زوايا

هل يمكن تطبيق مناطق منخفضة الانبعاثات رغم أزمة السولار المصري؟

قُرب ميدان رمسيس في قلب القاهرة، التي احتلت المركز الثاني لأكثر مدن العالم تلوثًا في الهواء المحيط، وفقًا لدراسة أصدرتها منظمة الصحة العالمية في 2016؛ انتقلت ولاء صلاح (25 عامًا) لتعيش مع زوجها في منزلهم الجديد منذ عام 2019.

خلال سنواتها الأولى عاشت ولاء في إحدى قرى محافظة المنوفية، تنعم بالمساحات الخضراء الواسعة والأشجار العالية. حتى انقلب الحال فور انتقالها إلى منزلها الجديد.

في البداية كانت ولاء منزعجة من الأدخنة السوداء المُتصاعدة باستمرار من عربات النقل العام بالقرب من منزلها، فيما بعد تحول الانزعاج إلى مشكلة صحية تعاني منها الفتاة العشرينية، إذ أصيبت بـ”ربو شديد” تشدد ليلًا، فيحرمها من النوم.

ولاء ليست الوحيدة، فأكثر من 20 مليون من قاطني إقليم القاهرة الكبرى يعانون مشكلة تلوث الهواء، حيث وصل عدد المصريين الذين يسعون للعلاج الطبي من مشكلات في الجهاز التنفسي تتعلق بتدني جودة الهواء إلى أكثر من مليوني شخص، وذلك وفقًا لبيانات وزارة الصحة والسكان المصرية. وتقدر أعداد الوفيات جراء تلوث الهواء الناجم عن الوقود الأحفوري، بحوالي 65 ألف حالة سنويًا. 

السبب الأساسي لتلوث الهواء في إقليم القاهرة الكبرى هو احتراق الوقود الأحفوري في قطاع النقل، وذلك وفقًا لدراسة صادرة عن البنك الدولي في أبريل 2020، إذ إن قطاع النقل البري ثاني أكبر مصدر لانبعاث ثاني أكسيد الكربون، فيمثل 22% من إجمالي انبعاثات الغازات الدفيئة في مصر.

يستهلك قطاع النقل البري في مصر 3.5 مليون طن سولار، تمثل 29% من إجمالي استهلاك السولار البالغ 12.1 مليون طن.

أكثر من نصف هذه الكمية تستهلكها مركبات النقل العام بحوالي 53% من إجمالي استهلاك السولار في قطاع النقل البري بمصر، يليه النقل بمقطورة بنسبة 19.5%، ثم الأتوبيس بنسبة 9.4%، ومركبات أخرى تستهلك 18.1% من السولار، وذلك وفقًا لجهاز التعبئة والإحصاء المصري.

حسب تقرير للبنك الدولي، فإن حوالي 40٪ من انبعاثات النقل العام (45 مليون طن من مكافئ ثاني أكسيد الكربون) تحدث في القاهرة الكبرى وحدها.

وأضاف التقرير أن النقل العام هو المسؤول في المقام الأول عن ثلث تلوث الهواء من الجسيمات العالقة، إذ يساهم بـ26% من نسبة الجسيمات الدقيقة “PM10″، و90% من نسبة أول أكسيد الكربون، و50% من أكاسيد النيتروجين.

هذا بالإضافة إلى أن مساهمة السيارات في انبعاثات الجسيمات الدقيقة “PM2.5” كبيرة أيضًا، وذلك بسبب سوء جودة الوقود ومتوسط عمر السيارات والغياب المتكرر لتقنية مكافحة التلوث. 

ما يزيد من المشكلة سوءًا، رداءة جودة السولار المصري المُستخدم في غالبية وسائل النقل العام. 

كبريت أعلى من المسموح في السولار

يقول الباحث عبد الرحمن حجازي، مؤسس شريك وباحث في شركة “مواصلة للقاهرة”، إن الأزمة الكبرى في السولار في مركبات النقل العام، تكمن في نسبة الكبريت العالية، ما يجعل فلاتر المركبات لا تعمل بالشكل اللازم كونها لا تستطيع التعامل مع الشوائب والملوثات داخل السولار المصري.

ووفقًا لدراسة أجراها مركز البيئة والتنمية للإقليم العربي وأوروبا، فإن وقود الديزل في مصر، المعروف بـ”السولار”، يحتوي نسبة كبريت تزيد عن الحدود المسموح بها عالميًا.

وتصل نسب الكبريت الفعلية في السولار المنتج محليًا في مصر، إلى أكثر من خمسة آلاف جزء من المليون، وهو ما يقدر بأكثر من 500 ضعف نسب تركيز الكبريت في الاتحاد الأوروبي والذي يصل إلى 10 جزء في المليون فقط.

وتصنف مصر ضمن 14 دولة عالية تركيز الكبريت في وقود السولار، حيث تقول دراسة للمبادرة المصرية للحقوق الشخصية، بعنوان “سولار بلا كبريت”، أن مصر دولة من ضمن عدد قليل من الدول التي لم تتخذ إجراءات حاسمة لنزع الكبريت من السولار. 

Smoke billows from cars on a road in Cairo, Egypt October 30, 2018. REUTERS/Mohamed Abd El Ghany

ويتسبب السولار عالي الكبريت في زيادة نسبة الجسيمات الدقيقة ذات القطر 2.5 ميكرون (PM2.5)، والتي تعتبر العامل الأهم في حساب العبء الصحي الناتج عن تلوث الهواء، حيث يمكن اختراقها عمق الرئتين.

كما تتسبب في انعدام فاعلية أجهزة التحكم في الانبعاثات أو العوادم في المحركات، ما يزيد من الملوثات الناتجة عن الاحتراق الداخلي فيها، الأمر الذي يخفض جودة أداء هذه المحركات وإطلاق انبعاثات غير محكومة من ملوثات آخرى.

يقول الباحث عبد الرحمن حجازي، إن مستخدمي النقل الجامعي، بالإضافة إلى المشاة، هم الأكثر عرضة لناتج انبعاثات حرق الكبريت والسولار في مركبات النقل العام.

مؤسسة فريدريش إيبرت تقول في ورقة منشورة لها، إن تكلفة السولار الأكبر تقع على الشرائح الفقيرة في مصر، إذ يعتمد معظمهم على المركبات القديمة والمتهالكة التي تعتمد بدورها على السولار، كونها قليلة التكلفة، كما يُسمح بقيادتها في مصر إلى الآن.

عز الدين خالد مثال على ذلك. يعيش عز الدين في منطقة بولاق منذ عشر سنوات. يتشارك يوميًا مركبة بالسولار مع عشرة أشخاص لتوصيلهم إلى أعمالهم في مناطق مختلفة في القاهرة. 

يقول عز لـ”ذات مصر”: “أعيش في منطقة شعبية مليئة بالملوثات، والسيارة التي استقلها للعمل صباحًا هي الوسيلة المتاحة في هذه المنطقة”. 

يؤكد ياسر حسن، رئيس قسم بحوث تلوث الهواء بالمركز القومي للبحوث، أن التعرض المستمر لعادم السولار يؤدي إلى تهيّج الأنف والعينين، وتغيرات في وظائف الرئة، ومشاكل في الجهاز التنفسي وصداع، وإرهاق وغثيان. وقد يصل في بعض الأحيان إلى سرطان الرئة.

كبريت السولار وتغير المناخ

في دراسته “سولار بلا كبريت”، يقول الباحث محمد يونس، إن عوادم السولار لا تؤثر على الصحة العامة فقط أو تلوث الهواء المحلي، لكنها تساهم أيضًا في زيادة درجة حرارة الغلاف الجوي للأرض، عن طريق انبعاث الملوثات قصيرة المدى، مثل الكربون الأسود، الذي تتواجد جزيئاته بين أيام وأسابيع. وتمتص جزيئاته الإشعاع الشمسي، ما يساعد على تسخين الغلاف الجوي.

اقرأ/ي أيضًا: نفايات لا تحتضنها الأرض.. أخطار فادحة لـ”اللبان” على البيئة والاقتصاد

ويُعتبر الكربون الأسود ثاني أخطر الملوثات المناخية بعد ثاني أكسيد الكربون، فكيلو واحد منه يعادل 3200 كيلو جرام من ثاني أكسيد الكربون، وفقًا لتقرير الهيئة الدولية المعنية بتغير المناخ (IPCC)

من جانبه، يؤكد صابر عثمان، خبير التغيرات المناخية، أن المواطنين المتواجدين في مناطق شديدة الانبعاثات في مصر، يكون تأثير المناخ عليهم مُضاعف، فهم يتعرضون لخطرين، الأول: التعرض للتلوث المحلي من احتراق الوقود، والثاني: الأثر العالمي المتمثل في ارتفاع درجات الحرارة وغيرها. 

حلول مقترحة

يقول الباحث عبد الرحمن حجازي، إن الحل الأمثل لوقف أزمة الكبريت في السولار على المدى القصير، هو نزعه، ومراقبة المركبات التي تستخدمه، وسن عقوبات شديدة لمنعه.

أما على المدى الطويل فيرى حجازي أن الحل في وقف استخدام السولار في مركبات النقل العام في مصر، والبدء في استخدام الكهرباء من مصادر طاقة نظيفة. 

من جهته يرى صابر عثمان أن الحل في زيادة أعداد حافلات النقل العام وإيصالها لكل مكان في الجمهورية، لأن المواطنين سيستخدمونها، مما يقلل أعداد السيارات والمركبات في الشوارع، وبالتالي تقليل الانبعاثات.

طرحت مؤسسة فريدريش إيبرت إنشاء مناطق منخفضة الانبعاثات في مصر، والتي بموجبها تُفرض قيود على المركبات المسببة للتلوث داخل نطاقات محدودة، مثل مدينة كاملة أو منطقة تجارية مركزية أو منطقة تاريخية وأثرية معينة، ويسمح فيها بالمشاة والنقل الكهربائي فقط، وذلك للحد من أزمة المرور وتلوث الهواء الناجم عن المركبات بأنواعها.

ولكن هل يمكن تنفيذها بالفعل؟

يقول ياسر حسن، رئيس قسم بحوث تلوث الهواء بالمركز القومي للبحوث، إن تطبيق مناطق منخفضة الانبعاثات في مصر، “ليس صعبًا، خاصة مع التطورات الأخيرة التي تشهدها البلاد”، لكنه يلفت إلى أنه لتنفيذ هذه الخطوة، يجب تنفيذ خطوات أخرى، مثل: “تحسين منظومة النقل العام بشكل كامل في القاهرة الكبرى، وسن قوانين حادة لتنظيم الانبعاثات من المركبات، وبالتأكيد التوقف عن استخدام السولار والوقود في العربات واستبدالها بالهيدروجين الأخضر والكهرباء”.

اقرأ/ي أيضًا: “بيكوما”.. ابتكار مصري يُحجم ظاهرة التصحر ويوقف الهجرة البيئية

بالفعل، بدأت مصر في اتخاذ خطوات لإنتاج الهيدروجين الأخضر، إذ وقعت عقدًا مع شركة سيمنس الألمانية، للبدء في المناقشات لتنفيذ مشروع تجريبي لإنتاج الهيدروجين الأخضر في مصر كخطوة أولى نحو التوسع في هذا المجال، وصولًا إلى إمكانية التصدير.

يتفق صابر عثمان مع ياسر حسن، في أنه من الممكن تنفيذ مناطق منخفضة الانبعاثات مستقبلًا، “وسيكون لها مردود قوي من حيث تقليل الانبعاثات الملوثة وتنظيم المرور”، لكن، “يجب أولًا التوقف ومراقبة استخدام السولار الملوث في مصر”.


تم تنفيذ هذا التقرير بدعم من مؤسسة “Climate Tracker” 

إيمان منير

صحافية مصرية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى