وجهات نظر

أزمات القرن الأفريقي.. مصر والحرب القادمة

تُنذر الاضطرابات المتزايدة في منطقة القرن الأفريقي بحدوث كارثة كبرى قد تدفع بالمنطقة إلى حالة الحرب التقليدية الشاملة.

إثيوبيا في حالة حرب استنزاف ممتدة مع نفسها، كما يواجه السودان تحديات كبرى في مسار الانتقال إلى الديمقراطية، وتتجه جنوب السودان بخطى حثيثة نحو حرب أهلية شاملة.

أما الصومال الذي فشل في إدارة أزمته الانتخابية، فيخوض حربًا لا تنتهي ضد الإرهاب. وفوق ذلك كله يؤدي التعنت الإثيوبي في مفاوضات سد النهضة والإصرار على المضي قدمًا في خطط الملء الثاني لخزان السد، في مايو المقبل، حتى بدون اتفاق؛ إلى قرع طبول حرب المياه، نظرًا للإضرار الشديد بالأمن المائي لكل من مصر والسودان.

ولا شك أن التكاليف الأمنية والإنسانية للفشل في الاستجابة بشكل مناسب لهذه الأزمات، كارثية، ليس على المنطقة فحسب، لكن على القارة ككل.

تلك الحالة المحزنة في القرن الأفريقي التي حركتها دوافع الهيمنة والسيطرة من جانب بعض زعماء المنطقة، وغياب طرق مجدية ومبتكرة للاستجابة للأزمات الإنسانية والأمنية، تثير دون أدنى شك مخاوف بشأن مستقبل المنطقة واستعداد القوى الكبرى -لاسيما الولايات المتحدة الأمريكية- والدول ذات المصلحة المباشرة وعلى رأسها مصر، للتعامل مع الوضع الجيوسياسي المعقد والمتقلّب في منطقة القرن الأفريقي، وامتداده في إقليم البحر الأحمر.

ربما كان ذلك هو الدافع نحو توجه إدارة الرئيس بايدن إلى استحداث منصب مبعوث جديد للولايات المتحدة في منطقة القرن الأفريقي.

على النقيض من نهجها السابق في منطقة البحيرات العظمى أو الساحل، تعاملت واشنطن لفترة طويلة مع البلدان في القرن الأفريقي الواعد لكن المتقلب، من خلال دعم وإتاحة الفرصة للدولة الصاعدة بالمفهوم النيوليبرالي في المنطقة، وعلى رأسها إثيوبيا، لإبراز قوتها والتأثير في ضبط النزاعات الإقليمية.

بيد أنه مع فقدان أديس أبابا للقدرة على ممارسة هذا الدور وانكفائها على الذات، ينتقل هذا العبء إلى أطراف دولية وإقليمية أخرى بما في ذلك واشنطن، لتصبح أكثر فاعلية في حماية مصالحها في المنطقة.

هذه العملية سوف تكون معقدة وفوضوية. لكن منع الحرب قبل نشوبها هو بالتأكيد أمر مشروع وأكثر جاذبية من جهود إنهاء الحرب.

إقرأ أيضا: استقرار الخطوط الحمراء.. هل سيشهد القرن الإفريقي حربًا إقليمية شاملة؟

حروب حدودية محتملة

تبعات حرب التيجراي الإثيوبية بعد أكثر من أربعة أشهر من القتال لا يمكن وصفها، حيث فرّ أكثر من 60 ألف لاجئ من الإقليم المضطرب إلى السودان، وانقطع وصول المساعدات الإنسانية الأساسية إلى نحو 80 % من سكان المنطقة البالغ عددهم ستة ملايين.

وعلى الرغم من سياسات فرض التعتيم على وسائل الإعلام والإنترنت، ظهرت قصص يشيب من هولها الولدان ترسم صورة مروعة للفظائع الجماعية، وعمليات الاغتصاب على نطاق واسع، والإعدامات خارج نطاق القانون، والتدمير الشامل للبنية التحتية الحيوية في المنطقة.

مؤخرًا فقط استيقظ ضمير الغرب، حيث بدأت الولايات المتحدة وحلفائها الأوروبيين، حملة دبلوماسية لإقناع رئيس الوزراء الإثيوبي، أبي أحمد، بالتراجع عن حملته للقضاء عسكريًا على أكبر تهديد سياسي له، والمتمثل في الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي. لكنه لايزال متمسكًا بموقفه.

وفي ظل واقع الدمار والخراب، بات واضحًا أننا أمام تمرد واسع النطاق للجبهة الشعبية لتحرير التيجراي يمكن أن يطول بل ويدفع إلى حروب حدودية أخرى في المنطقة.

الخطأ الاستراتيجي لأبي أحمد

على أن الخطأ الاستراتيجي التاريخي الذي ارتكبه أبي أحمد  في التيجراي، قد يقود إلى حرب تقليدية يمكن أن تندلع في أي لحظة بين السودان وإثيوبيا والعديد من الحلفاء الذين سوف يتدخلون بالوكالة، وهو الأمر الذي يهدد أمن واستقرار الإقليم.

ترجع أسباب هذه القنبلة الموقوته في العلاقات الإثيوبية السودانية إلى بدايات القرن الماضي، عندما جرى الاتفاق على خط الحدود بين البلدين لأول مرة، على الرغم من عدم تحديدها رسميًا، من قبل مؤسس الدولة الإثيوبية الحديثة، الإمبراطور منليك الثاني،خلال فترة الحكم البريطاني للسودان.

بيد أنه منذ عام 1993، وفي ظل تراخي حكم الإنقاذ في الخرطوم، احتل مزارعو الأمهرة مساحات كبيرة من مثلث الفشقة السوداني. وفي عام 2008، ظهر اتفاق الأمر الواقع الذي أقرت بموجبه إثيوبيا بالحدود القانونية التاريخية التي تضع الفشقة داخل السودان، بينما منح السودان مزارعي الأمهرة حقوقًا متواصلة في زراعة الأرض. في نفس الوقت توقفت الجهود لترسيم الحدود بشكل نهائي منذ الاجتماع الأخير للجنة الحدود العام الماضي.

لكن مطالب السودان بشأن فرض سيادته على المنطقة لم تتراجع أبدًا. وبالفعل، تمكنت القوات المسلحة السودانية في نهاية عام 2020 من طرد الإثيوبيين واستراد أجزاء كبيرة من أراضي الفشقة.

أثيوبيا والسودان وجهًا لوجه

كانت حرب التيجراي فرصة مواتية للسودان لاسترداد أراضيه وطرد مزارعي الأمهرا، وقامت أثيوبيا، نتيجة لحاجتها إلى مزيد من القوات لغزو التيجراي، بسحب قواتها من الصومال والفشقة.

بات واضحًا أن الجيش الأثيوبي كان في حالة ضعف نسبي، وهو ما أدى إلى استعانته بآلاف الجنود الأريتريين وقوات إقليم الأمهرا الخاصة. في المقابل وجد الجيش السوداني نفسه وجهًا لوجه مع الجيش الأثيوبي في منطقة الحدود، ما زاد من مخاطر الاشتباكات بين الجانبين.

بالفعل دفعت الهجمات المفاجئة المتعددة من الجانب الإثيوبي، إلى قيام الجيش السوداني بالتحرك في ليلة 29 ديسمبر 2020، وتدمير بعض المواقع الأمامية والمراكز الإدارية للجيش الإثيوبي أثناء استرداده لأراضيه.

غير أن حساب المصالح والمخاطر يُظهر أن المنطقة ككل مقبلة على حالة من الفوضى العارمة. صحيح أن رد السودان صحيح ومبرر تاريخيًا وقانونيًا في ضوء الغارات المتكررة التي قامت بها أثيوبيا عليه، لكن في نفس الوقت سوف يدعم هذا القرار مكانة الجيش السوداني وشرعيته باعتباره حامي البلاد والعباد.

وفي هذا السياق سوف يعني تغيير الحقائق على الأرض إلى خلق توازن استراتيجي جديد ترفضه أثيوبيا. يتضح ذلك من تصاعد الخطاب العدائي مؤخرًا من كلا الجانبين، حيث بدأت الخرطوم وأديس أبابا في تأطير النزاع الحدودي من خلال استخدام مصطلحات الأمن القومي وحتى التهديدات الوجودية، وهو ما يشبه في بعض النواحي الطريقة التي وصف بها كل جانب أزمة سد النهضة.

في حين رُفضت جهود الوساطة حتى الآن، كما أن الهيئة الحكومية للتنمية (إيجاد)، التي يرأسها حاليًا حمدوك وتسيطر عليها إثيوبيا تاريخيًا، تفتقر إلى الاستقلال والحياد.

الوساطة الدولية والمصير المجهول

هل تسير المنطقة إلى المجهول في ظل غياب الوساطة الدولية، ومحاولات الأطراف الفاعلة وحلفائها في الاقليم إشعال فتيل الحرب الباردة لتصبح أكثر سخونة؟

مكمن الخطر أن إثيوبيا تشارك في قوات بعثة الأمم المتحدة لحفظ السلام في “أبيي”، وهي منطقة ملتهبة بين دولتي السودان وجنوب السودان. ونحن أمام احتمالين كلاهما غير محمود العاقبة:

الأول: أن تقوم  إثيوبيا بسحب تلك القوات، ما يضطر الجيش السوداني إلى ملء هذا الفراغ الأمني، بما يهدد بتجدد الصراع مع جوبا.

الثاني: أن تستخدم إثيوبيا هذه القوات كطابور خامس لها في حالة اندلاع مواجهة حدودية مع السودان.

ثمة وضع بالغ التعقيد، إذ لا يقتصر الأمر على وجود الجيش الإثيوبي فحسب، بل يشمل أيضًا مليشيات الأمهرة والقوات الإريترية. وبالمثل، على الجانب السوداني من الحدود، توجد قوات الجيش وقوات الدعم السريع والميليشيات المحلية بأعداد كبيرة بشكل متزايد.

هناك حاجة ماسة إلى وساطة خارجية فاعلة لتجنب مخاطر تصاعد الصراع والحرب ليس فقط على السكان المدنيين في المنطقة الحدودية، ولكن أيضًا على دول القرن الأفريقي وحوض النيل.

اقترح السودان (وهو القرار الذي أيدته مصر) إشراك اللجنة الرباعية للوساطة في مفاوضات سد النهضة، وهي اللجنة التي تضم الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي. لكن المحور الذي تحاول تدشينه إثيوبيا برعاية أسمرة وعضوية الصومال، يمثل خطوة في اتجاه دفع المنطقة إلى المجهول.

د. حمدي عبد الرحمن

كاتب وباحث مصري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى