"أبو زيد"

أوحى لـ"روسو" وألهم "فولتير" وصحّح أخطاء "نيوتن"

في عمر السادسة فرّ مع أخيه إلى جبال “سيفنز” بعدما أبت أمه البروتستانتية أن يتلقى ابنها الأكبر التعاليم الكاثوليكية بمدرسته.
كان المذهب الرسميّ لفرنسا حينها، في القرن السابع عشر، هو المذهب الكاثوليكي. وبعد إلغاء مرسوم “نانت” (1685) الذي أتاح قدرًا من الحريات الدينية، ألزمت السلطات الأسر البروتستانتية بتسليم أبنائها لتلقينهم الكاثوليكية. رفضت الأم فأُلقي القبض عليها، بينما قضى الطفلان عامين وهما مختبئين في الجبال. هَرَبَا بعدها إلى سويسرا لبدء حياة جديدة أطلّ عبرها الابن البكر “فرحان أبو زيد”، واحدًا من أهم علماء وفلاسفة التنوير.

الاسم العربي يعود إلى عائلة أندلسية هاجرت إلى فرنسا، وتحولت بمرور الزمن من الإسلام إلى المسيحية لتتبع المذهب البروتستانتي. توفي والد “فرحان” ولم يتخطّ الابن العامين، فربته أمه تحت رعاية الجد تاجر الأقمشة، إلى أن اضطرت الأسرة للهرب لتستقر في جنيف (1689)، فبعدما حل “فرحان” وأخوه الأصغر ببلدهما الجديد، لحقت بهما الأم إثر إطلاق السلطات الفرنسية سراحها بسبب المرض.
الحياة الهادئة الهانئة في سويسرا لم تطوِ خبرة الاضطهاد المبكرة لدى “فرحان”، فالاختباء الطارئ سيغدو دائمًا، والذكرى ستسود المستقبل.

الفيلسوف الفرنسي "بيير بايل" (1647-1706)

تلقّى “أبو زيد” تعليمًا كشف عن نبوغ نادر، فأتقن اللاتينية واليونانية والعبرية في سن صغيرة إلى جانب لغته الأم: الفرنسية، وبرع كذلك في الفيزياء والرياضيات والكيمياء واللاهوت. وفي مطلع التاسعة عشرة من عمره (1698) سافر إلى ألمانيا مستطلعًا الأوساط الثقافية، ومتطلعًا لتحصيل مزيد من المعرفة، ومن ألمانيا إلى بلد ازدحمت وقتها بالمثقفين والمفكرين الكبار من شتى الجنسيات، فرارًا من فخاخ التعصب المذهبي التي انتشرت في غالبية الدول الأوروبية باستثناءات قليلة، في مقدمتها الجمهورية الهولندية.

التقى “أبو زيد” هناك عددًا من أبرز مفكري عصره: “بيير بايل” و”جاك باسينج” و”بيير جوريو”. وثّق “فرحان” علاقته بهم، وقد نُشرت بعد وفاته ثروة من الرسائل المتبادلة مع تلك الأسماء وغيرها من كبار مثقفي التنوير يستفسرون فيها عن مسائل في شتى المعارف، لما اشتُهر عن “أبو زيد” من ثقافة موسوعية وذاكرة لم يكن يفلت من شباكها شاردة ولا واردة.

العالم الموسوعيّ -على غرار أجداده من العلماء الأندلسيين والعرب- كانت له مؤلفات في الفلسفة، وعلم الاجتماع، والتاريخ، وعلم اللاهوت، وعلم مقارنة الأديان، وألمّ بالرياضيات، والفيزياء، والكيمياء، والطب، والفلك، والجغرافيا، والآثار، كما أسهم إسهامًا قيمًا في موسوعة المعارف الشهيرة “الأنسيكلوبيديا”.

السير "إسحاق نيوتن" (1642-1727)

نَشر بعض المقالات الفلسفية والعلمية في عدد من المجلات والدوريات كفل لـ”فرحان” ترحيبًا واسعًا بين النخبة المثقفة في إنجلترا عندما حط رحاله في البلد الأوروبي الكبير، ليلتقي عالمها الأشهر “إسحاق نيوتن”.

تذكر المصادر أن “نيوتن” احتفى بـ”أبو زيد” بعدما نبّهه إلى أخطاء وردت في الطبعة الأولى لكتاب “المبادئ الرياضية للفلسفة الطبيعية” ليدرج “نيوتن” التصحيحات في الطبعة الثانية، كما أقنع “فرحان” عالم الرياضيات والفيزياء الأبرز بخطأ رأي تبنّاه للفيلسوف اليوناني “تاليس” حول ظاهرة الكسوف.

تقدير “نيوتن” للشاب “أبو زيد” بلغ حد أن طلب منه تولّي التحكيم في النزاع الشهير مع الفيلسوف والفيزيائي الألماني “غوتفريد لايبنتز” حول تأسيس علم التفاضل والتكامل.

لم يقتصر إجلال إنجلترا لـ”فرحان” على عالمها الأشهر، فالملك الإنجليزي “ويليام الثالث” رغَّب “أبو زيد” في البقاء، لكن كان متعذَّرًا على الرجل الجزِع من أجواء الشهرة وأعبائها أن يتجاوب مع إغراءات الملك، مفضلًا العودة إلى جنيف.

الفيلسوف الفرنسي "جان جاك روسو" (1712-1778)

نفور “أبو زيد” من الأضواء ونزوعه إلى الانزواء سمة أذاعها صاحب “العقد الاجتماعي” في مقال كتبه اعترافًا بأستاذية “فرحان” وتمجيدًا له، وجاء فيه: “هذا القرن الذي يُعتبر قرن الفلاسفة، لن يمر دون أن يقدم لنا فيلسوفًا بمعنى الكلمة، وإني لأعرف واحدًا فقط من هذا النوع، ومن حسن الحظ أنه في بلدي، وهو الذي عاش شهرة عظيمة دون أن يُعرف باسمه، إنه حقًّا عالم متواضع وحكيم.. إنه “أبو زيد.. الذي ألتمس من شخصه أن يغفر لي زلة قلبي، وأنا أفصح عن اسمه، إنني لا أريد فقط أن أُعرف بشخصكم في هذا القرن الذي لا يليق بمقامكم، بل أريد أن تشرف مدينة جنيف بكم.. لقد عشتم مثل سقراط غير أنه قُتل بأيدي مواطنيه، وأنتم حظيتم بتقدير سكان جنيف”.

مقال “روسو” الذي كان دافعه الاعتراف بفضل “أبو زيد”، رصده عدد من الباحثين لدى إشارتهم إلى تأثر فيلسوف الحرية بآراء “فرحان” عند وضعه “العقد الاجتماعي”. أما إشارة “روسو” إلى زهد “أبو زيد” في تردد اسمه وذيوع صيته فيكشف عن باعث من بواعث انحسار الشهرة عن اسم الرجل الكبير، حيث أورد أحد معاصري “فرحان” أنه لم يكن يسمح أن ترى مؤلفاته النور، وما صادف طريقه للنشر منها كان عبر أصدقائه وجرى دون علمه، وهو ما أيده تشبيه “روسو” لأبو زيد بسقراط الذي لم يكن يُعنَى بتدوين أفكاره بقدر اهتمامه بتلقينها تلامذته ومريديه.

إلى جانب هذا، أُشيع أن ورثة “فرحان” أتلفوا عددًا من مؤلفاته في علم اللاهوت بسبب مخالفتها لمعتقداتهم، وإن نجت بعض كتاباته في هذا التخصص، وفي مقدمتها مؤلفه “خطاب تاريخي حول نهاية العالم”، تعليقًا على سفر الرؤيا، ويُعد أول عمل، في ذلك العصر، استهدف تقويض سلطة الكنيسة. قدم “أبو زيد” من خلاله قراءة مختلفة عارضت بعض الآراء الراسخة حول عقيدة التثليث وألوهية المسيح ومعجزات الأنبياء.

بعد عودة “فرحان” إلى جنيف ألحت عليه جامعتها في قبول كرسي الأستاذية في الفلسفة (1723)، لكنه اعتذر متحججًا بعدم كفايته لهذا المنصب!، فاستبدلت الجامعة بعرضها آخر، أن يكون مشرفًا على مكتبتها الضخمة، فوافق “أبو زيد” حبًّا وكرامة في المعرفة والبحث الحر، ممتنعًا عن تقاضي أي راتب لقاء عمله، وجعلته وظيفته الجديدة قبلة الباحثين والمثقفين، ومنهم “فولتير”؛ إذ كان الأديب والفيلسوف الفرنسي مقيمًا بالمدينة السويسرية، بعدما رفض الملك “لويس الخامس عشر” السماح له بالانتقال إلى باريس.

الأديب والفيلسوف الفرنسي "فولتير" (1694-1778)

ورُوي عن “فولتير” أن أحد مواطنيه زاره، وفي معرض مجاملته للفيلسوف الفرنسي قال الرجل إنه جاء إلى جنيف بغرض مقابلة شخص عظيم (يقصد فولتير)، فرد عليه الأخير: هل قابلت “أبو زيد”؟، في إشارة إلى أنه إذا كان ثمة من يتصف بالعظمة في المدينة فهو أمين المكتبة، الذي أفاد “فولتير” كثيرًا في أعماله التاريخية.

عاش “فرحان”، كما تروي سيرته، حياة بسيطة تعادل بساطته وتواضعه، متدينًا عن قناعة، زاهدًا من غير تقشف، فاضلًا دون تكلف، لكنه أخطأ -كما ذهب المؤرخ الإنجليزي “فرانك فوستر”- في قصر علمه وحكمته على عدد قليل من الذين اتصلوا به، وهو وإن كان كما شبهه “روسو” بأنه سقراط عصره، لكنه لم يوهب تلميذًا مثل أفلاطون يخلد سيرته ورؤاه بعد وفاته (1767).

Edit

ــ 20 mars 1767: mort de l’ecrivain firmin abauzit
https://www.france-pittoresque.com/spip.php?article7479
ــ fiche biographique
https://lumieres.unil.ch/fiches/bio/1648/
ــ abauzit
http://www.cosmovisions.com/Abauzit.htm
ــ Firmin abauzit study archive
https://www.preteristarchive.com/firmin-abauzit-study-archive/ 

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

قصة

محمد السيد الطناوي

مشاركة

أحمد بيكا

غُلاف

Start typing and press Enter to search