في البحث عن هوية زعيم تنظيم “داعش”

أحمد سلطان

صحافي مصري

“بادر مجلس شورى الدولة الإسلامية بالانعقاد، فور التأكد من مقتل أبي بكر البغدادي، وتوافق شيوخ المجاهدين بعد مشورة إخوانهم والعمل بوصية خليفة المسلمين، على بيعة الشيخ المجاهد أبي إبراهيم الهاشمي القرشي، أميرًا للمؤمنين وخليفة للمسلمين”.. بهذه الكلمات المقتضبة التي وردت ضمن كلمة صوتية نُشرت في 31 أكتوبر 2019، للمتحدث باسم “داعش”، أعلن التنظيم اختيار خليفة جديد له بعد مقتل “أبي بكر البغدادي” ووزيره “أبي الحسن المهاجر” في عمليتين عسكريتين منفصلتين في شمال شرق سوريا في السابع والعشرين من الشهر ذاته.

لم يكشف الإعلان عن هوية الخليفة الداعشي الجديد، واكتفى متحدث داعش “أبو حمزة المهاجر القرشي” بالقول إنه علم من أعلام الجهاد، وعالم من علمائه، وأمير من أمراء الحرب، وأحد قدماء الجهاديين الذين انضموا للتنظيمات التي نشأت داخل العراق قُبيل وعقب سقوط نظام “صدام”.

ورغم أن مفردات الخطاب الجهادي السابق تميط اللثام عن جزء يسير من تاريخ “الخليفة الداعشي”؛ إلا أنها لم تحسم الجدل الدائر حوله، حتى بعد ترويج “لجان داعش الإلكترونية” له على أنه رافق “أبا مصعب الزرقاوي الأردني”، مؤسس جماعة التوحيد والجهاد (نواة داعش)، وكان عضوًا بالهيئات الشرعية لمجلس شورى المجاهدين (تشكّل من اندماج عدة فصائل جهادية في يناير 2006)، تمامًا كما كان سلفه “أبو بكر البغدادي”، وعلاوة على ذلك فهو أحد القيادات العسكرية والقرشية لتنظيم داعش، وأن خليفة التنظيم الراحل اختاره ليعقبه في حال قُتل.

ومع حالة الضبابية التي غيمت على الهوية الحقيقية لـ”الهاشمي”، راجت أقوال وتكهنات عديدة عنه، فذهب بعض الخبراء إلى أنه “أبو إبراهيم الزيدي”، نعمان سلمان منصور الزيدي، (عضو مجلس شورى تنظيم دولة العراق الإسلامية، النسخة الأسبق لداعش، ووالي الأنبار، الذي قُتل خلال اشتباك مع القوات الأمنية العراقية قرب مدينة هيت، 180 كم غرب بغداد، في عام 2011)، ولم يشفع الموت للرجل عند هؤلاء الخبراء، في ظل شح المعلومات المتوافرة، فأعادوه للحياة ونصبوه أميرًا على التنظيم الإرهابي!

ورجّح آخرون أنه “حجي عبدالله قرداش” أو “أبو عمر قرداش التركماني”، نائب أبي بكر البغدادي ورئيس اللجنة المفوضة لإدارة شئون التنظيم، وأمير ديوان الأمن العام. وعزز هذا الطرح إعلان الولايات المتحدة الأمريكية عبر برنامج مكافآت من أجل العدالة أن “خليفة داعش” هو “حجي عبدالله قرداش” أو “أمير محمد سعيد عبدالرحمن عبدالمولى الصلبي”، الذي وصفته بـ”منظر وشرعي داعشي” الذي ساهم في تبرير قتل واختطاف عناصر الأقلية الإيزيدية في عام 2014.

وراهن برنامج “مكافآت من أجل العدالة” على صحة معلوماته بـ10 ملايين دولار وضعها لمن يُدلي بمعلومات تؤدي لاعتقال أو قتل “حجي عبدالله”، لكن يبدو أن الولايات المتحدة ستخسر هذا الرهان، لا سيما إن كانت تُسخر جهودها وجهود حلفائها الاستخبارية والعسكرية للبحث عن الشخص الخاطئ، كما سنبين.

عبدالله قرداش "الميت".. هل هو خليفة الإرهاب؟

بالطبع لا يمكن أن نعرف المصادر الاستخبارية التي اعتمدت عليها الدوائر الأمريكية المعنية، أو منهجية جمعهم للمعلومات عن قيادة داعش العليا، لكن وبغض النظر عن كل ذلك، يبدو أن الإدارة الأمريكية وقعت في خطأ لا يقل فداحة عن خطأ من أعاد “أبا إبراهيم الزيدي” للحياة ونصّبه أميرًا لداعش.

فحجي “عبدالله قرداش” ميت هو الآخر، باعتراف داعش نفسه قبل مقتل “البغدادي”. ففي تقرير نُشر بصحيفة “النبأ” الأسبوعية الداعشية بتاريخ 1 أغسطس 2019، أكد التنظيم مقتله وأشار لاسمه متبوعًا بـ”تقبله الله”، وهذا الدعاء يستخدمه في رثاء قادته المقتولين. كما أقرت ابنة “قرداش” التي اعتقلتها القوات الأمنية العراقية في وقت سابق بمقتله. لكن يبدو أن أحدًا لم ينتبه لهذا عن قصد أو عن غير قصد.

صحيفة النبأ الداعشية تعترف بمقتل "قرداش"

وإذا قررنا أن نساير من زعم أن “قرداش” هو الخليفة الداعشي الحالي، وأنه لم يُقتل، وأن إعلان مقتله خدعة داعشية جديدة؛ فسننتهي للإقرار أيضًا بأن “قرداش” ليس “هاشميًّا”، إذ إن الأول مبتور الرِّجل اليُمنى كما يكشف “أبو عيسى المصري”، الشرعي السابق بداعش، في رسالة نقدية له نشرتها مؤسسة التراث العلمي (يديرها منشقون عن داعش)، في 14 نوفمبر 2019.

رسالة "أبوعيسى المصري"

ومن المعلوم للمشتغلين بدراسات الفقه الحركي للتنظيمات الإسلامية المسلحة أن “سلامة العقل والحواس” من شروط الأهلية في تنصيب الأمير أو الخليفة، وبالتالي فإن ذلك يقدح في أهليته لتولي إمارة داعش.

كنية جديدة لداعشي قديم

وبغض النظر عن المجادلة في هوية “أبي إبراهيم الهاشمي” فإنه يتأكد لنا عبر مطالعة الوثائق الصادرة عن تنظيم داعش، وكتابات القياديين المنشقين عنه؛ أن “أبا إبراهيم” كنية جديدة لأمير داعشي قديم، أراد التنظيم إخفاء هويته حفاظًا عليه بعد مقتل “البغدادي”.

وهذا الأسلوب معروف ومتبع منذ القدم داخل “داعش”، فـ”أبو حمزة المهاجر” (عبدالمنعم عز بديوي) تكنى بـ”أبي أيوب المصري” لفترة طويلة، وغيّر هذه الكنية عندما تولى إمارة تنظيم القاعدة في بلاد الرافدين بعد قُتل سلفه “أبو مصعب الزرقاوي”، وذلك تضليلًا لقوات التحالف، وكذلك لم يكن هناك أمير أو قيادي داعشي يحمل كنية “أبي بكر البغدادي” حتى مقتل “المهاجر” ورفيقه “أبي عمر البغدادي” أمير تنظيم دولة العراق الإسلامية، كما يقرر “أبو محمد المصري” عضو اللجنة المفوضة لداعش سابقًا (عزله “قرداش” بأمر أبي بكر البغدادي، وقتل في قصف لقوات التحالف على مقر احتجازه عام 2018).

وبعد مقتلهما، اجتمع مجلس شورى تنظيم دولة العراق الإسلامية واتفقوا على تكنية الأمير الجديد بأبي بكر البغدادي، وأبلغوا “أبا دعاء السامرائي” -الكنية القديمة للبغدادي- بأنه سيتولى إمارة التنظيم لفترة مؤقتة، حتى يجدوا أميرًا قرشيًّا مناسبًا، وعندما أبلغهم “السامرائي” بأنه قرشي، قرروا توليته إمارة التنظيم، وبقيت في يدهم مقاليد الأمور.

رسالة "أبومحمد المصري"
"الهاشمي" وتطورات داعش الفكرية

وإذا قررنا تجاوز مسألة هوية “الهاشمي” والانتقال لدلالات هذا الاختيار التي لا تقل خطورة عن هويته؛ فإننا نجد أن اختياره يكشف عن جزء من التطورات والتحورات الفكرية التي حدثت داخل داعش، ويتقاطع بشكل أساسي مع دائرة الخلاف التنظيمي الذي ضرب التنظيم منذ عام 2017 على خلفية أزمة بيان “ليهلك من هلك عن بينة” -المتعلق بالتوسع في التكفير- وسبب شرخًا هيكليًّا وتنظيميًّا لا يزال قائمًا حتى الآن، وإن تجاوزه داعش بعد هزيمته بدعوة عناصره للتركيز على “دفع الصائل”، وتأجيل مسألة الخلافات الشرعية المنهجية.

فمسألة تجهيل الأمير أو “الخليفة الداعشي” خضعت لسجال داخلي في منتصف 2014، بين “تركي البنعلي البحريني” (شرعي داعش سابقًا ومسئول مكتب البحوث والدراسات الشرعي الداعشي)، و”حجي فيصل العراقي” (أبو محمد الفرقان رئيس اللجنة المفوضة لداعش لفترة وجيزة من أغسطس وحتى سبتمبر 2017، وهو وائل حسين الفياض طبيب أطفال عراقي أحد قدماء قادة داعش وأمير ديوان الإعلام حتى مقتله)، فالأول حاجج بأن إمارة المجهول لا تصح، وتعلل الأخير بـ”الضرورات الأمنية” التي تفرض عليهم إخفاء هوية الأمير أو الخليفة، لكنّ “أبا بكر البغدادي” حسم هذا الخلاف، منحازًا لـ”البنعلي” وقرر الظهور علانية للمرة الأولى منذ توليه إمارة التنظيم في 2010، وخرج ليُلقي “خطبة الخلافة” من على منبر الجامع النوري بالموصل العراقية في الـ5 من يوليو 2014.

لكن داعش عاد لينقلب على اختياراته القديمة، مع استعادة تيار “اللجنة المفوضة” -الأكثر تشددًا- السيطرة على القيادة العليا لداعش في 2018، واستبعاده لرموز ما يعرف بـ”تيار المناهجة” بعد خلاف وصراع طويل، ومن هذا المنطلق، يمكن القول إن “داعش” سيظل يتوحش ويتشدد أكثر فأكثر، وسينعكس هذا على العمليات الإرهابية نوعًا وكمًّا، وهو ما بدا واضحًا في مناسبات عدة، لن يكون آخرها غزوة الاستنزاف الرابعة التي أطلقها داعش في الفترة من 22 – 31 يوليو 2020.

لم يترك “داعش” أي مناسبة ممكنة للتأكيد على قدرة “أبي إبراهيم الهاشمي” على قيادة التنظيم في مرحلة ما بعد “البغدادي”، إلا وفعل ذلك، ولعل ذلك كان أحد الأهداف الرئيسية لغزوة الاستنزاف الرابعة، وما تخللها/ أعقبها من إصدارات إعلامية للتنظيم الإرهابي.

والخلاصة التي ينبغي أن نخرج بها هي: لا بد أن نعلم أن الأخطاء حدثت وتحدث وستحدث في مواجهة الإرهاب، وتحديد هوية الإرهابيين، لكن لا ينبغي أن تترك تلك الأخطاء دون تصويب، لا سيما وأن طبيعة “حرب الأشباح” الحالية، تفرض على الوكالات والأجهزة الاستخبارية والعسكرية أن تتعرف بدقة على طبيعة الخصوم المفترضين، خاصة وأن الحركات والتنظيمات المسلحة تستمد قوتها من عدم فهمنا لها، وعدم معرفتنا بالسياقات التي تشكلت فيها، والتطورات التي مرت بها.

إن الدول والأنظمة التي تخوض “حرب أشباح” حاليًا ضد التنظيمات الإرهابية العابرة للحدود، قد تخسر تلك الحرب فقط لأنها بنت تصوراتها واستراتيجيات المواجهة وتكتيكاتها على معلومات خاطئة لم تتثبت منها بشكل صحيح، لغياب أو تغييب الخبراء القادرين على فهم تلك التنظيمات بشكل صحيح، وربما يجب عليها إعادة النظر في مسألة الإرهاب والمواجهة بنظرة جديدة، بعيدًا عن التصورات والكليشيهات السائدة.

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

Start typing and press Enter to search

Visit Us On FacebookVisit Us On TwitterVisit Us On Instagram