سياسةمختارات

أدوار سياسية.. تحت الطلب.. قصة السلفية “الهادئة” في المغرب العربي

 

منذ خمسينات القرن الماضي، مثّل التيار السلفي الإسلامي رافدًا مهمًّا في السياسة المغاربية، فتارة كان مع النظام الحاكم وتارة في مواجهته. وقد انقسم إلى عدة تيارات اتفقت في الأصول واختلفت في الفروع والتوجهات، إلى الحد الذي أكسبها مرونة في التعامل مع النظام السياسي والتمتع بحمايته ودعمه، بل أصبح شريكًا وذراعًا للنظام الحاكم كما في تيار السلفية المدخليّة (ِأو السلفية الهادئة).

يقوم الباحثان “فريدريك ويري” و“أنور بوخرص” بسبر أغوار هذا الملف في كتابهما “السلفية في المغرب العربي: السياسة والدعوة والنضال”، الصادر عن دار نشر جامعة أكسفورد، في ديسمبر/كانون الأول 2019، ليأخذانا في رحلة تحليلية ممتعة مع هذا التيار.

كتاب “السلفية في المغرب العربي: السياسة والدعوة والنضال”

السلفية.. من صحراء السعودية إلى أرجاء الوطن العربي

ارتبط انتشار السلفية تاريخيًّا بالمملكة العربية السعودية، التي وظّفتها من أجل توسيع نفوذها الإقليمي والترويج لنفسها كقائدة للعالم الإسلامي. وقد اتضح ذلك خلال فترة الخمسينات والستينات، والتي شهدت حالة أشبه بالحرب الباردة العربية بين الأنظمة الملكية المحافظة بقيادة المملكة السعودية، والأنظمة الجمهورية والقومية بقيادة الرئيس الراحل جمال عبد الناصر.

خلال هذه الفترة وما بعدها، أعطت المملكة دفعة كبيرة للتيار السلفي للانتشار في مختلف الدول العربية، عبر تمويل المؤسسات الدينية، وإنشاء الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة عام 1961، ورابطة العالم الإسلامي عام 1962، فضلاً عن رعاية واستقطاب الآلاف من العرب الذين عادوا إلى بلادهم وعملوا على نشر السلفية بها.

بلغ الدعم السعودي للسلفية، ذروته مع الثورة الإسلامية في إيران عام 1979، والتي صعد على إثرها نظام شيعي تحدى شرعية المملكة الإسلامية، واستهدف تصدير ثورته والتمدد في الخليج. وفي المقابل كثّفت المملكة دعمها للسلفية كأداة دعائية عابرة للحدود لتقويض النفوذ الإيراني، حيث زادت من تمويل المؤسسات الدينية بالداخل السعودي، ودعمت المؤسسات السلفية في جميع أنحاء العالم.

وبالفعل نجح الدعم السعودي في تدويل السلفية وانتشارها في المنطقة العربية. لكن هذا لم يعنِ أن السلفية كانت تيارًا موحدًا، فقد انقسمت سياسيًّا إلى 3 تيارات وهي: السلفية الهادئة الموالية للنظام الحاكم، والسياسية المُعارضة، والجهادية المواجهة.

تميزت السلفية الهادئة أو المدخليّة كما يُطلق عليها، بالولاء للنظام، وعدم انخراطها في عمل سياسي معارض من قبيل الاحتجاجات أو التظاهرات وبالطبع الثورات. وطبقًا لها لا يجوز الخروج على الحاكم. وعلى النقيض، تميزت السلفية السياسية، بالانخراط في العمل السياسي والمعارضة للنظام الحاكم، وشكّلت الأحزاب وخاضت الانتخابات، ونادت بضرورة وجود نوع من الإشراف والمشاركة السياسية والمحاسبة للنظام الحاكم. أما السلفية الجهادية، والتي تُمثّلها العديد من التنظيمات مثل “داعش” و”القاعدة”، فنادت بضرورة حمل الأفراد للسلاح لإقامة نظام حكم إسلامي “حقيقي”.

من بين التيارات السابقة، وجّهت المملكة الدعم الأكبر للتيار الهادئ، ووظّفته في مواجهة تيارات الإسلام السياسي المعارضة والسلفيين المتأثرين بالإخوان المسلمين الذين ينتقدون سياسات المملكة.

نتيجة لهذا الدعم، حظيت السلفية الهادئة بانتشار أكبر في المنطقة العربية وخاصة دول المغرب العربي، ومرت بمراحل متفاوتة، فتارة تصعِّدها الأنظمة الحاكمة وتارة تتعرض للتضييق، واستمر الأمر هكذا حتى اندلعت الانتفاضات العربية عام 2011، مانحة فرصة للسلفية الهادئة لأن تصبح أكثر نشاطًا وحضورًا في المجال العام، حيث دخل أنصارها المجال السياسي للدفاع عن مصالحهم، ووصلت بهم الحال إلى حمل السلاح.

السلفية المدخلية: أوجدها القذافي وفشلت في حمايته

اكتسب أتباع السلفية المداخلة، في ليبيا زخمًا كبيرًا في العقد الأول من القرن الحالي، فقد وظّفهم القائد الليبي الراحل معمر القذافي، كتيار مضاد للسلفية الجهادية التي جسدتها الجماعة الليبية المقاتلة، والتي شنت في التسعينات عمليات مسلحة استهدفت إسقاط نظام القذافي.

ولمواجهة تلك الجماعة، استضاف القذافي المداخلة السعوديين، وتحت إشراف نجله الساعدي القذافي والمخابرات الليبية، توسع نفوذهم في المدارس الدينية والمساجد، حتى جاءت ثورة 2011، وتجلى ولاء المداخلة في معارضتهم إياها، وتحذير الليبيين من الخروج على الحاكم.

بالطبع كانت هذه التحذيرات دون جدوى، ودخلت ليبيا ما بعد القذافي في مرحلة من الصراعات والفراغ المؤسسي، نما خلالها نفوذ المداخلة كقوة اجتماعية وسياسية وعسكرية وأمنية، وسيطروا على ميليشيات شبه رسمية تولت مسؤوليات الشرطة في أعقاب الثورة، وفرضوا سيطرتهم على المساجد والمدارس ووسائل الإعلام، كما استخدموا العنف أو التهديد به ضد الطوائف والشخصيات الإسلامية المتنافسة، وخاصة الصوفيين والإباضيين.

وبحلول عام 2014، ومع اندلاع الحرب الأهلية، عززت الجماعات المسلحة المدخليّة قوتها، وقاتلت إلى جانب الجيش الوطني بقيادة خليفة حفتر، بدايةً من معركة بنغازي في الفترة من 2014 إلى 2017. كذلك شاركت في الحرب ضد تنظيم “داعش”، خصوصًا في غرب ليبيا.

ومنذ ذلك الحين، برزت قوة عسكرية مدخليّة تحت مسمى اللواء 604 مشاة، كجهة سياسية وأمنية رئيسة في سرت، وتولت مهام الشرطة، وفرضت رؤيتها للأعراف الاجتماعية. وفي طرابلس، كانت القوات المدخليّة من القوات الرئيسة التي استفادت من الاستيلاء على مؤسسات الدولة الاقتصادية، خاصة بعد وصول حكومة الوفاق الوطني عام 2016.

تظاهرات للسلفين في الجزائر.. لدعم نظام بوتفليقة (المصدر: وكالة Getty)

المَدَاخلة.. ذراع النظام بالجزائر

شكّلت الحرب الأهلية بالجزائر (العشرية السوداء) في الفترة من 1992 إلى 1998، فرصة للسلفيين المَدَاخلة لتقديم أنفسهم سياسيًّا ودينيًّا للنظام الحاكم، كطرف موالٍ له، بدلاً من تلك التيارات الإسلامية العنيفة، وذلك في ظل الاقتتال بين النظام وتيارت الإسلام السياسي المتمثلة في الجبهة الإسلامية للإنقاذ.

ورغم الرفض الشعبي للتيارات الإسلامية السياسية بعد ما عاناته الجزائر من قتل ودمار، إلا أن المداخلة تغلّبوا على هذا الرفض، عبر توظيف القنوات الفضائية ومواقع الإنترنت لتحسين صورتهم وتقديم أنفسهم كبديل للتيارات العنيفة، حتى تمكنوا من توسيع نفوذهم اجتماعيًّا، وثبّتوا أنفسهم في المجالين الديني والسياسي بدلاً من الأحزاب السياسية الإسلامية.

ونظرًا إلى هدوئهم السياسي، وظفّهم النظام الحاكم كثقل أيديولوجي موازن للإسلام السياسي والجماعات الجهادية من ناحية، ولجذب الشباب وصرفهم عن الانضمام إلى تلك الجماعات من جانب آخر، فسمح لهم بتوسيع نفوذهم وإدارة مدارسهم الخاصة.

الانتفاضات العربية عام 2011 أتاحت أيضًا فرصة جديدة للمداخلة لإثبات جدواهم للنظام، فقد دفعوا الجماهير في اتجاه دعم النظام، الأمر الذي أثنى عليه النظام علانيةً، حين صرّح رئيس الوزراء السابق أحمد أويحيى في مارس/آذار 2017 بأن السلفية نموذج فاضل يجب اتباعه، قائلاً: “نحب السلفية في ديننا.. فلنكن سلفيين في قوميتنا”.

ورغم إثارة السلفية لغضب الأصوات العلمانية والليبرالية التي حذّرت لسنوات مما أسمتها “السلفية الزاحفة”، ما زالت مكانة ونفوذ المداخلة في تصاعد مقابل تراجع مكانة منافسيهم من الأحزاب الإسلامية والمنظمات الصوفية.

مظاهرات للسلفيين في المغرب، تضامنًا مع مسيرة مع متظاهري حركة 20 فبراير/شباط

تونس والمغرب.. مسيرة المَدَاخلة

ظهر المداخلة في المغرب، كقوة مؤثرة خلال فترة السبعينات، حين وظفّهم النظام لتفتيت المجال الديني ومواجهة خصومه، وفي مقدمتهم المعارضة اليسارية والإسلامية، لكن ما حدث لاحقًا كان على خلاف مسار ليبيا والجزائر، حيث تسببت تفجيرات الدار البيضاء في مايو/أيار 2003، والتي قُتل فيها نحو 45 شخصًا، على يد الجماعات الجهادية، في تقويض العلاقة الضمنية بين السلفين والنظام. فشن الأخير، حملة أمنية ضد الجماعات السلفية والمدارس القرآنية والأماكن المؤقتة للتجمعات والصلاة، وظهر في ذلك الوقت مدى ضعف السلفيين وحاجتهم إلى الحماية والبحث عن حلفاء سياسيين متعاطفين مع أزمتهم.

وجاءت انتفاضات 2011، لتكسر عزلة السلفيين وتدفعهم للمطالبة بفتح مدارسهم والعودة للوعظ بحرية، لكنهم لم يُشكّلوا حزبًا سياسيًّا لتحدي الإسلاميين في الانتخابات كما فعل نظرائهم في مصر، فالسلفيين وفي ظل سياستهم الهادئة، لم يحاولوا الاندماج في الأحزاب بل لجؤوا إلى تشكيل تحالف تكتيكي مع حزب العدالة والتنمية الإسلامي، ورغم أنه لم يكن نموذجًا للسلفية المعهودة، اعتبره المداخلة جديرًا بالثقة، على أمل أن يتمكن من حماية حقوقهم الدينية ومواجهة ما أسموه انحرافات العلمانية والليبرالية.

ومع هذا لم تتحقق الأهداف التي سعى إليها السلفيون، من هذا التحالف، فقد اتخذ النظام مسارًا قمعيًّا عام 2013، الأمر الذي لم تُقاومه الحركة بطبيعتها الهادئة بل اتجه كثيرٌ من أنصارها نحو النظام، ما أثار انشقاقات داخلها من الشباب الفاعلين، الذين رأوا أن أهدافهم يمكن أن تتحقق عبى نحو أفضل، من خلال المشاركة السياسية وتوسيع التحالفات.

تظاهرات للسلفيين في تونس تُطالب بدولة إسلامية (المصدر: وكالة Getty)

أما في تونس، فقد أدت ثورة 2011 لزيادة النشاط السلفي، بعد الإطاحة بالرئيس السابق زين العابدين بن علي، الذي احتكر المجال الديني طوال سنوات حكمه لتعزيز شرعيته. لتتجه السلفية الهادئة إلى إنشاء العديد من الجمعيات الخيرية والمدارس الدينية، وتضغط أحزاب السلفية السياسية التي تأسست حديثًا على النظام، مطالبةً إياه بدور ومشاركة سياسية أكبر. لكن منْ بين تيارات السلفية الثلاث، كانت الجهادية المستفيد الأكبر من التحول السياسي بتونس.

تمكّن التيار الجهادي من الانتشار بسهولة نظرًا إلى ضعف المؤسسات الدينية نتيجة للرقابة الشديدة عليها بعد بن علي، وكذلك بسبب الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية المتدهورة، فضلاً عن الفراغ الأمني، وساعده على هذا التحول الكبير في سياسته بالداخل التونسي، حيث عمد إلى نبذ العنف، وأعلن تنبيه للديمقراطية التي دائمًا ما كان يرفضها، وبدأ العمل السياسي كحركة اجتماعية، كما لجأ إلى السلمية في مواجهة عنف الأجهزة الأمنية.

وكانت المفارقة في تبنيه إستراتيجيات قانونية للرد على انتهاكات الدولة ضده، كما ظهر جليًّا في أكتوبر/تشرين الأول 2015، حين احتجت جمعيات من مدينة صفاقس أمام وزارة الشؤون الدينية، للتنديد بالفصل التعسفي لبعض الأئمة، لتمثل هذه التعبئة السلمية تناقضًا صارخًا مع الممارسات العنيفة من قبل هذا التيار.

ختامًا، يمكن القول إن الانتفاضات العربية أعطت دفعة كبيرة للسلفية الهادئة، وجعلت بعض الأنظمة الحاكمة تتجه لتوظيفها كشريك في إعادة تأهيل التيارات المتطرفة، وشجعهم على ذلك الهدوء السياسي والولاء للحاكم الذي ميّز هذا التيار، لكن هذا الولاء والامتناع عن ممارسة السياسة والعنف، يتسم بالمرونة، ويعتمد على السياق الذي يُوجد فيه التيار، فحين كانت الفرصة سانحة للانخراط في العمل السياسي، أقدموا على ممارسته، وحين كان الاحتكام للسلاح، حملوه كما هي الحال في ليبيا.

 

دينا حلمي

باحثة سياسية متخصصة في العلاقات الدولية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى