاقيطو التي تحب الوركة والدبوسة”.

كانت “فاهيتا” تحاكي على نحو ساخر “المكالمات هاتفية” المتبادلة بين نساء الأسر البرجوازية المتوسطة أو الأرستقراطية في مصر، خاصة المغتربين/ات منهم في الخليج عبر تطبيق Skype.
وهو ما جذب لها جماهيرية واسعة بين رواد “السوشال ميديا” الذين رأوا فيها الأم أو العمة والخالة أو “أبلة فلانة” من الأقارب.

اللافت في أداء “فاهيتا” الصوتي كان مزجها بين المصطلحات الإنجليزية والفرنسية والعربية، وتشديدها على مخارج الحروف بكبرياء ونرجسية مُحببة، في كلمات مثل “يهدكم” أو “ماتعمليشي” أو “يا وعدي” أو “مايستهلوشي”، الكلمة الأخيرة تحولت بعد ذلك لمطلع أغنية شهيرة تلحين وتوزيع الموسيقار “حسن الشافعي” عام 2014 محققة أكثر من 22 مليون مشاهدة.

انطلقت فيما بعد اسكتشات “الأبلة” عبر قناتها على اليوتيوب، ما بين اسكيتش بارودي (محاكاة هزلية) لمشهد أنا بنت مين يا داداالشهير ما بين شادية (1931-2017 )  و”يسرا” (1955- ) من فيلم “لا تسألني من أنا ” 1984 إخراج أشرف فهمي، أو سلسلة فوازير الويبة2012، بعدها أطلت لأول مرة “الأبلة” على جمهور الفضائيات عبر برنامجالبرنامج على قناة CBC في 2013، لتنطلق بعدها لعالم الإعلانات.

مراوغة المجتمع المحافظ

أبلة فاهيتا
أبلة فاهيتا

انطلاقة “أبلة فاهيتا” الإعلانية لم تمر مرور الكرام، فقد واجهت “الأبلة” مجموعة من الخصوم الذين استهدفوها من البداية مثل مقدم البرامج بقناة “الفراعين” السابق  “أحمد سبايدر”، والذي قدّم ضدها بلاغا للنائب العام بوصفه “خبير شؤون الماسونية” ضد إعلان شريحة المرحوم لشركة فودافون ومن بطولة “أبلة فاهيتا”، (اتهمها البلاغ بنشر ألغاز ورموز تحرض على الماسونية)، لتقوم جهات التحقيق بالتحقيق مع صناع “أبلة فاهيتا”، قبل أن تأمر بصرفهم من النيابة.

استضاف “المذيع” خيري رمضان عبر برنامجه “ممكن” مناظرة بينأبلة فاهيتاوسبايدر عقب البلاغ ضد “الدمية”، ما أثار سخرية رواد مواقع التواصل الإجتماعي، خاصة بعدما حفلت المناظرة بإيفيهات “الأبلة” وهي تواجه “سبايدر” عبر Skype؛ بإيفيهات من عينة: “الأرملة الحلوة ديما مطمع.. الشباب تعبان يا مسيو خيري فمعلشي نسمعه”، بينما كان “أحمد سبايدر” يصرخ في الخلفية “هاحبسك يا فاهيتا”، وسط ضحكات خيري رمضان.

لاحقا دشنت “أبلة فاهيتا” نجوميتها عبر برنامج ساخر من بطولتها بعنوان “لايف من الدوبلكس” عام 2015، من إنتاج الـCBC، (استمر خمسة مواسم) قبل أن تنتقل إلى شاشات الـOn TV عام 2020 بعد توقف أثير حوله الكثير من الجدل، وقيل إنه لأسباب أمنية، بعنوان “أبلة فاهيتا”.

نسوية “فاهيتا” وتقاطعاتها

أبلة فاهيتا
أبلة فاهيتا

استطاعت شخصية “الأبلة” سواء في برنامج “لايف من الدوبلكس” أو برنامج “أبلة فاهيتا” مراوغة المجتمع المحافظ بمهارة وسلاسة، مستهدفة شريحة واسعة  المجتمع المصري تماهت معها بصورة واعية وغير واعية، رغم اتهامها الدائم بـ”خدش الحياء العام”، و”تقديم نموذج سيئ عن المرأة الشرقية”.

اعتمد صانع شخصية “أبلة فاهيتا” في خلق ذلك التماهي على بلورة شخصية نسوية ساخرة، تقوم على الندية والمشاغبة ومساجلة المجتمع بجرأة وطرافة وعنفوان، مستلهما جلسات النميمة النسائية للطبقات البرجوازية الوسطى والعليا كمصدر لطابع خطابها.

فالأبلة (الأرملة) تغازل، في اسكتشاتها، الشبان الصغار، وتسخر بطرف خفي من المرحوم زوجها (مركز النظام الأبوي البالي)، كما تناكف السيدات والفتيات الأصغر منها بأسئلة جريئة قد تصل حد التطفل عن أسباب استدارة القوام، أو عمليات تكبير الصدر.

تحمل “الأبلة” سمات النسوية التقاطعية intersectional feminism، فهي من اسمها تنتمي إلى جيل مواليد منتصف وأواخر السبعينيات، الذين لم يعرفن سندوتشات وأطباق “فاهيتا الدجاج” إلا في أواسط وأواخر التسعينيات مع انتشار الكافيهات ومحلات الوجبات السريعة في حواضر المدن المصرية.

أمومتها لا تتعارض مع كونها امرأة متباهية بأنوثتها، وتتقاطع مع كونها امرأة معيلة: أم لطفلين هم “كارو” و”بودي”، تتحمل مسؤوليتهما بعد وفاة والدهما، وتشاركها “كارو” تقديم بعض فقرات البرنامج، حاملة طابع “فاهيتا” التطفلي المشاغب الساخر وسلاطة اللسان وبدرجة أكثر سوداوية من “فاهيتا” نتيجة معاملته السيئة لها.

تلك التركيبة العائلية جذّابة للغاية لمن يعانون من تلك العلاقات المركبة التي تحمل مشاعر الحب والنفور معا بين الأبناء ووالديهم والعكس.

“الأبلة” بسخريتها الدائمة من الرجال والنساء والأجيال القديمة والجديدة، تحمل نرجسية تُذكِّر بأداء الكوميديان الراحل عبد السلام النابلسي (1899 -1968) “الأليط أبو دم خفيف”، كبرياء محبب دون نفور، يجاوره “تصابي” برجوازي.. وبإجادتها نطق الفرنسية والإنجليزية وحركاتها الإيمائية المتباهية بأنوثة وغنج، نجحت في احتلال مساحات واسعة من اهتمام جمهور توّاق للبهجة، والاحتفال بالفن والهزل، كما أن موجة النسوية الصاعدة بقوة في المجتمع المصري حاليا، أسهمت بشدة في ارتفاع أرصدة “أبلة فاهيتا” الجماهيرية.

لذا تمثل “فاهيتا” المعادل المتحرر للمذيعة “رضوى الشربيني”، بمساحة أكثر انفتاحا فيما يتعلق بالعلاقات الزوجية، وعلى مستوى الأداء والشكل الخارجي يمكن اعتبار “فاهيتا” معادلا خياليا للفنانة “رانيا يوسف” وتأثيرها الاجتماعي الملحوظ عبر منصات التواصل الاجتماعي، فهي مثلها أم لا تهدر أنوثتها، وتجسد حضورها في المجال العام عبر احتفائها بتلك الأنوثة، والتي ضمنت لها -مثلها مثل رانيا- إعجاب الكثيرين/ات، وجلبت عليها بالطبع هجوما حادا من الأوساط المحافظة، لكنها، رغم ذلك الهجوم، لا تتراجع.

“فاهيتا” ورانيا تؤمنان بالاستقلال المادي والاحتفاء بالجسد الأنثوي في المجال العام، ويقدمان نموذجا لا يكره الرجل، لكنه لا يهابه، يتحدى بكبرياء وخفة دم وذكاء الغطرسة الذكورية ويناورها، ولا يدعي زهدا أو تضحية مسمومة أو ابتزاز أو خطابات مظلوميات، بل تشددان على احتفال بمباهج الحياة، والاحتفاء بتقاطعات الذات والأمومة والجسد والأنوثة والنسوية دون تعارض.

“دراما كوين”.. نسوية في حبكة تشويقية

دراما كوين أبلة فاهيتا
دراما كوين أبلة فاهيتا

ما سبق من عوامل أهل “فاهيتا” كأول بطلة/ دمية لمسلسل تليفزيوني ناطق بالعربية من إنتاج “نتفليكس”، في قالب يجمع بين الجريمة والإثارة والكوميديا.

مسلسل “دراما كوين” المكوّن من 6 حلقات متصلة، وزمن الحلقة فيها 20 دقيقة، يقدّم وجها آخر لـ”فاهيتا”، فهي هنا ليست مذيعة بل فنانة استعراضية مشهورة، بإحالات واقتباسات ومحاكاة لأداء نجمات السينما من الاستعراضيات الكبار أمثال نادية الجندي، ونبيلة عبيد، ولبلبة.. “فاهيتا” تفتح لنا مساحة أخرى، مُتخيلة، على عالم الصناعة الاستعراضية في عز توهجها، وتلقي نظرة على عالم الكباريهات على التوازي.

تلك المساحة تسمح بمناقشة قضايا متقاطعة مثل حق المرأة في العمل، وتفكيك الذكورية الفجة والهشة، وصراعات الأجيال، ونقد ممارسات الأبوة للجيل القديم حتى لو في صورة أم متسلطة، مع تناول ساخر لعالم الكباريهات بكل ما يحويه من مكائد ودسائس وأزمات.

صناع “دراما كوين” صاغوا أحداثه في إطار “البناء الدرامي المغلق” Closed Structure؛  بمعنى قالب درامي مرهون إغلاقه وإتمامه بحل سؤال درامي تشويقي “مفتوح ” ورئيسي يدفع أحداث العمل الدرامي للأمام، ويتعلق في الغالب بالإجابة عن لغز سرقة جوهرة ما أو حل جريمة قتل أو الكشف عن القاتل أو العثور على كنز مفقود، بغرض الوصول إلى إجابة و”غلق” سؤال للعمل وانتهائه.

تتناول أحداث “دراما كوين ” حبكة رئيسية تتمثل في مغامرة تخوضها “فاهيتا” لإثبات براءتها، بعد أن قُتل صاحب كباريه “خرابيش” (فايز مانجه/ أسامة عبد الله)، في ظل وجودها به، ومشاجرتها معه لخداعه إياها بجعلها توقع على عقد يقضي بتقديمها فقرة أسبوعية بالكباريه، وإقناعها بأنه عقد فيلم جديد، مستغلاً حاجتها للعمل، بعد انزواء الأضواء عنها على إثر الفضيحة التي تعرضت لها جراء سقوط فستانها على المسرح أثناء تقديم أوبريت “إيزيس”، وظهورها عارية تماما على خشبة المسرح.

تجدر الإشارة إلى أن أوبريت “إيزيس” نفسه حول راغبي الزواج من “فاهيتا”: شهريار ودون خوان ومهراجا هندي وترفضهم جميعاً، وهو مستلهم من أوبريت ليلى مراد “اللي يقدر على قلبي”.

عبر اتباعهم نهج “البناء المغلق” تمكن صناع “دراما كوين” من المحافظة على وحدة البناء الدرامي للعمل وإنقاذه من الوقوع في فخ التحول لايسكتشات غير مترابطة بفضل قولبة كافة اسكيتشات المسلسل وتربيط أحداثه في إطار حبكة تشويقية تسعى للإجابة عن سؤال “من القاتل؟” وبالتالي نجحوا في جذب انتباه المشاهدين وضمان ترقبهم أحداث المسلسل إلى آخر حلقة.

تفكيك الذكورية وقدسية الأم أيضا

كارو مع والدتها أبلة فاهيتا
كارو مع والدتها أبلة فاهيتا

منطلقاً من أزمة سقوط فستان “فاهيتا” وما تلاها من حملات تشهير إعلامي أدت إلى إنهاء مسيرتها الاستعراضية، يحيلنا المسلسل إلى تكرار ظاهرة نشهدها مؤخراً: اشتعال الأزمات الاجتماعية في صورة “تريند” يستهدف فتاة أو سيدة أو شخصية مشهورة، بسبب موقف شبيه، وكيف يمكن بكبسة زر واحدة وخبر واحد أو لقطة مستفزة للجمهور المحافظ، الإجهاز على مسيرة المشاهير الفنية والمهنية والمكوث في بيوتهم بلا عمل.

“دراما كوين” 2021 يعكس سرعة تغيّر المزاج الشعبي وتقلبه، من الترحيب والاحتفاء والترقب لحفلات أوبريتات “فاهيتا” إلى تحويلها إلى مصّبٍ لكل اللعنات الذكورية والمحافظة.

يفكك “دراما كوين” النظرة الذكورية لـا(لمرأة-الأم) ويشتبك مع قداستها المتخيلة اجتماعياً، ويتجلى ذلك في المشاهد التي تتحلى فيها “فاهيتا” بالجرأة بعد سُكْرِها بالكباريه، ثم تقيؤها في الحمام، أو ذكرها لفيتيشات جنسية، رداً على تساؤل رفيقتها “سماح الفل/دنيا ماهر” عندما ترى الفيديوهات الجنسية على هاتف (فايز مانجه) المسروق عن ماهية تلك الممارسات، بقولها أنها “ألعاب زوجية”.

لا يركز المسلسل على “فاهيتا” فقط كمحور أحداثه، بل يضع لها مقابل من الجيل الأصغر: “كارو” ابنتها، التي توجه لها النقد لأنانيتها، وسلبيتها، وتفضيلها لشقيقها “بودي” عليها، وتخليها عنهما بعد وقوع جريمة القتل.

عتاب “كارو” يحمل نقداً مبطناً لفكرة تسلط  “ولي الأمر” على أبنائه المبنية على “حق الأبوة”، باعتبارها صكاً مجانياً، فلهجة “كارو” المتهكمة وتقريعها لـ”فاهيتا”، بعد مكوثها في المنزل بلا عمل، مطالبة إياها بتوفير الطعام لها هي و”بودي” كواجب عليها، تعبر عن إرهاصات خطاب مجتمعي متصاعد، يعيد تقييم علاقات الأبناء بآبائهم، ويعيد تقييم عملية الإنجاب وقرار الإنجاب ليُعرِّفهما كقرار شخصي؛ يُصاحبه مطالب بتحمل توفير حياة كريمة للفرد الذي يضيفه الأب للمجتمع.

ولا يقتصر تمرد “كارو” على أمها بل يمتد لمشاغبة “أمين” صاحب الكباريه، وهي تدافع عن حقوق الراقصات، وكذلك تفضيلها العمل في مسح سلالم الكباريه على تقبل مِنَة أو إحسان منه بعد تخلي أمها عنها وبقائها في الكباريه ترعى أخوها “بودي”.

يقدّم المسلسل على نحو ساخر صعود “جيل z” (مواليد أواخر التسعينات) إلى الساحة الفنية، حيث تزيح “كارو” أمها “فاهيتا” عن منصة نجومية الكباريه، وتصبح النجمة الأولى وحديث الأوساط الفنية، بغنائها للعديد من الاسكتشات التي تصور معاناتها مع أمها بشكل مَرِح.

ويتطرق المسلسل أيضاً إلى مسألة حقوق العمل بالنسبة للمرأة وكيف يتم انتهاكها في مؤسسات الترفيه، ويعرض ذلك بشكل ذكي ودون مشاهد جريئة أو صادمة، حيث تقرأ “كارو” على  الراقصات بغرفة تغيير الملابس بعض مواد قانون العمل، فيما كان رد فعل “أمين”، مدير الكباريه الجديد، هو قمع “كارو” وطردها، بعد أن رأى فيها تهديداً لسيطرته على الراقصات.

نجح صناع “دراما كوين” في تفكيك صور الذكورة الفجة والهشة والمتمثلة في “أمين” (باسم سمرة) على نحو ساخر؛  فرغم تسلطه على أي عنصر أضعف أو أقل مكانة منه بالكباريه، إلا أنه يفشل في السيطرة على زوجته “الحاجة وفاء” (زينب منصور)، التي يكتشف لخيانتها له مع صديق عمره وشريكه السابق “فايز مانجه”، لينهار تماماً، ويبكي وتظهر هشاشته بنفس الفجاجة، وهو غير مصدق لما حدث.

المشهد أداه “باسم سمرة” ببراعة تمثيلية وإتقان، وهو مشهد تعاون فيه المخرج “خالد مرعي”، ومدير التصوير”أحمد يوسف” في تصوير حالة الصدمة بواسطة دوران الكاميرا على “ستيدي كام” (كاميرا محمولة) بدورة بانورامية كاملة 360 درجة حول “أمين” بغرض الإيحاء البصري ومحاكاة حالة ضياع وانهيار الشخصية وهو يرفع موبايله أمام عينيه، وكأن الأرض تميد به، وهو يشاهد مقطع خيانة زوجته له، على خلفية أغنية “يا حلاوة على الكرومبة وهلا هالله على الكرومبة”.

إذن لماذا صعدت “دراما كوين” أبلة فاهيتا ” لقائمة أهم 10 مسلسلات على “نيتفليكس” مصر؟
يحتشد “دراما كوين أبلة فاهيتا” بعناصر حرفية درامية عالية الجودة أهلته للتربع على قمة عرش قائمة المسلسلات العشر الأكثر مشاهدة على منصة نيتفليكس، متفوقا على العديد المسلسلات الأجنبية وسنحاول تسليط الضوء على بعض السمات الحرفية والفنية التي أهلت “دراما كوين” لتلك المكانة:

الإيقاع والسرد والتوليف

فاهيتا وبودي
فاهيتا وبودي
الدراما فعل والكوميديا إيقاع

ما ساهم في تماسك كوميديا “دراما كوين”، هو عدد الحلقات المحدود (6 حلقات) وزمنها المحدود الذي لا يزيد عن 20 دقيقة، أي قرابة الـ 120 دقيقة، أي أن “دراما كوين” أقرب إلى زمن فيلم سينمائي لا مسلسل، مما ساهم في تماسك إيقاع المسلسل وعدم وقوعه في فخ الترهل والتكرار، بفضل تراكم خبرة المخرج “خالد مرعي” كمونتير للعديد من الأفلام المصرية.

المونتير هو من يقوم بمونتاج الفيلم؛ أي المسؤول بمعاونة المخرج عن تركيب وتوليف وترتيب لقطات ومشاهد وفق سردية زمنية وفقاً للسيناريو مع حذف أو اختزال أو إطالة مشاهد أو لقطات حسب التأثير الدرامي /الانفعالي/النفسي المرغوب إيحائه للمشاهد سواء كان تأثيراً كوميدياً أو عاطفياً أو ترقباً أو تشويقاً أو رعباً.. إلخ

ومن هنا تتجلى جدارة المخرج السردية (بالتعاون مع المونتيرين خالد سليم، حسام المصري) في حسن توظيفهم لتقنية “المونتاج المتوازي” في سرد الأحداث بصورة تشويقية خاصة في مشاهد هروب “فاهيتا” من كباريه “خرابيش” عقب وقوع جريمة قتل “فايز مانجه”.

المونتاج المتوازي هو تقاطع مشهديين دراميين يحدثان في نفس الوقت بالتزامن، لا التعاقب، ومثاله الأشهر هو؛ مشاهد قتل زعماء المافيا الخمسة الكبار بالتوازي مع مشهد تعميد مايكل كورليوني للطفل في الكنيسة، كناية على تعميده هو زعيماً للمافيا في فيلم “الأب الروحي” 1972 للمخرج فرانسيس فورد كوبولا .

ففي مشاهد هروب فرار أبلة “فاهيتا” وتخليها عن أبنائها، نرى تضافر عدة أقسام فنية على نحو متميز:  موسيقى “حسن الشافعي” المعبرة عن حالة الضياع والأسى، والتيف بتوظيف رائع للوتريات، ومهارة تحريك الدمى بصورة رقيقة للإيحاء بالخذلان وهي تهتف بصوت خافت “مامتي” ثم تطرق رأسها في أسى.

كل ذلك بالتوازي مع جودة شريط الصوت وبراعة مكساج  “طارق علوش” ونعومة الانتقالات الصوتية والموسيقية ومستوياتها؛ بدءاً من هروب “أبلة فاهيتا” بجوار العروسة وتصاعد أصوات الزغاريد والكلاكسات والزفة بالتوازي مع وتريات الموسيقي لإضفاء حالة من الشجن والشفقة والتعاطف مع الشخصيات، وصولاً لاكتشاف “فاهيتا” ضياع أولادها في الكباريه، بالتزامن مع مطاردة بلطجية “أمين” لـ”فاهيتا”.

يعقب ذلك مشهد “مونتاج متوازي” مع تحريك الدمى والتصوير وشريط الصوت، يبدأ بمشهد الضياع بأعلى صوت أغنية وردة  “ليالينا”: “وتاهت بينا تاهت ليالينا” بالتزامن مع رؤية انعكاسات وجه “أبلة فاهيتا” الهاربة على نوافذ السيارات، وبراعة مدير التصوير “أحمد يوسف” التي تجلت في مشاهد اقتراب الكاميرا بحركة Track In من “كارو” العالقة في الكباريه وفي حضنها “بودي” على خلفية كلمات الأغنية “مشينا وأدينا من غير أهالينا” تنعي خذلان أمها “فاهيتا” وتخليها عنهما بينما نرى تخبط “فاهيتا” في الشوارع.

حيث نرى “فاهيتا” وقد جرى تصويرها، في إطار التوظيف اللوني للألوان الدافئة المحاكية لضوء كشافات الشوارع “التانجستون” الصفراء الأميل إلى البرتقالية الدافئة والكابية، لإضفاء حالة من الشجن على المشهد، وتوظيفه حركة الكاميرا Track in لمتابعتها من ظهرها بخطواتها المتعثرة في شوارع القاهرة، تأكيداً لحالة اضطراب الشخصية وضياعها وحالة التيه المهيمنة على المشهد.

الديكور والملابس

أبلة فاهيتا
أبلة فاهيتا

في سياق موازٍ كان Production Design الإشراف الفني لمهندس الديكور “محمد عطية ” أبلغ الأثر في التنقل بنعومة بين حالات الشجن والمرح والترقب والغموض من الكباريه إلى بيت “فاهيتا” إلى المسرح، مع المحافظة على حالة عامة من البهجة البصرية التي تصاحب عادة الأعمال الكوميدية تعكسها الألوان الصاخبة؛ حيث تنوعت ألوان الديكور والملابس بين الألوان الدافئة الموف والأحمر والبينك على أوراق الحائط وفي الكباريه تحديداً، والفساتين البراقة في استعراضات وبدل الرقص بالتنسيق مع مصممة الأزياء ياسمين القاضي.

في هذا السياق تجدر الإشارة إلى تصميم الديكور والإكسسورات بأحجام أصغر للإيهام بأن الدمي تتحرك في محيط طبيعي أقرب إلى الديكور الطبيعي للبشر، مما أراح عين المشاهد وساهم في الانتقال بانسيابية ما بين مشاهد بيت “أبلة فاهيتا” والكباريه مراعاة النسبة والتناسب بين أحجام الدمى وحركتها داخل حيز الديكور وارتفاعاته وأطوال الممثلين/ات بالتوازي مع حسن توظيف مدير التصوير للعدسات المقربة لضمان التناسق والانسجام بين الاطوال وانتقالات المشاهد واللقطات، وهو الأمر الذي ضمن  الانتقال بانسيابية من مشاهد الدمى لمشاهد الممثلين البشر بأحجامهم الطبيعية دون تنافر.

صيغة إنتاجية براجماتية

دراما كوين أبلة فاهيتا
دراما كوين أبلة فاهيتا

ربما كان نواة المشروع صنع فيلم، ولعل صيغة المسلسل الإنتاجية الـ Mini Series  محدودة الحلقات هي ما مكنته من الحصول على التمويل اللازم من “نيتفليكس” لإنتاجه وخروجه إلى النور.

كما ساهم عدم وجود نجم/ة من صفوف الصف الأول من حلقات “دراما كوين”، بأجر كبير يستحوذ على الحصة الأكبر من ميزانية العمل، في توفير ميزانيته للصرف على باقي العناصر الفنية خاصة عناصر الإشراف الفني والديكور وتحريك الدمى والملابس والإكسسورات والموسيقى، بالإضافة إلى إفراد مساحات متميزة لنجوم تمثيل الصف الثاني والثالث أحسنوا استغلالها وشغلوها ببراعة؛ مثل باسم سمرة في دور “أمين” أو أسامة عبد الله في دور “فايز مانجه” أو دنيا ماهر في دور “سماح الفل” أو زينب منصور في دور “الحاجة وفاء”.

خاتمة

على مدار تاريخ الفنون كانت السخرية والهزل غطاءً مقبولاً لتمرير كافة الانتقادات للأوضاع الاجتماعية وأداة حقيقية للتغيير الاجتماعي، تغلفها إشاعة البهجة وإثارة الضحكات، فقضية المساواة وتكافؤ الفرص بين المرأة والرجل، يمكن تناولها بسهولة في قالب جاد، لكن الأصعب هو تناولها في إطار كوميدي رومانسي على غرار فيلم “مراتي مدير عام” 1966 للمخرج فطين عبد الوهاب.

“أبلة فاهيتا” هي المقابل النسوي لشخصية “الأراجوز” تحاكيه في تعليقاته الساخرة من المجتمع ونقائصه، أداتها الحقيقية لإثارة الضحك هو فن “البارودي” (المحاكاة الهزلية) التي تمرر من خلالها كافة انتقاداتها وأفكارها بطرافة وسلاسة، فيما تواطأ مجتمع المتفرجين مع “الدمية” تواطؤا إيجابيا سواء باعتبارها شخصية حقيقية، أو حين قام صناع العمل باستبدالها بالمذيعة “بوسي شلبي”، فاندمجوا في لعبة الإيهام /الفرجة وصدقوا أن أصحاب الكباريه صدقوا أن الدمية هي بوسي شلبي، مما يعكس توقاً شديداً للهزل والضحك، والتعاطف مع شخصيات مرسومة بموضوعية وحرفية عالية تجنب صانعوها الوقوع في فخ التنميط والشخصية الأحادية.

“دراما كوين” تعيد الاحتفاء بالأمهات والنساء والفتيات، كتحية مرحة للأنثى، تعيد الاحتفاء بها في المقام الأول على نحو شديد الإنسانية والعذوبة.

إسلام ميلّبا

مخرج سينمائي وكاتب مصري

يوسف الحريري

صحفي وكاتب مصري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى