سياسةغير مصنف

أرض الجهاد الإفريقية.. طيور المقاتلين الأجانب تحط في موزمبيق

على وقع زخات الرصاص التي تدوي في الأرجاء، بثت وكالة أعماق الإخبارية، الذراع الإعلامية لتنظيم الدولة الإسلامية “داعش”، أواخر الشهر الماضي، مقطعًا مصورًا لمن وصفتهم بـ”جنود الخلافة في موزمبيق” الذين اجتاحوا مدينة بالما الواقعة على الساحل الشرقي لمقاطعة كابو ديلجادو القريبة من الحدود التنزانية.

تضمن المقطع مجموعة من مقاتلي جماعة الشباب الموزمبيقية (غير مرتبطة بحركة شباب المجاهدين الصومالية)، يرتدون أزياء عسكرية ومدنية غير موحدة، فيما عُصبت رؤوسهم بـ”عُصَّب حمراء” مماثلة لتلك التي تستخدمها الوحدات القتالية الخاصة في داعش في منطاق نشاطه الأخرى، بينما لوح المسلحون بشارات النصر للكاميرا التي وثقت لحظات استيلائهم على المدينة الاستراتيجية.

داعش في موزمبيق
آثار هجوم لداعش في موزمبيق

قبل بث هذا الفيديو، انخفضت وتيرة العمليات الإعلامية للتنظيم داخل موزمبيق بشكل ملحوظ، حتى فاجأ العالم بهجماته السريعة التي تمكن خلالها من الوصول لمدينة بالما وتهديد أكبر مشروع للغاز في إفريقيا والذي تديره شركة “توتال الفرنسية” وتستثمر فيه عدة دول بإجمالي استثمارات قدره 60 مليار دولار. 

بدا واضحًا أن انخفاض العمليات الإعلامية كان مجرد تكتيك حربي اعتمده التنظيم ضمن المعارك العسكرية الدائرة في الدولة الإفريقية، لإخفاء المعلومات حول عناصره المشاركين في العمليات والتكتم على طبيعة تحركاته وتسليحه، وهو ما أشارت له عدة تحليلات لمراكز بحثية متخصصة في شؤون الإرهاب.

ورغم حالة التكتم التي فرضها التنظيم على الجانب الدعائي، تضمنت بعض الصور التي نشرتها وكالة الأعماق مقاتلين من ذوي البشرة البيضاء يقاتلون إلى جانب الفرع المحلي لداعش في موزمبيق، وهو ما يوحي أن الساحة الجهادية الجديدة صارت مقصدًا للمقاتلين الأجانب الذين يشاركون في الحركة الإرهابية العابرة للحدود الوطنية.

دولة موزمبيق
خريطة موزمبيق

تهديدات أمنية عالية

يُشكل تدفق المقاتلين الأجانب إلى جبهات القتال في وسط وجنوب إفريقيا تهديدًا أمنيًا عاليًا للمنطقة بأسره، خصوصًا أن الفرع المحلي المعروف بحركة الشباب الموزمبيقية أو جماعة أهل السنة نجح في الاستفادة من الخبرات القتالية لتنظيم داعش الأم، وصار أكثر عنفًا وفاعلية وهو الأمر الذي يظهر من قدرته على الصمود في مواجهة هجمات القوات الحكومية المدعومة بمستشارين عسكريين أمريكيين من نخبة القوات الخاصة المعروفة بالقبعات الخضر، إضافةً لتلقيهم سابقًا دعمًا من قبل شركة فاغنر الأمنية الروسية التي توظف نخبة من المرتزقة العسكريين، وبجانب المشاركة الواضحة لبعض الدول المجاورة كتنزانيا.

وتلفت مجموعة صوفان الأمريكية المعنية بشؤون الاستخبارات والأمن الدولي إلى أن هناك عددا غير معلوم من المقاتلين الأجانب انضموا لفرع داعش في موزمبيق من بينهم مقاتلون من شمال وجنوب إفريقيا والكونغو، بجانب مقاتلين من دول الشرق الأوسط، وتقدر مصادر استخبارية عدد المقاتلين بنحو 1500 مقاتل.

وحسب تحليل سابق نشره موقع “ذات مصر” فإن هجمات حركة الشباب الموزمبيقية تصاعدت بصورة واضحة، منذ أواخر 2017، وهي الفترة التي توصل فيها قيادات الحركة مع القيادة الإقليمية ثم القيادة المركزية لتنظيم “داعش” قبل أن يبايعوه رسميًا في عام 2018، وفق ما أظهرته صور بثها التنظيم عبر قنوات تابعة لهم على تطبيق تليجرام المشفر.

وأعلن التنظيم ضم الفرع الموزمبيقي لـ”ولاية وسط إفريقيا” التي يقودها “أبو الوليد الصحراوي” بتكليف مباشر من قيادة داعش، وأكدت تقارير سابقة أن وتيرة عمليات تنظيم داعش في مناطق إفريقيا تزايدت بشكل ملحوظ خلال السنوات القليلة الماضية.

وأوضح حساب “مستر كيو” محلل الجماعات الجهادية الشهير على موقع تويتر للتواصل الاجتماعي أن عمليات الجماعات المحلية المبايعة لداعش في إفريقيا بلغت نحو 38% من إجمالي عدد الهجمات التي تُسلط عليها صحيفة النبأ الأسبوعية الداعشية الضوء في أعدادها خلال الفترة الماضية، ما يدلل على ارتفاع خطورة النشاط الجهادي في القارة السمراء، وينذر بتحوله إلى حلة تمرد واسعة النطاق وغير قابلة للسيطرة.

وتدار الأفرع المحلية في إفريقيا بواسطة ما يسمى إدارة الولايات البعيدة داخل تنظيم داعش، الذي أعلن التحول لما يعرف باستراتيجية الحرب الاستنزافية منذ انهيار خلافته المكانية في سوريا والعراق في مارس 2019.

وسبق لأبي الحسن المهاجر، المتحدث السابق باسم داعش، قُتل في عملية عسكرية أمريكية داخل سوريا أواخر أكتوبر 2019، إعلان أن خلافة تنظيمه المكانية انحسرت في “ولايات سوريا والعراق” وتمددت في مناطق أخرى منها مناطق نشاط التنظيم في إفريقيا.

الجيش الموزمبيقي
الجيش الموزمبيقي مع السكان المحليين

وفي نفس السايق توقع محللون ومراقبون للشأن الجهادي أن تتحول الساحة الموزمبيقية لمعقل داعشي جديد، خصوصًا في ظل وفرة الموارد الطبيعية كالغاز الطبيعي التي تُشكل موردًا اقتصاديًا يعين التنظيمات الإرهابية على الاستمرار في القتال، وتنامي المظالم المحلية للمسلمين في مقاطعة كابو ديلجادو الذين اختار بعضهم الانحياز لحركة الشباب المحلية التي تتلقى دعمًا عملياتيًا وتمويليا من قبل تنظيم داعش وقيادته الإقليمية في وسط إفريقيا، بجانب فشل القوات الحكومية وحلفائها في التصدي لتمدد التنظيم هناك.

وقال ياسر فراويلة، الباحث في شؤون الجماعات والتنظيمات الإرهابية، إن ظهور مقاتلين أجانب أصحاب بشرة بيضاء في موزمبيق يؤكد أن تنظيم داعش الإرهابي وجه مقاتليه الموجودين في إفريقيا بشكل عام للعمل على السفر لفرع التنظيم الحالي الموجود في موزمبيق، وكذلك في النيجر باعتبار الدولتين سوف يكونان عاصمة للخلافة الداعشية المزعومة الجديدة ومنها ستنطلق كل العمليات الإرهابية كما حدث في السابق أثناء السيطرة على سوريا والعراق.

وأضاف فراويلة في تصريحات خاصة لـ”ذات مصر”: “داعش خطط لهذا منذ فترة طويلة وبالتحديد في فترة كمون التنظيم طوال عام 2020 وعدم وجود عمليات سوى قليل غير مؤثر كما كان في السابق، وهذا بسبب توجيهات التنظيم لعناصره بالانتقال إلى إفريقيا السمراء تمهيدا للسيطرة على بعض الدول الضعيفة والهشة أمنيا والغنية نفطيا وهو ما ينطبق على موزمبيق التي تضم واحدًا من أكبر حقول الغاز الطبيعي في المنطقة.

مقاتلو داعش
أفراد من تنظيم داعش

وحذر فراويلة من تحرك رجال داعش بعد استعداده نحو حقل الغاز الموجود في موزمبيق، والذي يبعد مسافة 10 كيلو فقط عن منطقة سيطرته، حيث سيمثل هذا الحقل ثروة كبرى للتنظيم ستجعل التنظيم يجذب المزيد من المقاتلين الأجانب الطامعين في دولاراته، كما سيواصل التنظيم الإرهابي زحفه نحو الدول الإفريقية الضعيفة أمنيا والغنية في مواردها من أجل السيطرة عليها لإنعاش التمويل الداعشي الذي سيغذي التنظيم الذي سيستعيد حيويته بمرور الوقت وسيتحول إلى تهديد خطير للأمن العالمي خلال سنوات معدودة، ما يفرض على التحالف الدولي لحرب داعش المعروف بـ”عملية العزم الصلب” أن يتحرك للتصدي للتنظيم في إفريقيا سريعا ومنعه من إعادة بناء قدراته من جديد.

في حين، اعتبر هشام النجار، الباحث في شؤون التنظيمات الإرهابية المسلحة، أن زحف المقاتلين الأجانب نحو بؤر الصراع تصاعد مع إعلان تأسيس خلافة داعش في العراق والشام في عام 2014، لكنه تضاعف مرات بعد أن صارت إفريقيا بمثابة الخلافة البديلة بعد سقوط وانهيار خلافة داعش في العراق وهزيمته في سوريا خلال العامين الماضيين.

وأضاف لـ”ذات مصر”: تتحول الولايات الإفريقية إلى ما يشبه المحور الأساسي للتنظيم حاليًا، حيث يوجد بها أقوى فروع داعش على مستوى العالم والتي نفذت كمًا هائلًا من العمليات ولديها مساعي وخطط للهيمنة على مساحات واسعة من الأرض وإعلان التمكين الداعشي، وهذا كله يغري المقاتلين الأجانب للانتقال إلى إفريقيا، ذات الحدود الهشة والمفتوحة، ليحظوا بما حرموا منه في العراق وسوريا.

اقرأ أيضًا:

كنوز موزمبيق.. الغاز والياقوت في يد الإرهابيين

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى