دراسات وتحليلات

أزمة تايوان ونهاية الإمبراطورية الأمريكية

مقدمة المترجم

ترجمة المقال لا تعكس رؤية المترجم. إنما تنبع أهمية ترجمة هذا المقال من خطورة موضوعه، بجانب التعرف على فكر كاتبه “نيال فيرجسون”، أحد  أهم المؤرخين المنتمين إلى فكر المحافظين الجدد.


 

“أمريكا ثعلب دبلوماسي، في حين أن بكين مثل القنفذ، يركز على فكرة إعادة التوحيد”.

اقتبس الفيلسوف “أشعيا برلين”، في مقالٍ شهير، اقتباساً من الشاعر اليوناني القديم “أرشيلوخوس”: “إن الثعلب يعرف أشياء كثيرة، لكن القنفذ يعرف شيئًا واحدًا بطريقة كبيرة”.

يستمر “برلين” قائلاً: “من جانب؛ توجد فجوة كبيرة بين أولئك، الذين يربطون كل شيء بـمبدأ تنظيمي واحد وعالمي [أي القنافذ]. وعلى الجانب الآخر، أولئك الذين يسعون وراء غايات كثيرة، غالبًا ما تكون غير مرتبطة بل وحتى متناقضة [وهم الثعالب].

كان “برلين” يتحدث عن الكُتّاب، لكن يمكن رسم نفس التمييز في مجال سياسات القوى العظمى. فاليوم، هناك قوتان عظميان في العالم، الولايات المتحدة والصين. الأول هو الثعلب. فالسياسة الخارجية الأمريكية، على حد تعبير “برلين”، “مبعثرة أو متفرقة، تتحرك على عدة مستويات”. أما الصين، على النقيض من ذلك، هي مثل القنفذ. فهي تربط كل شيء “برؤية داخلية موحدة لا تتغير، وشاملة، وأحيانًا متناقضة مع نفسها وغير كاملة، وأحيانًا متعصبة، ورؤية داخلية موحدة”.

علما تايوان وأمريكا

مناورة الثعلب الأمريكي الأعظم

قبل خمسين عامًا (تحديداً في يوليو 1971)، سافر الثعلب الأعظم للدبلوماسية الأمريكية، “هنري كيسنجر”، إلى بكين في مهمة سرية من شأنها أن تُغير بشكل أساسي ميزان القوى العالمي. كانت الخلفية الاستراتيجية هي رغبة إدارة “ريتشارد نيكسون” لإخراج الولايات المتحدة من حرب فيتنام مع الحفاظ على الشرف والمصداقية إلى أقصى حد ممكن. وكان السياق الداخلي أكثر عمقًا وعنفًا. ففي مارس 1971، تمت إدانة الملازم “ويليام كالي” بارتكاب 22 جريمة قتل في مذبحة ماي لاي (وهي مجزرة وقعت خلال حرب فيتنام على أيادي جنود أمريكيين- المترجم). وفي إبريل، خرج نصف مليون شخص في مسيرة عبر واشنطن للاحتجاج على الحرب في فيتنام. وفي يونيو، بدأت نيويورك تايمز في نشر “أوراق البنتاغون” (وهو تقرير حكومي أمريكي سري من سبعة آلاف وثيقة سُربت في عام 1971-المترجم).

ربما كانت اجتماعات “كيسنجر” مع “تشو إنلاي”، رئيس الوزراء الصيني حينئذ، هي الأكثر أهمية في حياته المهنية. وبصفته ثعلبًا، كان لمستشار الأمن القومي الأمريكي أهدافًا متعددة. فالهدف الرئيسي هو تأمين دعوة صينية عامة لرئيسه، “نيكسون”، لزيارة بكين في العام التالي (1972).

لكنّ “كيسنجر” كان يسعى أيضًا للحصول على مساعدة الصين في إخراج أمريكا من فيتنام، فضلًا عن أمله في استغلال الانقسام الصيني السوفييتي، بطريقة من شأنها أن تضغط على الاتحاد السوفييتي، الخصم الرئيسي لأمريكا في الحرب الباردة، لإبطاء سباق التسليح النووي. وفي ملاحظاته، أدرج “كيسنجر” ما لا يقل عن ست قضايا للمناقشة، بما في ذلك الصراع المحتدم في جنوب آسيا والذي من شأنه أن يُتوَّج باستقلال بنغلاديش.

كان رد “تشو” رد قنفذ. لديه مشكلة واحدة فقط: تايوان. وقال لـ “كيسنجر” في البداية: “إذا لم يتم حل هذا السؤال الحاسم، فسيكون من الصعب حل المسألة [العلاقات الأمريكية الصينية] برمتها”.

كان هدف “تشو” الرئيسي هو إقناع “كيسنجر” بـ “الاعتراف بجمهورية الصين الشعبية باعتبارها الحكومة الشرعية الوحيدة في الصين” و”أنّ تايوان جزء غير قابل للتصرف من الأراضي الصينية يجب إعادته إلى الوطن”، حيث يجب على الولايات المتحدة “سحب جميع قواتها المسلحة وتفكيك جميع منشآتها العسكرية”. (منذ انتصار الشيوعيين في الحرب الأهلية الصينية عام 1949، كانت جزيرة تايوان آخر بؤرة استيطانية للكوومينتانغ القومي. ومنذ الحرب الكورية، دافعت الولايات المتحدة عن حكمها).

كان “كيسنجر” على استعداد لتقديم التنازلات الرئيسية التي يسعى الصينيون إليها. وقال لـ “تشو”: “نحن لا ندافع عن حل يتضمن “صينين” أو حل يتضمن “صين واحدة وتايوان واحدة”. وتابع: “وبصفتي طالبًا في التاريخ، يجب أن تكون توقعات المرء هي أنّ التطور السياسي من المرجح أن يكون في الاتجاه الذي أشار إليه رئيس الوزراء”. علاوة على ذلك، “يمكننا تسوية الجزء الأكبر من المسألة العسكرية خلال فترة ولاية الرئيس، إذا كانت الحرب في جنوب شرق آسيا [أي فيتنام] انتهت”.

وردًا على سؤال من “تشو” عن رأيه في حركة الاستقلال التايوانية، رفض “كيسنجر” ذلك تمامًا. بغض النظر عن القضايا الأخرى التي أثارها “كيسنجر” -مثل فيتنام وكوريا والاتحاد السوفييتي- أعاد “تشو” المحادثة إلى تايوان، “السؤال الوحيد بيننا”. هل سوف تعترف الولايات المتحدة بجمهورية الصين الشعبية باعتبارها الحكومة الوحيدة للصين وتطبيع العلاقات الدبلوماسية؟ نعم، بعد انتخابات عام 1972. وهل سوف تُطرَد تايوان من الأمم المتحدة وسوف تُمنح مقاعدها في مجلس الأمن لبكين؟ مرة أخرى، نعم.

هنري كيسنجر

الهروب من فخ “ثوسيديدس”

وبعد مرور نصف قرن، تظل القضية نفسها -تايوان- هي الأولوية الأولى لبكين. لم يتطور التاريخ بالطريقة التي تنبأ بها “كيسنجر”. صحيح أنّ “نيكسون” ذهب إلى الصين كما هو مُخطط له، وطُردت تايوان من الأمم المتحدة، وتحت حكم الرئيس “جيمي كارتر”، ألغت الولايات المتحدة معاهدة الدفاع المشترك لعام 1954 مع تايوان. لكن اللوبي المؤيد لتايوان في الكونجرس كان قادرًا على إرساء شريان الحياة لـ “تايبيه” في عام 1979، على شكل قانون اسمه “قانون العلاقات مع تايوان” (Taiwan Relations Act).

ينص القانون على أنّ الولايات المتحدة ستعتبر “أي جهد لتحديد مستقبل تايوان بوسائل غير سلمية، بما في ذلك المقاطعة أو الحظر، تهديد للسلام والأمن في منطقة المحيط الهادئ الغربي وقلق بالغ للولايات المتحدة”. كما حث الحكومة الأمريكية على “توفير المواد الدفاعية والخدمات لتايوان بالكمية اللازمة حتى تتمكن من الحفاظ على قدرة كافية للدفاع عن النفس”، وكذلك “الحفاظ على قدرة الولايات المتحدة في الدفاع ضد أي قوة أو أي شكل آخر من أشكال الإكراه من شأنه أن يضر بالأمن أو النظام الاجتماعي أو الاقتصادي لشعب تايوان”. أمّا بالنسبة للقنفذ الصيني، فإن هذا الغموض -حيث لا تعترف الولايات المتحدة بتايوان كدولة مستقلة ولكنّها في الوقت نفسه تضمن أمنها واستقلالها الفعلي- يظل حالة لا تُطاق.

ومع ذلك، فقد تغير ميزان القوى منذ عام 1971، وبشكل أعمق بكثير مما كان يتوقعه “كيسنجر”. فكانت الصين قبل خمسين عامًا فقيرة جدًا: فعلى الرغم من عدد سكانها الضخم، كان اقتصادها جزءً صغيرًا من الناتج المحلي الإجمالي للولايات المتحدة. أمّا هذا العام (2021)، يتوقع صندوق النقد الدولي أن يكون الناتج المحلي الإجمالي الصيني، بالقيمة الحالية للدولار، ثلاثة أرباع الناتج المحلي الإجمالي للولايات المتحدة. وعلى أساس تعادل القوة الشرائية، تفوقت الصين على الولايات المتحدة في عام 2017.

في نفس الإطار الزمني، ازدهرت تايوان أيضًا. لم تبرز فقط كواحدة من أكثر الاقتصادات تقدمًا في آسيا، حيث أصبحت شركة Taiwan Semiconductor Manufacturing Co أكبر مصنع للرقائق في العالم. وأصبحت تايوان أيضًا دليلًا حيًا على أنّ الشعب الصيني يمكن أن يزدهر في ظل الديمقراطية. النظام الاستبدادي الذي حكم تايبيه في السبعينيات هو ذكرى بعيدة. أمّا اليوم، تُعد تيوان مثالًا ساطعًا على كيفية استخدام المجتمع الحر للتكنولوجيا لتمكين مواطنيه، وهو ما يفسر سبب كون استجابته لوباء كوفيد-19 هي الأكثر نجاحًا بأي مقياس في العالم (إجمالي الوفيات: 10).

كما يجادل “جراهام أليسون” من جامعة هارفارد في كتابه المؤثر، “مصير للحرب: هل تستطيع أمريكا والصين الهروب من فخ ثوسيديدس؟”، بأنّ الصعود الاقتصادي للصين -الذي رحب به صُنّاع السياسة الأمريكيون في البداية- كان لا بد أن يبدو في النهاية وكأنه تهديد بين القوى الحالية والقوى الصاعدة، وهو سمة من سمات السياسة العالمية منذ عام 431 قبل الميلاد، عندما كان “نمو قوة أثينا، والذعر الذي حدث في سبارتا” هو الذي أدى إلى الحرب. الشيء الوحيد المدهش هو أن الأمر تطلب من الرئيس “دونالد ترامب”، أن يوقظ الأمريكيين على التهديد الذي يُشكله نمو سلطة الجمهورية الشعبية.

“ثوسيديدس” هو مؤرخ يوناني عاش في الفترة من 460 ق.م إلى 395 ق.م، وتعبير “فخ ثوسيديدس يشير بزوغ قوة جديدة تبث الخوف في قلب القوة القديمة، مما يتسبب في نشوب حرب – المترجم).

حرب فيتنام

“ترامب” لم يكن محاربًا باردًا

شن “ترامب” حملة ضد الصين بعدما اعتبرها تهديدًا أساسيًا لوظائف التصنيع في الولايات المتحدة. فبمجرد وصوله إلى البيت الأبيض، أخذ وقته، لكن في عام 2018 بدأ في فرض رسوم جمركية على الواردات الصينية. ومع ذلك، لم يستطع منع حربه التجارية المفضلة من التصعيد بسرعة إلى شيء أشبه بالحرب الباردة الثانية، وهي مسابقة كانت تكنولوجية وأيديولوجية وجيوسياسية في آن واحد. رحّب بذلك الجمهور، مع تصاعد المشاعر المعادية للصين بين الجمهوريين والديمقراطيين على حد سواء.

ربما كان “ترامب” نفسه قنفذًا ذا مسار واحد: التعريفات الجمركية. لكن في عهد وزير الخارجية “مايك بومبيو”، سرعان ما عادت السياسة الأمريكية إلى قواعدها الـ “ثعلبية”. فألقى “بومبيو” بكل مشكلة يمكن تخيلها على بكين، من اعتماد شركة Huawei Technologies Co على أشباه الموصلات المستوردة، إلى قمع الحركة المؤيدة للديمقراطية في هونغ كونغ، مرورًا بالأصول الغامضة لكوفيد-19 في ووهان. وأضيفت تايوان بشكل حتمي إلى القائمة، لكن مبيعات الأسلحة المتزايدة والاتصالات الدبلوماسية لم تكن أعلى القائمة. فعندما جادل “ريتشارد هاس”، كبير أعضاء مجلس العلاقات الخارجية، العام الماضي (2020)، بإنهاء “الغموض الاستراتيجي” والتزام الولايات المتحدة بإخلاص بدعم تايوان، لم يستنتج أحد في إدارة “ترامب” بأنها فكرة عظيمة.

لكن عندما التقى “بومبيو” بمدير مكتب الشئون الخارجية للحزب الشيوعي، “يانغ جيتشي”، في هاواي في يونيو الماضي، قال بأن “لا يوجد سوى صين واحدة في العالم وتايوان جزء لا يتجزأ من الصين. إن مبدأ صين واحدة هو الأساس السياسي للعلاقات الصينية الأمريكية”.

كان “ترامب” ناجحًا للغاية في قيادة رأي النخبة والشعب إلى موقف أكثر مناهضة للصين، لدرجة أنّ الرئيس “جو بايدن” لم يكن لديه بديل سوى الالتزام بسياسات العام الماضي. والنتيجة المفاجئة إلى حد ما، هي أنّه يقود الآن إدارة أكثر تحريضًا على الحرب من سابقتها على عدّة أصعدة.

لم يكن “ترامب” محاربًا باردًا. وفقًا لمذكرات مستشار الأمن القومي السابق “جون بولتون”، كان الرئيس يحب أن يشير بقلمه ويقول، “هذه هي تايوان”، ثم يشير إلى مكتب Resolute في المكتب البيضاوي ويقول، “هذه هي الصين”. قال ترامب لأحد أعضاء مجلس الشيوخ الجمهوري: “تايوان على بعد قدمين من الصين”، نحن على بعد 8000 ميل. إذا قاموا بغزوها، فليس هناك شيء يمكننا القيام به حيال ذلك”.

على عكس الآخرين في فريق الأمن القومي، لم يهتم “ترامب” كثيرًا بقضايا حقوق الإنسان في الصين. ففي هونغ كونغ، قال: “لا أريد أن أتدخل”، وأضاف “لدينا مشاكل تتعلق بحقوق الإنسان أيضًا”. وعندما تحدث الرئيس “شي جين بينغ” حول معسكرات العمل لمسلمي الأويغور في شينجيانغ في غرب الصين، قال له “ترامب” بشكل أساسي “ليس هناك مشكلة”. وفي الذكرى الثلاثين لمذبحة ميدان تيانانمن عام 1989، سأل ترامب: “من يهتم بها؟ أحاول التوصل إلى اتفاق”.

ترامب والرئيس الصيني

أهمية الحلفاء في ردع الصين

في المقابل، تعني إدارة “بايدن” ما تقوله بشأن مثل هذه القضايا. ففي كل بيان منذ توليه منصب وزير الخارجية، أشار “أنطوني بلينكين” إلى الصين ليس فقط كمنافس استراتيجي ولكن كمُنتهِك لحقوق الإنسان. ففي يناير مثلًا، وصف معاملة الصين للأويغور بأنها “محاولة لارتكاب إبادة جماعية”، وتعهد بمواصلة سياسة “بومبيو” لزيادة مشاركة الولايات المتحدة مع تايوان. أمّا في فبراير، اهتم بما يقوله “يانغ” عن هونغ كونغ وشينجيانغ والتبت وحتى ميانمار، حيث تدعم الصين الانقلاب العسكري الأخير. في وقت سابق من هذا الشهر (مارس 2021)، فرضت الإدارة عقوبات على المسئولين الصينيين الذين تعتبرهم مسئولين عن القضاء على الحكم الذاتي لهونغ كونغ.

في مقالته الأخيرة في مجلة “فورين أفيرز” قبل الانضمام إلى الإدارة بصفته “قيصر” آسيا، جادل “كيرت كامبل” من أجل “بذل جهود واعية لردع المغامرات الصينية… وهذا يعني الاستثمار في الصواريخ الباليستية والصواريخ التقليدية بعيدة المدى، والطائرات الهجومية بدون طيار والمركبات تحت الماء وغواصات ذو صواريخ موجهة وأسلحة ذو ضربة عالية السرعة”. وأضاف أنّ واشنطن بحاجة إلى العمل مع الدول الأخرى لتوزيع القوات الأمريكية عبر جنوب شرق آسيا والمحيط الهندي وإعادة تأهيل الصناعات الحساسة والسعي إلى “فصل منظم” عن الصين.

من نواحٍ عديدة، فإن الاستمرار في استراتيجية “ترامب” مع الصين أمر مذهل. لم تنته الحرب التجارية ولا الحرب التكنولوجيا. بصرف النظر عن المعنى الفعلي لأمور حقوق الإنسان، فإن الاختلاف الكبير الآخر الوحيد بين “بايدن” و”ترامب” هو تركيز “بايدن” القوي على أهمية الحلفاء في عملية ردع الصين، على وجه الخصوص، ما يسمى الحوار الأمني الرباعي (وهو المعروف أيضًا باسم كواد Quad) التي شكّلتها الولايات المتحدة مع أستراليا والهند واليابان. كما قال “بلينكين” في خطاب رئيسي في 3 مارس، على الولايات المتحدة “إشراك الصين من موقع قوة… وهذا يتطلب العمل مع الحلفاء والشركاء… لأن ثقلنا المشترك يصعب على الصين تجاهله”.

اتخذت هذه الحجة شكلًا ملموسًا الأسبوع الماضي، عندما قال “كامبل” لصحيفة Sydney Morning Herald إنّ الولايات المتحدة “لن تترك أستراليا وحدها في الميدان” إذا واصلت بكين ضغطها الاقتصادي الحالي على كانبيرا (انتقامًا لدعوة الحكومة الأسترالية لإجراء تحقيق مستقل في أصول وباء كوفيد-19). وقال مستشار الأمن القومي “جيك سوليفان” تقريبًا نفس الشيئ. أما “بايدن”، فقد استضاف نفسه قمة افتراضية لرؤساء الحوار الأمني الرباعي في 12 مارس.

مضيق تايوان

سيناريو الحرب العالمية الثالثة

يبقى النهج الصيني نهج القنفذ. فقبل عدة سنوات، أخبرني أحد مستشاري “شي” الاقتصاديين أنّ إعادة تايوان تحت سيطرة البر الرئيسي كان الهدف الأسمى لرئيسه، وهو ما جعله يُوقف القاعدة غير الرسمية التي كانت تمنح الرؤساء الصينيين فترتي حكم فقط. ولهذا السبب، وقبل كل شيء، أشرف “شي” على توسع هائل في القوات البرية والبحرية والجوية الصينية، بما في ذلك صواريخ DF-21D الأرضية التي يمكن أن تُغرِق حاملات الطائرات الأمريكية.

وبينما كانت الثعالب متعددة المهام في أمريكا تُوسِع قائمة المظالم الخاصة بهم، فإن القنفذ الصيني يبني بشكل مطرد قدرته على الاستيلاء على تايوان. فعلى حد تعبير “تانر جرير”، الصحفي الذي يكتب بمعرفة واسعة عن الأمن التايواني، فإن جيش التحرير الشعبي (الجيش الصيني) “لديه تكافؤ في كل نظام يمكن للتايوانيين استخدامه (أو الشراء منّا في المستقبل)، وبالنسبة لبعض الأنظمة فقد تفوقوا ببساطة على تايوان تمامًا”. والأهم من ذلك، أنشأت الصين ما يُعرف باسم “فقاعة منع الوصول / المنطقة المحظورة” لإبعاد القوات الأمريكية عن تايوان. كما أشارت “لوني هينلي” من جامعة جورج واشنطن في شهادتها أمام الكونجرس الشهر الماضي (فبراير 2021)، “إذا تمكنا من تعطيل [نظام الدفاع الجوي الصيني المتكامل]، فيمكننا الفوز عسكريًا. إذا لم يكن الأمر كذلك، فربما لا يمكننا ذلك”.

كطالب في التاريخ، كما يقول “كيسنجر”، أرى وضعاً خطيراً للغاية. أصبح التزام الولايات المتحدة تجاه تايوان أقوى شفهيًا رغم الضعف العسكري. وعندما يُقال أنّ الالتزام “صلب كالصخر” لكنه في الواقع له قوام رمال ناعمة، فهناك خطر أن يخطئ الجانبان في التقدير.

وأنا لست الوحيد الذي يقلق هنا. فمثلًا، حذّر الأدميرال “فيل ديفيدسون”، قائد القوات الأمريكية في المحيطين الهندي والهادئ، في شهادته في فبراير أمام الكونجرس أنّ الصين يمكن أن تغزو تايوان بحلول عام 2027. وفي وقت سابق من هذا الشهر، أشار زميلي في جريدة بلومبرج “ماكس هاستينغز” إلى أنّ “تايوان تثير نوعًا من المشاعر للشعب [الصيني] كما فعلته كوبا مع الأمريكيين قبل 60 عامًا”.

نشر الأدميرال “جيمس ستافريديس”، وهو أيضًا كاتب في مجال الرأي في بلومبيرج، “2034: رواية من الحرب العالمية التالية”، حيث كانت عملية تطويق بحرية صينية مفاجئة لتايوان إحدى الحيل الافتتاحية للحرب العالمية الثالثة. (وتكبدت الولايات المتحدة مثل هذه الخسائر البحرية الفادحة التي دفعتها إلى تدمير تشانجيانغ بالسلاح النووي، الأمر الذي أدى بدوره إلى القضاء على سان دييغو وجالفستون.) ولعل الجزء الأكثر إثارة للتساؤل في هذا السيناريو هو تاريخه، بعد 13 عامًا. تخيلت زميلتي في معهد هوفر، “ميشا أوسلين”، حربًا بحرية بين الولايات المتحدة والصين في أقرب وقت ممكن بحلول عام 2025.

القوة الاقتصادية بين أمريكا والصين

خيارات واشنطن

في دراسة جديدة مهمة لمسألة تايوان لمجلس العلاقات الخارجية، وضع “روبرت بلاكويل” و”فيليب زيليكو” -الطلاب المخضرمون والممارسون في السياسة الخارجية الأمريكية- الخيارات الأربعة التي يرونها لسياسة الولايات المتحدة، ويفضلون الأخير:

“يجب على الولايات المتحدة أن تتدرب -على الأقل مع اليابان وتايوان- على خطة موازية لتحدي أي رفض صيني للوصول الدولي إلى تايوان، والاستعداد بالإمدادات الأمريكية المخزنة مسبقًا ومخزون احتياطي الحرب، وشحنات الإمدادات الضرورية لمساعدة تايوان من أجل دفاعها عن نفسها. ستخطط الولايات المتحدة وحلفاؤها بمصداقية وبشكل واضح للرد على الهجوم على قواتهم من خلال قطع جميع العلاقات المالية مع الصين، أو تجميد الأصول الصينية أو الاستيلاء عليها”.

إنّ “بلاكويل” و”زيليكو” محقون في أنّ الوضع الراهن غير مُستدام. لكن هناك ثلاث مشكلات أساسية مع كل الحجج لجعل الردع أكثر إقناعًا. الأول هو أنّ أي خطوات لتقوية دفاعات تايوان ستثير حتمًا استجابة غاضبة من الصين، مما يزيد من احتمالية اشتعال الحرب الباردة، خاصة إذا كانت اليابان متورطة بشكل واضح. المشكلة الثانية هي أن مثل هذه الخطوات تخلق فرصة أمام الصين للعمل قبل اكتمال ترقية قوة الردع الأمريكية. والمشكلة الثالثة هي نفور التايوانيين أنفسهم عن التعامل مع أمنهم القومي بنفس الجدية التي يتعامل بها الإسرائيليون مع بقاء دولتهم.

لم يكن من المرجح أبدًا أن تُستأنف عملية الحوار الاستراتيجي الصيني الأمريكي من خلال اجتماع يوم الخميس (18 مارس 2021) في ألاسكا بين “بلينكين” و”سوليفان” و”يانغ” ووزير الخارجية الصيني “وانغ يي”، فهذا الحوار الاستراتيجي الصيني الأمريكي ميّز حقبة “Chimerica” في عهد “جورج دبليو بوش” و”باراك أوباما”، ولكن يبدو أن أيام الدبلوماسية “المربحة للجانبين” قد ولّت منذ زمن بعيد.

خلال التبادلات الافتتاحية أمام وسائل الإعلام، أوضح “يانغ” أن القنافذ ليس لديهم فكرة واحدة كبيرة فحسب، بل هم شائكون للغاية. وأعلن أنّ الولايات المتحدة كانت “متعالية”، في تصريحات تجاوزت الدقيقتين المحددتين بثمانية أضعاف. من الأفضل معالجة مشاكل حقوق الإنسان “عميقة الجذور” الخاصة بالولايات المتحدة، مثل العنصرية (“تاريخ طويل من قتل السود”)، بدلاً من إلقاء المحاضرات إلى الصين.

والسؤال الذي يطرح نفسه هو مدى السرعة التي يمكن أن تجد بها إدارة “بايدن” نفسها في مواجهة أزمة تايوان، سواء كان ذلك “حجرًا صحيًا” خفيفًا، أو حصارًا واسع النطاق، أو غزوًا برمائيًا مفاجئًا؟ إذا كان “هاستينغز” على حق، فستكون هذه أزمة الصواريخ الكوبية في الحرب الباردة الثانية، ولكن مع عكس الأدوار، حيث أن الجزيرة المتنازع عليها أبعد من الولايات المتحدة عن كوبا من روسيا. إذا كان “ستافريديس” محقًا، فستكون تايوان أشبه ببلجيكا عام 1914 أو بولندا عام 1939.

لكن لدي تشبيه آخر في ذهني. ربما ستكون تايوان بالنسبة للإمبراطورية الأمريكية كما كانت السويس بالنسبة للإمبراطورية البريطانية في عام 1956: أي اللحظة التي يتعرض فيها الأسد الإمبراطوري كنمر من ورق. فعندما قام الرئيس المصري “جمال عبد الناصر” بتأميم قناة السويس، انضم رئيس الوزراء “أنطوني إيدن” إلى فرنسا وإسرائيل لمحاولة استعادتها بالقوة. عجّلت المعارضة الأمريكية في اندفاع الجنيه الإسترليني والإذلال البريطاني.

لكنني أجد صعوبة في رؤية إدارة “بايدن” ترد على هجوم صيني على تايوان بمزيج من القوة العسكرية والعقوبات المالية التي تصورها “بلاكويل” و”زيليكو”. لقد كتب “سوليفان” ببلاغة عن الحاجة إلى سياسة خارجية يمكن لأمريكا الوسطى (Middle America) أن تدعمها. لا يبدو أن إحراق تايبيه يناسب هذا الهدف.

أما بالنسبة لـ “بايدن” نفسه، فهل سيكون حقاً على استعداد للمخاطرة بطفرة ما بعد الوباء التي تغذيها سياساته الاقتصادية من أجل جزيرة، كان “كيسنجر” مستعدًا ذات مرة بهدوء للتفاوض حول التنازل عنها، في سعيه لتحقيق انفراج في الحرب الباردة؟ منْ سيتضرر أكثر من الأزمة المالية التي تخيّلها “بلاكويل” و”زيليكو” في حالة نشوب حرب على تايوان، الصين، أم الولايات المتحدة نفسها؟

تعاني إحدى القوتين العظميين من عجز في الحساب الجاري يبلغ 3.5٪ من الناتج المحلي الإجمالي (الربع الثاني من عام 2020) وموقع استثمار دولي صافٍ يقارب سالب 14 تريليون دولار، وليست الصين. من المؤكد أن لقب وزير الخارجية سيكون إغراءً لا يُقاوم لعناوين الكُتّاب، وذلك إذا تراجعت الولايات المتحدة فيما قد يكون رابع وأكبر أزمة لتايوان منذ عام 1954.

ومع ذلك، فكر فيما قد يعنيه ذلك. تبيّن أنّ الخسارة في فيتنام قبل خمسة عقود ليست ذات أهمية كبيرة، بخلاف سكان فيتنام الجنوبية التعساء. لم يكن هناك أي تأثير دومينو في آسيا ككل، باستثناء الكارثة البشرية في كمبوديا. ومع ذلك، فإن خسارة تايوان -أو حتى عدم القتال من أجلها- سيُنظر إليها في جميع أنحاء آسيا على أنها نهاية الهيمنة الأمريكية في المنطقة التي نسميها الآن “الإندو-باسيفيك”. وسيؤكد الفرضية القديمة لعودة الصين إلى السيادة في آسيا بعد قرنين من الإنسحاب و”الإذلال”. قد يعني ذلك خرقًا لـ “سلسلة الجزر الأولى” التي يعتقد الاستراتيجيون الصينيون أنّها تطوقهم، بالإضافة إلى التسليم بسيطرة بكين على TSMC (شركة تايوان لصناعة أشباه الموصلات المحدودة)، وتذكر أنّ أشباه الموصلات، وليس البيانات، هي النفط الجديد.

لقد حظي الثعلب بمسار جيد. لكن خطر السياسة الخارجية الـ “ثعلبية” هو أنك تهتم بالعديد من القضايا وتخاطر بفقدان التركيز. على النقيض من ذلك، يعرف القنفذ شيئًا واحدًا كبيرًا. قد يكون هذا الشيء المهم أنّ منْ يحكم تايوان هو الذي يحكم العالم.

المصدر: Bloomberg

عمرو جمال صدقي

مترجم مصري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى