أحلام “ملاك” في التحليل الفلسفي

سعيد ناشيد

كاتب وباحث مغربي

كانت “ملاك” طفلة تعاني من مرض مزمن، لم تكن لديها فرصة كبيرة للنجاة، انضمّت في إحدى المرّات إلى إحدى ورش الفلسفة للأطفال التي كنت أعمل على إنجازها في ظروف متواضعة، وخلال فترة الاستراحة طرحت عليّ سؤالًا يزلزل الأرض والسماء، وهكذا قالت: سمعتُ أن الأطفال حين يموتون يصيرون ملائكة، وعلى مدخل الجنة يقفون لاستقبال آبائهم بعد موتهم، يعانقونهم، ويسقونهم بالماء العذب بعد أن يصلوا عطشى بسبب طول الطريق.

ثم سألتني: هل هذا صحيح؟

شعرت بأني أمام وضعية مسألة بالغة الدقة والتعقيد: هل يحقّ لي تبديد حلمها الجميل باسم حقيقة قد لا تبدو جميلة؟

تذكرتُ إجابة “سيمون فايل” الإجمالية عن مواقف مشابهة بما معناه: قد لا يكون ذلك الأمر صحيحًا، لكنه جميل بما يكفي لكي نعتبره صحيحًا (التجذر). هل يُمكن لاقتراح كهذا أن يكون مقنعًا للعقل كما ينبغي؟ وهل يكفي أن يكون التفسير جميلًا حتى يكون حقيقيًّا بالفعل؟

تذكرتُ وجود أسطورة منتشرة في كثير من الثقافات، مفادها أن الأحدب كان في أصله ملاكًا بجناحين، ثم بقي أثرهما على ظهره، وسيعود ملاكًا كما كان بعد موته.

نظريًّا قد نناقش الأمر أو ننفيه كما نشاء، بل قد نشرح الأمور علميًّا، وأثناء التفسير العلمي نسمي الخلل خللًا، والتشوه تشوهًا، والنقص نقصًا، طالما لا يشتغل العلم إلا انطلاقًا من مبدأ الخيبة الذي يستند إلى الأسس التالية:

– أساس أخلاقي مفاده أن ما حدث ما كان يجب أن يحدث.

– أساس علمي مفاده أن كل التفسيرات لن تكون كاملة في النهاية.

– أساس عقلاني مفاده أن كل الحلول لن تكون نهائية في الأخير.

– أساس نفسي مفاده أن كل ذلك يتطلب بعض الوقت.

وحده المشعوذ من يعدك بالتفسير السريع والحل الفوري والنهائي، على منوال الوصفات السحرية، وتلك نقطة قوته في الدعاية. غير أن المشعوذين في عوالم السياسة كثيرون. لكن، في المقابل، مشكلة الكثيرين أنهم ينتظرون من السياسي، ومن الطبيب، نفس ما ينتظرونه من المشعوذ: وصفة للحل النهائي والسريع، وإلّا سرعان ما يصيبهم التذمر والسخط، وربما يعاودون البحث عن الخلاص الفوري والنهائي لدى من يتقنون مهارات الشعوذة السياسية أو الطبية. والحق يقال، كثيرًا ما يحدث مثل هذا النوع من الانتكاسات.

يحتاج العلم إلى القدرة على التعايش مع قدرٍ من الخيبة، هذا واضح، لكن ليست هناك أي معضلة في أن نتكلم باسم العلم عن الطفل الأحدب، بل تكمن المعضلة كلها في أن نتكلم وجهًا لوجه مع ذلك الطفل الأحدب، والذي قد يكون متمسكًا بأسطورة الملاك باعتبارها عزاء أخيرًا، وإلى درجة أن محاولة حرمانه منها قد تبدو مجرّد قسوة لا أخلاقية.

ثم إن الفيلسوف –وهذا مما لا ينبغي نسيانه- لا ينشغل بالكلام عن الناس أكثر من انشغاله بالكلام مع الناس.

قد يبدو الخطاب الأجمل والأرحم هو الخطاب الذي يترك للمعذبين في الأرض أوهامهم التي تواسيهم وتعزيهم، طالما للعلم حدود لا يتعداها، وكذلك لكل الحلول السياسية الممكنة حدود لا تتعداها.

قد يبدو الأمر كذلك بالفعل، بيد أني سأحاول البرهنة على أن العكس هو الصحيح، وأن لا شيء قادر على مواساتنا غير الحقيقة.

لأجل تقديم الحجج الأولية، بوسعي أن أطرح السؤال الأكثر أهمية بالصيغة الأكثر دقة:

هل يحقّ لنا أن ندحض كل ما ليس حقيقيًّا؟

كيف أجيب؟

باستلهام روح تاريخ الفلسفة يمكنني أن أجيب بكل ثقة بالقول: ليس دور الفيلسوف أن يدحض كل ما ليس حقيقيًّا.

فما الذي يدحضه إذن؟ ما الذي يدحضه بالضبط؟

دعنا نبدأ من نقطة البدء الأكثر بروزًا، من أفلاطون بالذات، الذي يرى أن دور الفيلسوف ليس أن يدحض كل القصص التي تُروى عن عالم ما بعد الموت طالما هي راسخة في عقول الناس ومتجذرة في الزمان، كما ليس من طبيعة الناس أن يغيروا أفكارهم وقناعاتهم مثلما يغيرون ألبستهم، لا سيما عندما يتعلق الأمر بالأفكار والقناعات الراسخة في اللا وعي الجمعي. لذلك يجب على الفيلسوف حسب أفلاطون ألا يدحض، ضمن قصص الأخرويات، سوى التفاصيل التي تسبب الحزن والهلع والوهن للناس (الجمهورية).

بعبارة أخرى، ليس دور الفيلسوف أن يزيل الفكرة التي في عقلك ويضع مكانها فكرة مختلفة تمامًا، ليس دوره أن يزيل العقيدة التي في وجدانك ويضع مكانها عقيدة مغايرة تماما، بل دوره أن يعيد صياغة نفس الفكرة التي لديك بنحو يخدم قدرتك على التفكير وقدرتك على الحياة؛ لأن الأهم من الحقيقة هو القدرة على التفكير، والأهم من معنى الحياة هو القدرة على الحياة. هنا بالذات يكمن دور فلاسفة العيش. لذا –وهذا من باب معاودة التذكير- فإن الفيلسوف قبل أن يتكلم عنك فهو يتكلم معك.

على أساس هذا المبدأ حاولتُ صياغة تصور لكي أجيب الطفلة “ملاك” عن سؤالها، وبعد لحظة من التأمل، هكذا قلت لها:

أنت ملاك بالفعل يا ملاك، أنت ملاك منذ الآن طالما لكل إنسان نصيب من اسمه. ورأيي أن المشهد الذي تتصورينه يمكنك ممارسته ابتداء من هذا اليوم عندما تعودين إلى البيت؛ لأنه سهل وبسيط ولا يتطلب التأجيل، وبإمكانك أن تقدمي لوالديك الماء أو القهوة أو أي شيء يحبانه، ولا شك أنهما سيفرحان. أما عن الآخرة فربما يحدث ما تقولين، وربما يحدث ما هو أجمل ويحتاج إدراكه إلى خيال أكبر، والخيال ينمو بفعل قراءة القصص.. الآن، هيا لكي نتابع الورشة الثانية.

أعتذر أستاذ، أشعر بالعياء، وفي الوقت نفسه أريد أن أسبق والدي إلى البيت لكي أستقبله بعصير برتقال منعش لأنه يحبه، ثم أرى كيف سيفرح، هكذا قالت.

أما أنا فقد كان فرحي كبيرًا؛ لأني أعدت صياغة الحلم الذي لدى “ملاك” دون أن أحرمها منه، غير أنّي أعدت صياغته بالنحو الذي يدفعها إلى الحياة بدل الموت، وينمي لديها دوافع الحياة بدل دوافع الموت. وهذا هو المطلوب. فليس دور الفيلسوف أن يقاتل الأحلام، طالما لا أحد يمكنه الانتصار على الأحلام لأنها تأتي من الأعماق التي قد يتعذر الوصول إليها، لا سيما عندما يتعلق الأمر بأعماق ملايين البشر، غير أن دور الفيلسوف أن يعيد صياغة الأحلام بنحو يخدم مهارات التفكير، ومهارات العيش، ومهارات العيش المشترك، بقدر الإمكان، وعلى الدوام.

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

Start typing and press Enter to search

Visit Us On FacebookVisit Us On TwitterVisit Us On Instagram