زوايا

أحمد حسن كوكا.. دليل اللاعب العادي في زحمة أوروبا

 لا يصح أن يحكم عليّ الجماهير أن أدائي مع المنتخب أقل من أدائي رفقة الفرق التي احترفت بها، والسبب الرئيسي أنني لم أشارك بصفة أساسية رفقة المنتخب، بل أحل بديلًا معظم الوقت.. هكذا أجاب مهاجم نادي “أولمبياكوس” اليوناني، اللاعب المصري أحمد حسن كوكا، على سؤال الإعلامي أحمد شوبير.

يبدو الأمر بسيطًا إذًا، الرجل يحتاج لقدر من الثقة وفرصة حقيقية ليكرر بقميص منتخب مصر إنجازاته التي حققها في أوروبا.

لكن المثير هنا أن الكثير متابعي كوكا لديهم أسئلة مختلفة عن سؤال كابتن شوبير.. أسئلة مثل هل ما قدّمه كوكا يعد إنجازا في أوروبا؟ ولماذا ينضم كوكا لمنتخب مصر من الأساس؟..

سؤالنا نحن هنا يتعلق بكيف استطاع كوكا أن يستمر في أوروبا لعشر سنوات كاملة بينما عاد الكثيرون؟

هناك أشكال متعددة من المشاعر التي تربط الجماهير باللاعبين، فبعض اللاعبين يشعر معهم جماهيرهم بالاطمئنان أو السعادة أو حتى القلق والغضب في أحيان كثيرة، لكن من النادر أن تجد جمهورا يسيطر عليه الدهشة والحيرة بمجرد ذكر لاعب ما مثلما يحدث مع الجمهور المصري حين يذكر اسم أحمد حسن كوكا.. دعنا نحاول تفسير الأمر، ونفكك المشهد المليء بالأسئلة:

أحمد حسن كوكا

أن ينتظرك الجميع ولا ينتظر أحد منك شيئًا

قرر كوكا الخروج من الأهلي في عامه الثامن عشر، مستغلًا عدم قيده كلاعب محترف في صفوف الناشئين بالنادي الأهلي.. خاض كوكا مباراتين وديتين رفقة فريق الشباب لمنتخب مصر في البرتغال، ومن هنا التقطته أعين الكشافة، وكان الاحتراف في صفوف فريق “ريو آفي” البرتغالي.

نتحدث هنا عن لاعب طموح أدرك سريعا أن فرصته الحقيقية في أوروبا وأن مستقبل الأهلي الذي يتمناه البعض لا يليق به.. من المؤكد أن الرجل يمتلك الموهبة اللازمة للعب في أوروبا، وهذا هو بيت القصيد.

انتظرت الجماهير ما سيفعله هذا اللاعب الذي ضيعه الأهلي من بين يديه وثمنته جيدا الأعين الأوروبية، فبهذا المعنى كان يُنظر إليه كـ”هدّاف بالفطرة” أو على الأقل من نوعية مختلفة عن مهاجمي الدوري المصري.

شارك كوكا رفقة المنتخب المصري في عامه العشرين تحت إمرة المدرب الأمريكي بوب برادلي، ولم يجد المصريون شيئا مما توقعوا.. ظهر كوكا دون أي شيء مميز، وعلى مر السنوات، ومع اختلاف مدربي المنتخب، ظهر كوكا على فترات متباعدة كلاعب عادي للغاية.. كان الواقع مغايرا لتوقعات المصريين.. يبدو أن اللعب في أوروبا غير مقتصر على الأفذاذ فقط.

تستطيع أن ترتب بعض الصور الصغيرة لكي تحصل بسهولة على صورة كبيرة واضحة للأمر، صور صغيرة يظهر خلالها بعض الأسماء مثل دودو الجباس وعلي غزال وعمرو وردة وكريم حافظ، وعلى رأسهم كوكا.

من خلال تلك الصورة الكبيرة يمكنك أن تعيد تعريف وضع أوروبا طبقًا للخارطة الكروية العالمية.. المقصود أوروبا التي تصنع الفارق في كرة القدم وهي الدوريات الخمسة الكبرى: الإنجليزي والإسباني والفرنسي والألماني والإيطالي.. دوريات مثل البرتغال واليونان وتركيا وسويسرا هي محطة هامة لبلوغ واحد من الدوريات الخمسة.

لذا فاللعب لتلك الأندية ربما يكون هاما لإنتاج لاعب ملتزم يدرك تماما معايير الاحتراف وواجباته، لكنه ليس محتما أن يُنتِج لاعبا موهوبا أو استثنائيا.

أدرك المصريون أن كوكا لاعب عادي في النهاية ثم رويدًا رويدا أصبح لاعبا لا ينتظر منه أحد أي شيء.

لماذا نحن هنا؟

لا تدع العنوان يخدعك.. فلن نعرض لك ملخص لمسات كوكا بقميص المنتخب بينما تبدو أغنية سبيس تون الأثيرة (لماذا نحن هنا.. سؤال صعب) كخلفية موسيقية مناسبة لما يقدمه كوكا.. لكن السؤال هنا حقيقي: لماذا نحن هنا؟ وهو بالفعل سؤال صعب.

لماذا يصر البعض في الإعلام على التعامل مع كوكا على أنه يقدم أداءً استثنائيا في الخارج لكنه يبدو أقل مستوى ضمن رفقة منتخب مصر؟ هل يشاهد أحد مباريات “أولمبياكوس” مع الدوري اليوناني أو “ريو أفي” براغا في البرتغال؟ الإجابة لا بالطبع.

ربما الإدارة الفنية في المنتخب المصري فقط هي من شاهدت مباريات كتلك، وكانت النتيجة هي عدم الاعتماد على كوكا كمهاجم مصر الأساسي رغم ضعف منافسيه، بل إن الأمر وصل إلى درجة أن لاعبا بإمكانات مروان محسن مثّل مصر في مباريات كأس العالم وبطولة إفريقيا.

إذا كانت الإجابة حول مدى روعة كوكا هي ملخص لأهدافه فدعني أخدعك كما تحاول أن تخدعني.. الآن سأستغل العنوان وربما أعرض لك ملخص لمسات كوكا بقميص المنتخب بينما تبدو أغنية “سبيس تون” كخلفية موسيقية مناسبة لما يقدمه.

ملخص الأهداف أو تحركات اللاعب لا يمكن أن يكونا عاملي حسم في إقرار مدى جودة اللاعب، بل إن الأرقام وحدها لا يمكن أن تقنع الجماهير بأن هذا اللاعب يمتلك مميزات خاصة.

يبدو هنا “النني” مثالا جيدا دون شك، لم يحلم أحد بأن يلعب لاعب وسط مصري في أرسنال الإنجليزي، لكن المصريين يدركون في قرارة أنفسهم أن “النني” ليس لاعبا عظيما، والأرقام وحدها قادته لأرسنال الذي أصبح مختلفا عن أرسنال فينجر وبيركامب.

حسنًا، حاول أن تفكر معي لماذا تثق الجماهير المصرية بمصطفى محمد في بداية احترافه ولا تثق في كوكا رغم أنها لا تشاهد مباريات هذا أو ذاك؟..

الإجابة أن إمكانيات مصطفى محمد واضحة للجماهير المصرية التي تعرف أن “جالاطا سراي” مجرد محطة في حياة الرجل دون شك وتنتظر معه المحطة المقبلة، بينما تدرك أن انتقال كوكا لواحد من الدوريات الخمس أمر صعب للغاية.

ما يستحق الذكر

ماعملش حاجه تستحق الذكر غير إنه لسة واقف على رجليه..

هكذا يصور الشاعر مصطفى إبراهيم مدى أسطورية الإنسان البسيط في كونه لا يزال قادرا على الصمود حيا في هذا الزمان الصعب.. يبدو الأمر لطيفا في شعر مصطفى لكنه ليس كذلك على مستوى كرة القدم.

تلك هي النقطة الأخيرة في القصة، وهي فكرة “استمرارية” كوكا في أوروبا لعشر سنوات دون عودة.. يبدو الأمر مميزا بالفعل لكنه لا يعطي دلالة سوى أن الرجل مخلص لعمله وأنه يملك بالفعل ما لا يملكه بعض لاعبي مصر الذين لم يستطيعوا اللعب في أوروبا كل هذه السنوات.

يأتي كوكا من خلفية اجتماعية تبدو أفضل كثيرا من الخلفية المعتادة للاعبي كرة القدم.. والده يعمل طيارا وساعده كثيرا خلال بداية رحلته في أوروبا، كما أن اللاعب يجيد الإنجليزية وتعلّم البرتغالية ثم اليونانية تباعا، كما أن الوكيل الخاص به هو شركة GESTIFUTE والتي يترأسها الشهير خورخي مينديز، والتي تمتلك عقود لاعبين مثل كريستيانو رونالدو وبرناردو سيلفا وإيديرسون.

إذا كنت تتساءل لماذا تتعاقد شركة مثل GESTIFUTE مع كوكا؟ فيكفي أن أقول لك إن كوكا وإيديرسون كانا زميلين في فرقة “ريو آفي”، ثم ارتبط اسماهما معا بصفقة انتقال لفريق بنفيكا.

نجح إيديرسون في الانضمام لبنفيكا وفشل كوكا، نظرا لوجود عيب خلقي في القلب، وهو ما عطّل الصفقة رغم إجراء كوكا عملية دقيقة ناجحة.. هكذا تُدار الأمور ببساطة: من الطبيعي أن تتعاقد مع لاعب صغير السن وتنتظر لترى هل سيتطور أم لا.

هناك موهبة صاعدة تليق بنادي متوسط مثل ريو آفي وتبقى الخطوة القادمة هي فريق أكبر مثل بنفيكا ثم الالتحاق بفريق مهم مثل مانشستر سيتي، وينطبق ذلك بالتحديد على إيديرسون ولا ينطبق على كوكا (بعيدًا عن مسألة الكشف الطبي تلك)، لكن هل يتوقع البعض أن كوكا قادر على اللعب لمانشستر سيتي يوما؟، الإجابة لا.

كان كوكا موهبة قابلة للتطور السريع، لكن ذلك لم يحدث.. إلا أن الأهم أنه لم ينخفض أداؤه ولم يقل سعره، لأنه مخلص لعمله للغاية.

إنجاز كوكا الأهم هو أنه قادر على الاستمرار بما يمتلكه من مستوى وشخصية في أوروبا، وهو الإنجاز الذي يبقى مفيدًا للرجل، لكن لن تتفهمه الجماهير أبدا.

محمود عصام

صحفي مصري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى