زوايا

أبو رجيلة.. إمبراطور الأتوبيسات وعاشق الزمالك

حينما شهد مسجد عمر مكرم بوسط القاهرة عزاء عبد اللطيف أبو رجيلة في أبريل 1991م، حضره عددٌ كبير من الرموز السياسية والاقتصادية والدينية، فقد كانت مشروعاته تزخر بالحياة والنجاح في أرجاء كثيرة من العالم.. في إيطاليا والمغرب ونيجيريا وألمانيا والسودان، فيما كان التأميم قد ابتلع كل أمواله وآماله في بلده!

قبل ثلاثين عامًا على هذا العزاء، كانت لشركته قرابة 300 أتوبيس تجوب شوارع القاهرة، وتُقِل 13 مليون راكب شهريًّا، لكنه سلَّم كل ذلك للدولة مضطرًا حين ظهرت قرارات حازمة لتأميم 271 شركة ومصنعًا في أحد أيام 1961م!

لم تقتصر إمبراطورية عبد اللطيف أبو رجيلة على النقل العام، إنما امتدت إلى البنوك والتجارة والصناعة.. والأهم في مسيرته ما قدَّمه لنادي الزمالك.

أبو رجيلة.. أصول العائلة

عائلة أبو رجيلة أصلُها من مركز إسنا بمحافظة الأقصر، وهي فرع من عائلة راجح، وأبناء عمومتهم عائلتا: عبد المنعم، والغندور.

وُلِد عبد اللطيف عام 1908م في أم درمان، حيث استقر جَدُّه في السودان، حين عمل هناك قاضيًا للوالي محمد علي، أما والده الحاج عبد الراضي فقد عمل في تجارة الحبوب بالسودان، وأحيانًا كانت تجارته تمتد إلى مصر.

بعد أن أتمَّ عبد اللطيف تعليمه الأَوْلي بالسودان جاء إلى القاهرة والتحق بالمدرسة السعيدية الثانوية بالجيزة، وفي جامعة فؤاد الأول، التحق بكلية التجارة، وكان يُنفق على نفسِه من خلال عمله بالتجارة التي كان يعمل بها على نطاق ضيق مع بعض أقاربه .

بعد تخرجه التحق بالعمل في بنك مصر.. وكان يعتبر نفسَه تلميذًا في مدرسة طلعت حرب، الذي كان يضع ثقتَه في الشباب، ويُؤمن بأن النجاح كهدفٍ ينبغي أن يسبق الثروة.

وقد جرى ترجمة تلك الثقة من جانب طلعت حرب، حينما اختار أبو رجيلة لكي يكون وكيلاً له وللبنك بفرع بور سودان عام 1934م.

بدأ عبد اللطيف أبو رجيلة رحلة العمل الخاص، تحديدًا في الاستيراد والتصدير، وكان رأسماله متواضعًا جدًّا، فاشترى آلة كاتبة ومكتبًا وطوابع بريد، وعيَّن موظفًا ليعاونه بمرتب لا يزيد على خمسة جنيهات في الشهر، وانطلق في مشروعه الجديد.

عبداللطيف أبو رجيلة
عبداللطيف أبو رجيلة

كان يُتاجر في كل شيء، وبرع في تجارة القمح والسمسم والعدس، ثم عرف طريقه إلى الصفقات الكبيرة.. ومضى في طريقه حتى ربح الكثير، وفجأة اندلعت الحرب العالمية الثانية، وكانت معظم ثروة أبو رجيلة في مواني إيطاليا عبارة عن كميات كبيرة من البضائع.. فضاع كل شيء بسبب الغارات التي طالت بالدمار معظم الأراضي الإيطالية.

صار “أبو رجيلة” على “الحديدة”! لكنه لا يعرف اليأس، فما هي إلا سنوات معدودات حتى وصل إلى القمة مجدَّدًا.

أبو رجيلة.. من الإفلاس إلى إيطاليا

بعد ذلك، انتقل “أبو رجيلة” إلى الإقامة في إيطاليا، وهناك تعرَّف على “ليندا”، التي قال عنها: “لقد تزوجتُها لأنها صعيدية إيطالية”! وكانت من منطقة “كالابريا” في الجنوب الإيطالي، ولم يُنجبا أولادًا.

ومع استقرار أوضاعه هناك، وعمله وكيلا لشركات كبيرة، طلبت منه الحكومة المصرية المساعدة في إتمام صفقات سلاح للجيش المصري قبل حرب فلسطين 1948م، وبالفعل أتمَّ أبو رجيلة بعض تلك الصفقات من مصنع “بومبريني”.

وفي هذا الصدد كتب إحسان عبد القدوس في مايو 1950م عن صفقات الأسلحة الفاسدة قائلا:

“إن المليونير عبد اللطيف أبو رجيلة، الذي يملك علامات تجارية قوية مع الشركات الإيطالية، قد كوَّن ثروة على حساب الشهداءِ من رجال الجيش، وإن زوجة أحد ضباط الجيش المصري المُكلَّف بالعمل في تلك الصفقات قد حصلت على نسبة كبيرة من الأرباح، وإن اليهود أنفسهم كانوا يتصيَّدون هؤلاء السماسرة في أوروبا، لعقد الصفقات معهم.. وبذلك حدث تلاعب في تلك الصفقات”!

ظل “أبو رجيلة” يواجه حكمًا غيابيًا بالحبس على ذمة تلك القضية -كان يعيش حينها في إيطاليا- إلى أن جاءت ثورة يوليو وفتحت ملف القضية مُجدَّدًا، وثبت أنها بلا أسانيد قانونية، ولا أساس لها على أرض الواقع فأغلقتها تمامًا.

وانتهت تلك الحملة -بعد سنوات من الشوشرة والأحكام الغيابية- إلى لا شيء، لكنَّ البعض ذهب إلى أن نقص التدريب القتالي، وعدم الجاهزية للتعامل مع الأسلحة.. كانت السبب في هزيمة 1948، إضافة إلى أنها كانت قضية سياسية بالأساس.

كان الاستقرار في مصر والاستثمار فيها أهم ما يشغل عبد اللطيف أبو رجيلة، برغم كثرة أسفاره ومشاريعه هنا وهناك.. وعندما حقَّق ثروة مقبولة في إيطاليا عاد إلى مصر للمرة الأولى عام 1949م، واشترى قطعة أرض في وسط القاهرة تبلغ مساحتها ستة آلاف متر في المنطقة الواقعة بين شوارع: سليمان باشا (طلعت حرب)، ومعروف، وشمبليون، وعبد الحميد سعيد.

اشترى مزرعة تبلغ مساحتها 400 فدان في منطقة عين شمس (والمِلْكية الأخيرة لا تزال إلى الآن خاضعة لنزاع قضائي بين ورثة أبو رجيلة من أبناء أخيه والحكومة المصرية)، حيث ترفض الحكومة إعادة تلك الأرض أو ما تبقَّى منها إلى الورثة.. وفي المقابل تركتها لواضعي اليد، ولصوص الأراضي!

ملك الأتوبيسات.. داعم الجيش المصري

لم يتردد أبو رجيلة في تقديم الدعم للجيش المصري بعد ثورة 1952م، وقد اقترب من ضباط الثورة، خاصة من: عبد اللطيف البغدادي، وحسن إبراهيم.

وخلال العدوان الثلاثي على مصر بادر بوضع جميع حافلات شركته تحت تصرف القوات المسلحة، وتكفَّل بمسؤولية تموينها ودفع أجور سائقيها، كما عمل لاحقًا على مساعدة مصر من خلال تسهيل استيراد السلاح من أوروبا، خاصة من إيطاليا، مع تمويل تلك الصفقات بإيرادات مشروعاته وتجارته هناك.

لكنَّ “أبو رجيلة” وزوجته “ليندا” غادرا مصر مرة أخرى إلى إيطاليا، بعد شهور معدودة من قيام ثورة يوليو! وفي عام 1954م تم اختيار عبد اللطيف البغدادي وزيرًا للشؤون البلدية، وكان لذاك القرار أكثر من جانب، فقد أرادت الثورة أن يشعر الشعب بأعمالها في المدن والريف، لذلك انتقوا واحدا من قادة صفوفها الأوائل للقيام بتلك المهمة.

جاء القرار أيضًا، في إطار تهميش قادة الثورة وإبعادهم عن أعمال الجيش والقيادة العليا.. علمًا بأن ذلك الاختيار تم خلال المواجهة القوية بين عبد الناصر ومحمد نجيب، والتي انتهت بعزل الأخير وتحديد إقامته.

فهِم “البغدادي” تلك الرسائل جيدًا وقبِل التحدي، وبدأ تنفيذ عدة مشروعات ضخمة، تميَّزت بالسرعة في تنفيذها، وإعجاب الشعب الشديد بمستواها، وكان من أبرز تلك الأعمال تسيير المواصلات العامة، وشق الطرق الرئيسية في مختلِف المحافظات.. وقد خلقت تلك المشروعات شعبية واسعة، واستدعت في الوقت ذاته محاولات للتشكيك في أهدافها، خاصة من الرئيس عبد الناصر.

وكان من ضمن المشروعات التي خطَّط لها البغداديُّ تطوير أتوبيس القاهرة، فاستدعَى “أبو رجيلة” لتولي الأمر، وقد وافق الرجل على الفور، وقام بضخ استثمارات ضخمة لإنشاء وتطوير ذلك المرفق الحيوي، الذي كانت تتولاه شركات أجنبية من قبل أو مصرية بصورة غير محترفة.

وقد وصل ذلك المرفق على يدِ “أبو رجيلة” إلى مستوى لم يسبق له مثيل من: النمو والنظام والكفاءة في الأداء.. كان ينقل 13 مليون راكب شهريًّا من خلال شركة يعمل بها أربعة آلاف موظف، وبفضله عرفت القاهرة الأتوبيسات الأوروبية الفاخرة، وأشهرها مرسيدس!

وكانت الشركة الألمانية تُقِّدر ذلك المليونير المصري جيدًا، بل تحرص على متابعة عمليات الصيانة التى تجري في ورشه، وكثيرًا ما أشادت بمستوى تلك الصيانة، ومما يجدر ذكرُه أن ممثلين عن شركة مرسيدس قد شاركوا في عزاء “أبو رجيلة” عام 1991م.

قدَّمت شركة “أبو رجيلة” أيضًا خِدْمة جيدة وعصرية، لدرجة أنها قامت بتوظيف عدد من السيدات إلى جانب الرجال للعمل “كُمسريات” في الأتوبيسات.. وهي الفكرة التي تجسَّدت سينمائيًا في فيلْم “الكُمسريات الفاتنات”!

وكانت سيارات شركته نظيفة جدًّا، حيث يجري غسلُها يوميًا بالمطهرات، مع مداومة نظافتها على مدار اليوم، وكان أبو رجيلة يتخفَّى وسط الركاب ليُحدِّد بنفسه مستوى الخدمة والنظافة ودِقَّة المواعيد، كما كان لديه خبراء متخصصون في جودة الطرق، وكانوا يمرون بانتظام لحساب عدد المطبات والحُفَر، والعمل على إصلاحها فور ظهورها!.

أيضًا بنى “أبو رجيلة” أكبر جراجين في مدينة القاهرة، أولهما: عند مدخل العتبة “على مساحة 13 فدانا”، والثاني: بقرب نفق الجيزة، كما اشترى جراجا ثالثًا في حي بولاق كان مِلْكًا لشركة “أمنيبوس”.

وخلال عامين فقط، وصلت سياراته، التي تجوب شوارع القاهرة، إلى 300 أتوبيس.. وفْقًا لما قاله هو في بعض المقابلات الصحفية، لكن عائلة أبو رجيلة تقول إن ما تم تأميمه من أسطول الشركة بلغ 400 سيارة، إذا أُضيفت له بعض “التروللي باص”، وسيارات الخِدْمة التي كانت تمتلكُها الشركة!

أبو رجيلة والزمالك

بعد عامين من انطلاق شركة الأتوبيس، تولَّى “أبو رجيلة” رئاسة نادي الزمالك، وبالتحديد في عام 1956م، وخلال توليه رئاسة النادي حصل الزمالك لأول مرة في تاريخه على بطولة الدوري برغم تأسيسه من عام 1911م!

وفي تلك الفترة أيضًا ارتفعت ميزانية النادي من 6 آلاف جنيه إلى 18 ألف جنيه، وتوسَّعت المنشآت به، وقد تبرع “أبو رجيلة” بمبلغ كبير لبناء مقر نادي الزمالك الحالي في منطقة “ميت عقبة” بمحافظة الجيزة عام 1958م، بعد أن كان مجرد ثلاث غرف ومُدرَّجًا خشبيًّا مكان مسرح البالون في منطقة العجوزة!

ومن خلال فكرة مبتكرة بينه وبين الشركات التي كانت تُورِّد البنزين لسيارات شركته، عمل على توفير عشرة آلاف جنيه لبناء استاد الزمالك الحالي، الذي لا يزال يَحمِل اسمَه إلى الآن .

وكان نادي الزمالك محظوظًا للغاية، بأن تولَّى رئاسته اثنان من كبار رجال الأعمال الذين أسهموا في نهضته وبنائه، وهما: عبد اللطيف أبو رجيلة، وحسن أبو الفتوح.

ملعب عبداللطيف أبو رجيلة
ملعب عبداللطيف أبو رجيلة بنادي الزمالك

لم يَدُم عطاء “أبو رجيلة” طويلاً في مصر، فبعد سبع سنوات فقط من إطلاق شركته للأتوبيس، جاءت قرارات التأميم لتجرف أحلامه، وتصدم أتوبيساته، وتصادر معها كل ممتلكاته.. وصولاً للجراجات والأراضي، فانتقل مجدَّدًا للإقامة في روما، وبعد ذلك توزَّعت استثماراته في عواصم أوروبية وعربية وإفريقية.

وخلال حكم جعفر النميري للسودان، استدعاه بيت خبرة بلجيكي ليضع حلولا عملية لمشكلة المرور التي تُعاني منها العاصمة السودانية، وكان “أبو رجيلة” يحمل الجنسية السودانية حينئذ، فأسَّس شركة أتوبيسات هناك أيضًا، لكنها عانت بعد ذلك من المصادرة والمشاكل القانونية.. مع تغيُّر الأنظمة السياسية هناك.. وفي التراث الفني السوداني هناك أغنية مطلعها: “الليلة..  الليلة.. باصات أبو رجيلة”!

في مصر استقر مُجدَّدًا أبو رجيلة ليُشارك في تأسيس بنك الأهرام مع كلًّ من: حسام أبوالفتوح، وعبد السلام فهمي، وعلى الفقي عام 1980م، وكان رئيسًا لمجلس الإدارة لكن تُجار العملة كانوا سببًا في إفلاس ذلك البنك مع بنوك أخرى .

وقام “أبو رجيلة” بدفع مستحقات المساهمين والمودعين من أمواله الخاصة، وكان ذلك آخر أعماله في مصر .

بعد صراع قصير مع المرض في أحد مستشفيات سويسرا تُوفِّي عبد اللطيف أبو رجيلة في أبريل عام 1991م، وتم دفنه في مصر.

شجرة عائلة أبو رجيلة

عائلة أبو رجيلة أصلها من إسنا بمحافظة الأقصر، ولا تزال الأغلبية من فروعها تعيش هناك.. ولديهم منازل عريقة جدًّا يحافظون عليها ويحفظون تاريخها جيدًا.. وكان عبد اللطيف وسط رحلاته للشمال والجنوب يعتزُّ بـ”إسنا”، وبمنزل عائلته فيها، وقد أنفق على المشروعات الخيرية في بلده بسخاء، ولا تزال بعض هذه المشروعات تحمل اسمَه إلى الآن.

ويصعُب حصر فروع العائلة الكبيرة حاليًا، لكن الملفت أن غالبية العائلة تُشجِّع نادي الزمالك! ومحمود أبو رجيلة -نجم الزمالك في ستينيات القرن الفائت- ليس أحد أفراد العائلة، لكنه كان يعمل في جراج الأميرية، واكتشف عبد اللطيف أبو رجيلة موهبتَه في كرة القدم، فقدَّمه للنادي، وحمل اسم “أبو رجيلة”.. بل ورَّثه لعائلته أيضًا!

ولعبد اللطيف عبد الراضي أبو رجيلة شقيقان، هما: عبد العال، وعوض.. وقد دخل شقيقا أبو رجيلة، وكذلك أبناؤهما في صراعٍ مع الدولة لاسترداد أملاكه بعد تعطيل قرارات التأميم.

 

المصادر:

– مصطفى بيومي: سلسلة رواد الاستثمار
– د. ياسر ثابت: قصة الثروة في مصر
– مذكرات عبد اللطيف بغدادي: المكتب المصري الحديث
– حوارات ومعلومات من عائلة أبو رجيلة، وبالتحديد مع الأستاذ/ عبد الرؤوف أبو رجيلة، ابن شقيق عبد اللطيف أبو رجيلة

اقرأ أيضًا: ثرثرة حول النيل بالصور.. كيف كانت مصر في سنوات اغتيال السادات؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى