وجهات نظر

أبو تريكة.. كم أنت لطيف فقط!

محمد السيد الطناوي

شاهدت، مثل كثيرين، الفيديو القصير المنتشر على مواقع التواصل الاجتماعي لأبو تريكة وهو يختار مكان جلوسه لمشاهدة مباراة الأهلي وبايرن ميونيخ في بطولة كأس العالم للأندية ويصحبه من يبدو أنه أحد المنظمين، وخلف الاثنين كاميرا تسجل ما يحدث، ليشير نجم الأهلي السابق إلى مدرجات “الثالثة شمال” وسط الجماهير، وليس كما هو متوقع في المقصورة الرئيسية مثلا أو حتى بمكان مميز، ليدفع هذا محبيه إلى الثناء عليه لتواضعه ولأخلاقياته الرفيعة التي عهدوها فيه دوما.

من وجهة نظري، مفردة “لطيف” كانت تفي بالغرض، وهي أكثر دقة من صفة التواضع وربط سلوك النجم الرياضي بـ”الأخلاقية”، فكلمة “لطيف” تشيع في استعمالنا لوصف السلوك الظاهري بغض النظر عن نية الشخص أو غرضه من الفعل، وإن حرّض الإلحاح على معاني التواضع والأخلاقية لدى النجم الكبير على أن يتمسك أكثر بتلك الصورة بعدما عززت محبته في قلوبهم، ليصبح أكثر لُطفا، وهو نذير بالمبالغة والتكلف الذي بدا واضحا في الفيديو وإن تغافل عنه المحبون.

هاتان الصفتان كانتا أظهر في “بوست” كتبه أبو تريكة قبلها بأيام موجها التحية لشهداء الأهلي في أحداث بورسعيد 2012: “المجد لمن ضحوا بأعمارهم من أجل الكيان، لمن عشقوا النادي الأهلي من أجل الأهلي، لمن يستحقون الذكرى مدى الحياة…”.

شارك كثيرون “البوست” مصحوبا بتعبيرات الإعجاب وعبارات المحبة لصاحبه، متغاضين عما يشف عنه الكلام من مبالعة وتكلف، وإن كانت المحبة ليست سببا وحيدا للتغافل، فإبصار المعاني النبيلة يكون عادة أكثر إمتاعا للعقل من بذل الجهد في الكشف عما يتوارى وراء اللفظ،  وما إذا ما كان صادقا وصحيحا، وهو بالطبع ليس كذلك، فالشباب الذين استُشهدوا في أحداث استاد بورسعيد ماتوا مغدورين ولم يضحوا من أجل “الكيان”، ولو كان كما يصف أبو تريكة أنهم “ضحوا بحياتهم في سبيل تشجيعهم مجموعة من اللاعبين متواضعي المستوى يلعبون مباراة لا قيمة لها” لكانوا “سفهاء”.

التلبيس يمتد أيضا إلى كلمة “الكيان”، الذي يستحق أن يُضحَّى من أجله بكل عزيز حتى النفس، وإذا كان “الكيان” قد بلغ هذه المرتبة التي لا يبلغها عند الناس إلا الوطن أو الدين، فالنجم الأبرز يقوم إذن مقام الزعيم خالد الذكر أو النبي المرسل!

وهناك من رواد مواقع التواصل من تنبه للمبالغة التي يحملها البوست، ولدى التعبير عن ذلك لم يُقابل إلا بالهجوم والسخرية ليصبح في أعين عشاق “الكيان” شخصا غيرَ لطيف، بما أنه كشف عن معنى لا يوافق هواهم ولا يبتز عواطفهم، وفي هذا إشارة دالة إلى أن هؤلاء وغيرهم ممن يتحكم السائد المُغوي في سُلم القيم لديهم مرشحون لفقدان الذات عند تغير السائد.

شيوع هذه الصورة تفيد معنى خطيرا، أن المجتمع لا تنظم معاملاته قيمة العدل، بل هي المهارة أو لعله التحايل في أن أتلطف إليك لتوافقني الرأي، ليكون مدار الأمر كله اللطافة.

كان هيدجر يردد دائما أن “اللغة أخطر النعم”، فهي القادرة على خلط المعايير وخلق الوهم، فعبر اللغة يمكن أن تبتدع صورة وهمية وتضعها مع الوقت في مرتبة القداسة.. هي “خطر الأخطار جميعا” عندما أودعها الإنسان أوهامه وأمسى يفكر من خلالها، لتُملي على المرء أفكاره وأفعاله، فتتحول الفرقة الرياضية إلى “كيان” والتسلية بالفرجة عليها وتشجيعها إلى موقف عقائدي يستحق التضحية بالنفس، وبالتبعية يستحيل نجوم الفرقة البارزين إلى زعماء ورسل.

تذكرت كذلك لدى مشاهدتي فيديو أبو تريكة مقولة فرنسية نصها: “يعطي نفسه في مشهد”، وهي تعبير يشير إلى مسرحة الحياة الشخصية، فبدلا من أن نرى مشهدا، مثل الذي عرضه لنا نجم الأهلي على المسرح أو ضمن مسلسل أو فيلم، قدمه لنا أبو تريكة من خلال مسرح الحياة.

لستُ أنزع عن النجم الكبير بكلامي ما استهدف الفيديو تأكيده من تواضع وبساطة اتسم بهما أبو تريكة منذ بداية مشواره الرياضي، إنما حديثي إشارةٌ إلى ما طبع عصرنا من نزوع إلى “الفرجة” في مجتمعها، مجتمع الصورة والفضائيات ومواقع التواصل الاجتماعي، الفرد فيه صورة يجري إعدادها وإخراجها، يمسي الجميع صورا وتُنسج الروابط الاجتماعية بناءً عليها، والمظهر هو وحده المهم.

وفي حين تتقدم القيمة الجمالية (لطيف، جميل، قبيح..)  كمعيار للحكم على الأمور والأشخاص، تتوارى كل من القيمة الأخلاقية (الخير والشر، الصحيح والخاطئ..) والقيمة الأبيستمولوجية (الصدق والكذب)، وبما أن الكل صورهم معدة جيدا فالجميع لطفاء وأخيار ووطنيون…، وإذا كانت المسرحة هي المسيطرة على المجتمع لكن بخلاف المسرح لا وجود للأشرار وغير اللطيفين، فالكافة لطفاء تماما مثل أبو تريكة.

Mohamed.altanawy1@gmail.com

محمد السيد الطناوي

كاتب مصري Mohamed.altanawy1@gmail.com

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى