زوايامختارات

أردوغان في”فاروشا” القبرصية.. نُزهةُ استفزازِ الجميع!

 

يُصر الرئيس التركي رجب طيب أردوغان على إثارة التوترات في منطقة شرق المتوسط، وهو ما بدا جليًّا خلال زيارته الأخيرة، أمس الأحد 16 نوفمبر/ تشرين الثاني، إلى الجزء الشمالي من جزيرة قبرص الذي يخضع لسيطرة أنقرة، بمناسبة الذكرى 37  لإعلان “جمهورية شمال قبرص التركية”.

لم تكن الزيارة فقط ما أثار استنكار أطراف عدة، فقد أطلق أردوغان تصريحًا خلال جولته في المنطقة الشمالية من جزيرة قبرص التي لا تعترف بها سوى أنقرة، كان له الوقع الأكبر، إذ دعا لإجراء محادثات بشأن الجزيرة بناءً على مبدأ “دولتين منفصلتين”، في إشارة إلى الجزء الجنوبي الخاضع لسيطرة اليونان ويحظى باعتراف دولي.

خريطة قبرص

تنديد دولي

واعتبرت جزيرة قبرص أن زيارة الرئيس التركي “بمثابة استفزاز غير مسبوق”، وفق ما صرح به الرئيس القبرصي، نيكوس أناستاسيادس، قبيل الزيارة، فضلاً عن أنها تقوّض جهود الأمين العام للأمم المتحدة للدعوة إلى حوار خماسي غير رسمي بين القبارصة اليونانيين والقبارصة الأتراك واليونان وتركيا، وبريطانيا، القوة الاستعمارية السابقة في الجزيرة، كما أنها لا تساهم في خلق مناخ ملائم وإيجابي لاستئناف محادثات الوصول إلى حل للمسألة القبرصية.

وعلى الرغم من أن سكان الجزء الشمالي من الجزيرة يُطلق عليهم القبارصة الأتراك، تظاهر مئات القبارصة، قبيل الزيارة بأيام، للتنديد بتدخل تركيا، وردد المشاركون هتافات مناهضة لأنقرة من بينها “لا تدخل” و”الحرية للجميع” و”في قبرص القرار للقبارصة”. وقال جولسن إرتشين، المتحدث باسم حركة “الديمقراطية والإرادة” التي نظمت المظاهرة “نحن نقول لتركيا: لا يمكنكم أن تحكموا شمال قبرص من أنقرة”.

وعلى خلفية زيارة أردوغان إلى منتجع فاروشا القبرصي، أبدى الاتحاد الأوروبى استنكارًا لما وصفه بتصرفات تتعارض مع الشرعية الدولية في قبرص من جانب تركيا، والتي تمثلت في إعادة فتح منتجع فاروشا في قبرص، ودعا تركيا للتصرف بمسؤولية.

استفزازات مستمرة

زيارة أردوغان لجزيرة قبرص تأتي بعد ما يقرب من شهر على قرار تركيا بإعادة الفتح الجزئي لمدينة فاروشا أو “ماراس” باللغة التركية في 8 أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، في خطوة أثارت حفيظة أوروبا، خصوصًا في ظل التوترات التي تشهدها منطقة شرق المتوسط، على خلفية النزاع بين تركيا واليونان وقبرص على مصادر الغاز هناك، بعد أن شرعت تركيا في التنقيب عن الغاز قبالة سواحل الدولتين، وهو ما ندد به مجلس الأمن آنذاك.

مجلس الأمن يعرب عن قلقه إزاء إعلان #تركيا خطة لفتح ساحل #فاروشا، وهي مدينة تقع على الطرف الشرقي لقبرص.

ودعا المجلس، في بيان رئاسي، تركيا إلى التراجع عن القرار، ودعا الأطراف إلى تجنب اتخاذ أي إجراء أحادي يمكن أن يثير التوترات في الجزيرة.https://t.co/BTgFAnDYuh

— أخبار الأمم المتحدة (@UNNewsArabic) October 11, 2020

لؤلؤة قبرص

وكانت تُعرف مدينة فاروشا قديمًا بـ “لؤلؤة قبرص” كواحدة من أهم المنتجعات السياحية في العالم قبل أن تُقسم جزيرة قبرص على خلفية الصراع بين تركيا واليونان في عام 1974، إلى جزء شمالي تحت سيطرة أنقرة وغير معترف به دوليًّا، وجزء جنوبي تحت سيطرة اليونان، وعلى أثر هذا التقسيم هُجِّر سكانها لتصبح مدينة أشباح واختفت منها مظاهر الحياة كافة.

وتزامن القرار كذلك مع إعلان الرئيس التركي تأييده لانتخاب إرسين تتار، والذي فاز لاحقًا في الانتخابات الرئاسية في شمال قبرص، التي أُجريت قبل بضعة أسابيع، في خطوة أثارت المخاوف من تعطيل جهود توحيد الجزيرة أو محاولة ضمها لتركيا بعد انتخاب تتار، كما أنه قد يغلق الباب أمام القبارصة اليونانيين المُهجرين من فاروشا بالعودة إلى ديارهم، إذ كان أعلن تتار خلال وجوده في أنقرة قبل أيام من الجولة الأولى للانتخابات، عزمه على إعادة فتح منتجع فاروشا الساحلي.

أردوغان

دلالات التوقيت

وفي اعتقاد أستاذ الدراسات التركية في جامعة القاهرة، سامح الجارحي، فإن زيارة أردوغان اعتيادية وهدفها تثبيت أركان الرئيس القبرصي الجديد أرسين تتار الذي يحظى بالدعم التركي ويدين لتركيا بالولاء، ولكنها تأتي في إطار تحركات تركيا المستمرة في منطقة شرق المتوسط، خصوصًا في هذا التوقيت الحرج الذي  تدين فيه أطراف دولية وإقليمية عدة، على رأسها مصر واليونان والاتحاد الأوروبي، التدخلات التركية في المنطقة.

وتضفي هذه التصرفات التركية طابعًا استفزازيًّا على الزيارة، في ظل حديث الرئيس التركي الدائم عن عدم التخلي عما يسميه الحقوق والثروات التركية في شرق المتوسط، وهو ما تسوقه تركيا ضمن خطابها الدعائي في الداخل كنوع من التغطية على التدهور الذي يعاني منه الاقتصاد التركي، بحسب ما ذكره الجارحي لـ”ذات مصر”، والذي أدخل أردوغان بموجبه  تعديلات في مجموعته الاقتصادية، فأصدر قرارًا بإقالة محافظ البنك المركزي التركي مراد أويصال، في حين قدم وزير المالية بيرات ألبيرق، وهو زوج ابنة أردوغان، استقالته، متعللاً بأسباب صحية.

ويبدو أن تركيا لا تريد حلاً سياسيًّا من أجل توحيد الجزيرة، وفقًا للجارحي الذي يضيف أنه “منذ تقسيم قبرص قبل ما يزيد على 45 عامًا، والدوائر الرسمية وغير الرسمية في تركيا كافة تسعى لترسيخ أمر واقع يُفضي إلى استمرار استقلالية الجزء الشمالي من قبرص، بزعم أن الأقلية القبرصية التركية في الشمال، تخضع بنحو أو بآخر لهيمنة بعثات تبشير مسيحية تنطلق من قبرص الجنوبية”، كما أنه –والكلام للجارحي- بتوحيد الجزيرة ستفقد تركيا موضع قدم مهم لها في شرق المتوسط، إلى جانب كثير من الثروات والمواقع الإستراتيجية في قبرص الشمالية.

 

هاجر حسني

صحفية مصرية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى