ثقافة وفن

أحمد فؤاد سليم.. لا يزال مرابطا على الجبهة

في سن الحادية والعشرين يذهب أحمد فؤاد سليم إلى التجنيد مؤجلا كل أحلامه إلى حين.. كان عامٌ قد مرّ بطيئاً راكداً يضغط على القلب بالحسرة الحارقة منذ وقعت النكسة.. هناك صاعقة نبهت الفتى المُترف إلى فداحة الخسارة.. قبل أن تسحقه المرارة رأى إجابة مُلهمة، وهي أن نهوض كل منا بنصيبه من المسؤولية قد يهوِّن الأمر، لِتعبِّر هذه الجموع عن لوعتها بصورة مغايرة، وهي أن تذوب في أنشودة البقاء، فلا تنسحق تحت وطأة القهر.. قال: أرجئ ذاتك فإن الأحلام لا تتحقق في وطن ينزف.. إذا تراجعت أنت فمن يرفو الجُرح؟

“أحمد” مجند بقوات الدفاع الجوي يشارك ضمن وحدته في العمل من خلال حائط الصواريخ الذي تعتمد عليه القوات المسلحة في غلق الأجواء أمام الطيران الإسرائيلي بعمق عشرة كيلومترات، على مدى عامين اختلطت فيهما دماء الجنود والعمال في أثناء بناء القواعد على امتداد خط المواجهة.. وعند اكتمال الأعمال أتت النتائج مبشِّرة على امتداد الأسبوع الأول من يوليو 1970، حيث استطاعت قواتنا إسقاط 24 طائرة من طرازي “فانتوم” و”سكاي هوك” وأسر ثلاثة طيارين.

ست سنوات كاملة قضاها “فؤاد” في الجيش.. لم يخرج إلا مطلع عام 1974، بعد أن تحقق النصر واستُرِدَّت الكرامة.. حملت ذاكرته كل تلك التفاصيل عن الوجوه التي صنعت المعجزة بتضحيات هائلة.. لكنه لم يحمل ملامح الشهداء في ذاكرته فحسب، بل حملها كبصمات على جدار روحه التي تشكلت على نحو مغاير يسمح بأن تستمر حيوات هؤلاء من خلاله.. يستحضرهم دوماً في كل المشاهد التي صوّرها لاحقاَ.

كانت العودة بمثابة ميلاد جديد.. القاهرة التي غادرها أواخر الستينيات، ليست بالقطع قاهرة منتصف السبعينيات.. شيء ما يبعث على الأمل.. أشياء أخرى تشي بالوجل. بين النهايات والبدايات تغيب وجوه وتطفو أخرى محاولة التجمل حد الزيف في لهاث محموم لركوب الموجة الجديدة.

أحمد فؤاد سليم

قال: سأعتصم بالفن.. فالصدق يستلزم المعرفة، والتشخيص حالة فرز حقيقي تكشف عما هو أصيل فينا وتُعَرِّي التصنع والرداءة.. لا انفصال إذن بين الدور الرسالي للفن وما يجب أن يكون عليه من تنوع وإبداع، ومقدرة على إعادة صياغة الأشياء وفق ما ينبغي أن تكون.. أو نحو ذلك، في رحلة نُشْدَان الخلاص.. لا بحثاً عن مغنم.. فليس الهدف هنا تحقيق الذات من خلال الفن، بل تحقيق الفن لتبصُّر الذات، وهذا هو المعنى الذي طارده أحمد فؤاد سليم بدأب منذ اختارته الأقدار ليكون من “رجال الله” الذين تحل فيهم آيات القدرة، وتتجلى عليهم سيماء الإعجاز، وهو يكشف لنا عن ذلك طوال الوقت لنراه بوضوح، وقت أن تنداح الحجب.

بعيداً عن تفسيرات تتعلق بأمور يتسع حولها الخلاف، سيذكر “فؤاد سليم” هذه الليلة أثناء عرض “رجال الله” الذي يجسد فيه دور “أبي الحسن الشاذلي”. في الإسكندرية في ساحة مسجد سيدي أبي العباس المرسي. يبدأ العرض بعد العشاء بقليل.. يحضر الفنان في رحاب مسجد أبي العباس قُبيل صلاة المغرب.. يقضي الوقت في التبتل والدعاء والذكر.. ينتهي من صلاة العشاء ويخرج إلى العرض مباشرة.. يسقط حاجز الزمن عندما يُمثل “الشاذلي” من وراء الحجب باستدعاء كامل رآه “سليم” رأي العين، فغاب مفسحاً لذلك الحضور الجليل مكانه.

أما الناس فما استطاعوا صبراً وقد تجلى “أبو الحسن”، وما كان لهم أن يُفلتوا تلك اللحظة، فهُرعوا إليه يقبلون ما تصل إليه شفاههم من وجهه.. يتمسحون بردائه الذي شخُص فيه على وجه الحقيقة.. وينحسر الكشف رويداً بتلك الرهبة التي تستحضر الوعي، فيسمع “ويحك كاد الناس أن يفتتنوا” فينتبه.

أحمد فؤاد سليم في فيلم “المهاجر”

لعقد ونصف انهمك “سليم” في عمل متواصل من خلال مسارح الدولة وما تيسَّر من أدوار قليلة في السينما والدراما التليفزيونية، لكن الأمر لم يكن مُرضياً، شعور ما بعدم الارتياح.. كأنه يُراوح مكانه، تصل الأمور به إلى اقتلاع الجذور للعمل بالتدريس المسرحي في “بلاد الحرمين”.

تجربة جديدة تمتحنه بالبعد وبالقرب أيضاً.. هو في جوار “الحبيب” مشرق الروح بأنواره العلية.. مثله لا يَمَلَّ ذلك الرِّي الذي يغمر النفس بالنعم.. لكنه منذور ليعطي لا لينهل ويستنيم للدعة. وتكون البشارة لـ”المهاجر” ليعود في الوقت تماماً، أتى على قدر على مقربة من عامه الخمسين، لكن “فؤاد” يدرك أن الزمن ليس تلك السنوات التي تسرع بالتصرم.. فنلهث خلفها بالحساب والتحسر.. عاش لحظات كأنها الدهر، ومرت به أعوام كأنها لم تبرح، أما من كان مَقْصُوده استكناه الحقيقة فلا يلتفت لشيء من ذلك.

الشيخ “رياض” في “مصير” يوسف شاهين يطرح علينا طوال الوقت تساؤلات تتعلق بمساحات الشر المهجورة في ذواتنا. كيف تزدهر بالتبرير وتتمدد بـ”الغيّ” والتضليل. حين تستلب العقول لحساب القداسة. يصارحنا الشيخ “رياض” بحقيقة صادمة عن مآلات الغرور التي تصل بالإنسان إلى التردي في مستنقع الخيانة. هل كانت نقمته على “ابن رشد” مبعثها قرب الأخير من الخليفة؟ أم لأنه كان وحيد زمانه في علوم عصره؟ أم لأنه كان يقف بآرائه وأفكاره حجرة عثرة في طريق آمال الشيخ وطموحاته؟

أحمد فؤاد سليم في فيلم “المصير”

من خلال التحريض على القتل، والزج بالشباب في أتون المحرقة دون وازع من ضمير، وتعريض البلاد للدمار، لا يحسم لنا “فؤاد سليم” أمر الشيخ “رياض” لأنه يراه رغم تجبره أسيراً لنوازعه التي أتت في سياقها، كما أن ذلك القطع أداة أساسية في الصراع المشتعل مع مدرسة العقل. وهو ما يعني أن الشيخ “رياض” لو صادف بعض التشكك لأراح واستراح. وهو ما وصل إليه الفنان في ذروة أدائه في مشهد انكشاف خيانته أمام الخليفة المنصور.

رحلة “أحمد فؤاد” مع “جو” استمرت لسنوات منذ 1994، حتى آخر أعمال “شاهين” قبيل وفاته. ثمانية أفلام استطاع المخرج العالمي فيها أن يُفجِّر الطاقات الإبداعية لصاحب الموهبة الفذة للدرجة التي جعلت “جو” يُصرِّح دون مواربة: “سليم هو الوحيد الذي يعوض غياب المليجي”.

بإحساس مخالف ينطوي على الشراسة الناتجة عن الشعور بجرح الكرامة يطل علينا “سليم” من خلال شخصية “عبد الظاهر” ملك الصعيد وحاكمه في “الخواجة عبد القادر” كيف له أن يفهم تلك العلاقة التي ربطت بين أخته والخواجة عبد القادر؟ لا يرى الفنان “عبد الظاهر” كشخصية شريرة يُغري المشاهدين بكراهيتها. بل يراها أقرب إلى نموذج الكبرياء المهدرة بغشم العاطفة، والانقياد بدوافع خفية نحو المجهول. ربما انطلق “سليم” في أدائه المبهر لـ “عبد الظاهر” من أن الإنسان عدو ما يجهل. لكن الله لا يكلف نفساً إلا وسعها.

أحمد فؤاد سليم في فيلم “هي فوضى”

في أكثر من عمل قدَّم “سليم” دور رجل الشرطة. لكنه في كل مرة كان يقدمه بطريقة مختلفة مستدعياً مخزون تفاصيل شخصيات تعامل معها خلال سنوات تجنيده. مع “شاهين” في “هي فوضى” يجسد شخصية مأمور القسم الذي لا يريد أن يسمع إلا “كله تمام” وأن العمل تحت إمرته يسير على أفضل ما يكون، دون الحاجة إلى الاستغراق في التفاصيل أو مناقشة حلول لما يطرأ من مشكلات.

وبسبب هذا المسلك “يخرب بيت المهمل قبل بيت الظالم” كما في المثل الشعبي، ويدفع الوطن ثمن وصول مثل هذا الضابط إلى منصب قيادي. ضابط “أبو علي” يمنحنا قدراً من الأمل حينما يقف في مواجهة الضابط الفاسد في صف المواطن المقهور، أما في “عائلة ميكي” فنرى الضابط التقليدي، رب الأسرة الذي يهتم بالتفاصيل ويغفل أصول المشكلات مما يؤدي إلى أن تصبح الأسرة على وشك الانهيار. ثم بأداء مختلف تماماً لدور مأمور السجن المحال إلى التقاعد في “سوق المتعة” يضيف فؤاد أبعاداً أخرى للشخصية تقترب بها من حافة الكوميديا.

أحمد فؤاد سليم في مسلسل “عايزة أتجوز”

في دور الأب تبرز ثلاثة أعمال بالغة الروعة لـ “سليم”. والد الدكتورة “علا” في المسلسل الكوميدي “عايزة أتجوز” بأداء كوميدي مختلف يخلق الضحكات من المفارقة التي تنتج عن الشعور العام بالخوف الذي يعيشه جميع أفراد الأسرة بسبب اقتراب الابنة “الدكتورة الصيدلانية” من سن الثلاثين دون أن ترتبط مع وجود الصراع التقليدي بين الزوجة والحماة.

 وفي مسلسل “المواطن إكس” الذي جسّد فيه دور والد الشاب الذي قُتل سحلاً على يد مجموعة من ضباط الشرطة قبيل ثورة يناير يقدم مشهداً أسطورياً حين يشاهد المقطع المصور لمقتل ابنه. وأخيراً تجسيده لدور والد الشهيد “المنسي” في مسلسل “الاختيار“.

أحمد فؤاد سليم في مسلسل “الاختيار”

“أحمد فؤاد سليم” طاقة إبداع لا تنطفئ لم يتم الاستفادة من قدراته اللهم إلا بأقل القليل. وهو الآن على مشارف الخامسة والسبعين يبذل كل ما في وسعه ليعيد للفن وجهه الغائب من خلال تعليمه للأجيال القادمة في ورش الأداء التي يقيمها. والتي يؤكد فيها على أن فن التمثيل هو فن تجسيد الحقيقة، وكشف الزيف. وبالرغم من أن فناننا شارك في نحو من مئة وخمسين عملاً فنياً تنوعت بين المسرح والإذاعة والسينما والدراما التليفزيونية والتعليق الصوتي، إلا أنه ما زال قادراً على إبهارنا بما يشارك فيه من أعمال يستطيع من خلال مشاهد قليلة فيها أن يترك أثراً لا يُمحى بإبداع لا نظير له.

ماهر الشيال

كاتب مصري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى