ثقافة وفنمختارات

فيلم “Nomadland”.. الحياة أجمل من دون خطة

“نظرًا لانخفاض الطلب على الألواح الصخرية، أغلقت شركة الجبس الأمريكية مصنعها في (إمباير)، (نيفادا)، بعد ٨٨ عاماً”.. هكذا يبدأ الفيلم الأمريكي أرض الرحل “Nomadland”، الذي يُعرض حاليا في مهرجان القاهرة السينمائي في دورته الثانية والأربعين، وذلك لأول مرة بالشرق الأوسط وشمال إفريقيا، بعد فوزه باثنتين من أهم جوائز العام وهما “الأسد الذهبي” من مهرجان فينسيا، و”اختيار الجمهور” من مهرجان تورنتو. الفيلم من إخراج وكتابة كلوي تشاو، ومقتبس من كتاب Nomadland: Surviving America in the Twenty-First Century للكاتبة جيسيكا برود، الذي نشر عام ٢٠١٧.

حين تختفي صناعة ما

في العالم الرأسمالي حين تختفي صناعة ما أو حرفة معينة، يختفي المكان بسكانه. وهذا ما حدث في “أرض الرحل”، عندما فقدت “فيرن”، التي تجسد دورها فرانسيس مكدورماند، كل شيء: زوجها وعملها، بيتها ومدينتها، لتقرر مغادرة المكان بأكمله، وبدء حياة الترحال، بحثًا عن ذاتها ورغبة في استكشاف الحياة.

يتتبع الفيلم رحلة السيدة الستينية “فيرن” وهي تتنقل من مكان إلى آخر في الغرب الأمريكي، حيث تعيش في شاحنتها، وتعمل في وظائف متنوعة، وتقابل مجتمعات غريبة عنها، لتمر خلال الرحلة بتجارب تتعرف خلالها على نفسها أكثر.

“فيرن” التي تجسد دورها فرانسيس مكدورماند

حب وتعلق وخسارة

بعيدًا عن النموذج الحضري الرأسمالي، يعرض الفيلم قصص المهمشين الذين يعيشون خارج حدود المجتمع التقليدي، حيث الحياة الأصيلة والتجارب الغنية، والكفاح من أجل البقاء.

Nomadland حاول الاقتراب من الواقعية لأقصى درجة، حتى أنه استعان برحل حقيقيين، مثل “بوب ويلز” و”ليندا ماي” و”تشارلين سوانكي”، الذين حكوا قصصًا تركت أثرًا لا ينسى عند “فيرن”، فجاء الفيلم مزيجًا بين الروائي والوثائقي. كما عاشت كل من فرانسيس مكدورماند، وكلوي تشاو في عرباتهم خلال فترة التصوير التي استمرت ٥ أشهر، بين جبال الغرب وشواطئ المحيط الهادئ، في محاولة لنقل حياة الرحل عن قرب.

في القصص التي نسمعها عن تلك المجتمعات غير المألوفة خلال تلك المحادثات مع “فيرن” طوال الطريق في رحلتها تظهر قوة الفيلم الحقيقية. قد تبدو المحادثات بسيطة إلا أنها تحمل عاطفة ومعنى حول تجارب الخسارة وقسوتها، خاصة وأنها قصص صادقة من واقعنا، ما يغير وجهة نظر “فيرن” عن مفهوم الحب والتعلق والخسارة.

المخرجة كلوي تشاو التقطت روح الترحال المُتأصلة في الشخصيات التي تقدمها، واتحادهم مع الطبيعة التي تساعدهم على الشفاء وتخطي أحزانهم. ففي مشهد تطفو فيه “فيرن” عارية في جدول ماء، تجد السلام في اندماجها مع المياه والصخور والحياة البدائية. فيما برع المصور السينمائي جوشوا جيمس ريتشارد في نقل تلك الصورة، وفي إبراز روح الأماكن التي ينتقل بينها الفيلم، وتجسيد مشاعر الرحل في عزلتهم واندماجهم وكذلك تردد “فيرن” بين البقاء والرحيل، وقرارها بمواجهة العالم المنغمس في التصنع، ومواصلة حياتها، والاستمتاع بها قدر الإمكان.

مشهد من فيلم أرض الرحل


لا تكشف عمّا في قلبك

فرانسيس مكدورماند ممثلة سبق ونالت جائزة أوسكار أفضل ممثلة، عن دورها فى فيلم Three Billboards Outside Ebbing, Missouri. ومن المتوقع ترشيحها مرة أخرى عن دور “فيرن” في “أرض الرحل”.

و”فيرن” امرأة من النوع الذي يسمع أكثر مما يتحدث، ولا يكشف عما في قلبه، وتتعامل بحذر مع من حولها. وهذا يسمح لنا بمعرفة قصص الرحالة الذين تلتقيهم في طريقها. نحن لا نعرف قصتها إلا في منتصف الفيلم تقريبًا حين تفتح قلبها لأحد الرحالة وتستغرق في الحكي.

“مكدورماند” قدمت دور “فيرن” صعبة المراس، والوافدة جديدًا إلى حياة الرحل، ببراعة، حيث نرى الأحداث من منظور امرأة تعاني الوحدة وتعيش داخل شاحنتها بلا أي خطة. تسألها شابة “هل أنت مشردة؟” فتجاوبها فيرن: “لا أنا فقط بلا منزل وهذا شيء مختلف”.

“فيرن” مليئة بالحياة والرغبة والذكريات رغم كل ما تعانيه، مازالت تستمع إلى الآخرين  وتساعدهم، لكنها لا تتحكم بعواطفها  فهي تتحرك باستمرار حيث مكان عملها، وتودع من دخلوا إلى قلبها، ولا تحاول الشعور بالندم على شيء . تشعر أحيانا بالاندماج وسط الرحل، وأحيانا تقف بعيداً بين الشاحنات في وحدة صاعقة.

فرانسيس مكدورماند في الفيلم

موسيقى من جبال الألب

استخدمت كلوي تشاو موسيقى لم تصنع خصيصاً للفيلم بل ضمن مجموعة ألبومات للموسيقي الإيطالي لودوفيكو إناودي، بعنوان “Seven Days Walking” استوحاها من رحلاته الطويلة في جبال الألب الإيطالية، حيث مشى في جبال الألب لمدة ٧ أيام، ليسجل ٧ ألبومات مختلفة حسب مشاعره في كل مرة يسلك فيها نفس المسار.

تلك المشاعر التي خاضها إناودي، شعرنا بها مع “فيرن”، ووصلنا إلى دواخلها وحالتها. فمع تصاعد ألحان البيانو، نشعر بعاطفة “فيرن” وتعلقها بحياتها الجديدة وبثراء رحلتها، ومع إلقائها نظرة أخيرة على نيفادا الخالية، وعلى المصنع والمنزل الذي قضت فيهما أغلب حياتها، وتذكرها كلمة أبيها أن “ما نتذكره هو ما يعيش ويبقى”، يتركنا الفيلم في حالة من الشعور بالجمال والراحة والسلام.

Nomadland من نوعية تلك الأفلام التي يمكن وصفها بأنها تحفز المشاهد على التفكير في حياته واكتشاف مغزى لما يحدث حوله .

لانا أحمد

صحفية مصرية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى