وجهات نظر

أحمد بن حمد الخليلي.. مفتي الخليج المستقل

الكاتب الصحفي مصطفى زهران

كشفت أحداث “الشيخ جراح” الأخيرة، وما تبعها من الاعتداءات الإسرائيلية القائمة حتى اللحظة تجاه المقدسيين والداخل الفلسطيني، عن دور لافت لعدد من علماء المسلمين التقليديين والتابعين للمؤسسات الدينية الرسمية، خاصة في منطقة الخليج العربي، ومنهم الشيخ أحمد بن حمد الخليجي، وما يميزه أنه جاء رداً على الحرب التي تشنها إسرائيل على غزة، من جهة، وتزامنه مع التحولات التي تعايشها دول منطقة الخليج العربي سياسيا ومجتمعيا من جهة أخرى.

الشيخ أحمد بن حمد الخليلي هو المفتى العام لسلطنة عمان، في العقد الثامن عمره، ويعد من أبرز الوجوه في الجماعة الدينية التي برزت في السنوات الأخيرة، وتثير تصريحاته وتعليقاته -من آن لآخر- الكثير من الجدل واللغط حولها، ابتداء من موقفه الداعم والمؤيد لثورات الربيع العربي مطلع 2011، مرورا بانتقاده الولايات المتحدة الأمريكية لنقل سفارتها إلى القدس، ثم التقارب مع إسرائيل، انتهاءً بأحداث “الشيخ جراح” الأخيرة، والعدوان الإسرائيلي على قطاع غزة.

يثير اشتباك الرجل وجرأته مع مجمل هذه الأحداث في منطقة الخليج العربي قدرا كبيرا من الانتباه حول ما يمكن استقراؤه من واقع ومستقبل الحالة الدينية بالخليج، خاصة عقب المتغيرات الحادثة في عدد من دوله، وعملية التحديث المدني القائمة داخلها، وتراجع دور السلفية الوهابية، الذي ظل مهيمنا على امتداد الخليج وخارجه في المنطقتين العربية والإسلامية طوال العقود الماضية، إضافة إلى تقليص تأثير الحركات الإسلامية ورموزها، نظرا لغيابهم عن المشهد الخليجي بنسبة كبيرة، ما دفع برموز المؤسسة الدينية نحو الحضور والتصدر في ظل غياب الفاعلين من الإسلاميين القدامى.

وكان الشيخ أحمد بن حمد الخليلي واحدا من هؤلاء الذين حاولوا بتصريحاتهم وبياناتهم واشتباكهم المباشر مع الأحداث من حولهم، أن يسلطوا الضوء على المتغير الحادث في منطقة الخليج العربي، وذلك رغم خروجه من جغرافية مغايرة وبيئة مجتمعية مختلفة بشكل كبير عن أخرياتها، وإن كانت منتمية إلى دول مجلس التعاون الخليجي.

من هو الشيخ الخليلي؟

ينحدر الشيخ أحمد بن حمد الخليلي من أسرة علمية شهيرة مارست تدريس العلوم الشرعية على متوالية تاريخها، إذ يرجع نسبه إلى الإمام الخليل بن شاذان أحد أئمة عُمَان المشهورين في القرن الخامس الهجري، وجدّه سليمان بن ناصر الخليلي كان أحد قضاة زمانه، وجميعهم ينتمون إلى الإباضية، المذهب الرسمي لسلطنة عمان.

تقلد الشيخ أحمد بن حمد الخليلي مناصب عدة، كان مدرسا للقرآن الكريم والعلوم الشرعية بولاية بهلا وسط عمان، ومدرسا بمسجد الخور بالعاصمة العمانية، ثم مديرا للشؤون الإسلامية بوزارة الأوقاف والشؤون الدينية، وفي عام 1975 عُيّن مفتيا عاما للسلطنة، إضافة إلى مناصب أخرى أبرزها عضويته لمجمع الفقه الإسلامي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي، ثم نائب رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين.

إضافة إلى ذلك، له الكثير من الكتب والمؤلفات التي تتنوع في موضوعاتها الدينية والسياسية والمجتمعية، أبرزهم مؤلفه “الاستبداد.. مظاهره ومواجهته”، تناول فيه بعض الرؤى الفقهية والواقعية لثورات الربيع العربي، وكانت مليئة بالجرأة والرؤى العميقة، إضافة إلى عمل آخر يتناول المذهب الإباضي وحجيته لدى السنة النبوية، وهو أشبه بمحاولة توفيقية بينه والمذاهب الإسلامية الأخرى.

اقرأ أيضا: كيف نفهم استراتيجية بايدن الخارجية من خلال حرب غزة؟

أحداث “الشيخ جراح”

يتسم المجتمع العماني بسمته الديني المحافظ والهادئ في آن، عكسته طبيعة عاداتهم وتقاليدهم، سواء كان في صيرورة حياتهم اليومية أو من خلال التعامل مع محيطهم الإقليمي، ما أسهم بدوره في خلق مشهد أكثر استقراراً على الأصعدة كافة، خاصة السياسيّ منه والمجتمعي.

وأسهم وجود الإباضية في المجتمع العماني بنسبة تجاوزت 75% كأقلية وسط المجتمع الخليجي السني، في رسم ملامح مجتمعهم، واستقلالهم عن نظائره بالخليج، وأبعدهم عن صخب السياسة وجدلية التيارات والمذاهب الإسلامية في دول الخليج العربي الأخرى، من تصارع الرؤى الفكرية وتباينها داخله، وقاد ذلك إلى أن تلعب السلطنة دورًا سياسيًّا ومجتمعيًّا يرتكز على التقريب والتوفيق دوما بين دول مجلس التعاون الخليجي.

وتمثل ظاهرة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي خروجا على هذا النسق التقليدي الهادئ في المشهد العماني، عززته مواقفه الداعمة والمؤيدة للقضية الفلسطينية، وكانت سببا في معرفة الناس به نتيجة تفاعله الذي انتقل به من مربع المحلية الضيقة إلى الآخر الإقليمي.

وبرز دور الشيخ بشكل أكبر مع قضية التطبيع، التي بدأت إرهاصاتها الأولى إبان فترة الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب، فيما كانت يعرف إعلاميًا بـ”صفقة القرن” وجاءت تعليقاته آنذاك محذرةً مما سمّاه المُساومة على الأقصى، مطالبا بتحريره باعتباره واجباً مقدسا على جميع الأمة، حاثّا المسلمين على الوحدة الإسلامية لمواجهة ما يحدث في الأرض المحتلة، مرجعا تفرقها وتباعدها سببا فيما آلت إليه الأوضاع.

وينشط المفتي العام لسلطنة عمان في توظيف السوشيال ميديا لتحقيق الانتشار والتمدد من خلال المقاطع المرئية والبيانات والخطابات التي يتبادلها المتابعون ورواد مواقع التواصل المجتمعي، فضلا عن الإعلام المرئي والمقروء في الخليج وخارجها، إلا أن هذا الحضور يطرح معه تساؤلات من كونها نابعة من الشيخ أو تأتى في سياق توزيع الأدوار بينه والسلطة السياسية بهدف لعب دور ديني يتجاوز السلطنة في الخليج.

بيد أن ذلك لا ينفي كون الرجل مثل اتجاها مختلفا لكثير من المرجعيات الدينية الرسمية في كثير من البلدان العربية والإسلامية، التي عادة ما تتبنى الرؤية الرسمية للدولة ولا تحيد عنها.

وعندما جاءت أحداث “الشيخ جراح” كان من أوائل المعلقين والمشتبكين والداعمين للمقدسيين هناك، وقام بتحيتهم على ما أطلق عليه بالوقفة النبيلة في وجه من يحاول تدنيسها من أعداء الله -أي الإسرائيليين-.

ظاهرة أحمد بن حمد الخليلي

مثًل حضور مفتى سلطنة عمان في المشهد الخليجي على هذا النحو الذي قدمناه، دلالة بارزة على حجم التحولات التي عايشتها منطقة الخليج في السنوات الأخيرة، ومنبئة في ذات الوقت عمّا ستؤول إليه الأوضاع مستقبلاً.

إذ يفرض منصب الشيخ في دار الإفتاء العامة بدولة سلطنة عمان، محددات وقيودا لا يمكن الفكاك منها أو الخروج عنها، شأنها في ذلك شأن بقية المؤسسات الرسمية في البلاد، خاصة الدينية منها، ومن الأمور التقليدية والأعراف التي اعتاد عليها الناس أن تتوافق المؤسسة الدينية الرسمية مع وجهة الدولة نحو كافة القضايا السياسية وغيرها ولا تشذ عنها.

بيد أن الشيخ الخليلي أثبت بمواقفه تلك استقلالية المؤسسة وانفراده بالرأي دون التقيد بالوجهة السياسية للدولة، خاصة أن سلطنة عمان كانت من الدول العربية والخليجية التي أصدرت وزارة خارجيتها بيانا رسميا يعرب عن ترحيبها باتفاق التطبيع الأخير بين المملكة المغربية وإسرائيل، إلا أن ذلك لم يمنع الشيخ في السير قدما نحو إبداء آرائه ومواقفه الأكثر جرأة تجاه القضية الفلسطينية والمحتل الإسرائيلي.

إلا أنه في ذات الوقت –كما عرضنا سابقا- يجعل المتعاطين معه في حيرة تجاه مواقفه: هل هي نابعة من موقف أصيل بما تحمله واجبات موقع الديني المهم، أم أنه يأتي في سياق دور وظيفي أعدّ له سلفا من قبل السلطة السياسية؟

في موازاة ذلك، أسهم تراجع حضور الحركات الإسلامية وتياراتها المختلفة في الخليج العربي، خاصة السلفية منها، في بروز دور المؤسسة الدينية الرسمية، ومع تقويض حركة التيار السلفي الوهابي داخل المملكة العربية السعودية، أسهم مجمل تلك العوامل في بروز شخصيات دينية مستقلة، وإن كانت منحدرة من المؤسسة الدينية الرسمية، الذي يعد الشيخ أحمد الخليلي واحدا من هؤلاء.

وبالرغم من انتماء الشيخ الخليلي المذهبي للإباضية، فإنه لم يجعله عائقا أو حائلاً للولوج إلى ملايين المسلمين المنتمين لمذاهب أخرى مختلفة عنها، بل سعى نحو رأب الصدع ولم الشمل للاصطفاف وراء قضايا دينية يشترك فيها الجميع، كانت القضية الفلسطينية أبرزها.

وتدفعنا هذه القراءة إلى القول بأن المرحلة القادمة قد تشهد دورا أكبر للمؤسسات الدينية الرسمية ورجالاتها في بعض من دول الخليج العربي، توازيا مع استمرارية انحسار القوى الإسلامية التقليدية نتيجة السياسات التي انتهجتها دول الخليج عقب أحداث الربيع العربي في تقويض وجودها وحركتها، فضلاً عن عزوف المجتمعات العربية كافة عن الإقبال على التفاعل مع التنظيمات والجماعات الإسلامية، خاصة السلفية منها والإخوانية.

مصطفى زهران

كاتب وباحث مصري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى