أساطير من المدينة العتيقة

 

المدينة البيضاء الغافية على كتف البحر في دعة.. معشوقة النيل المسافر إليها عبر المسافات البعيدة.. ربة البحيرة الصاخبة بالأحداث الجسام على مر العصور، الصامدة في وجه الأعداء، والمرتحلة برغبة عارمة في الحياة وتوق نحو المجد لا يني.. تغنّى بها الشعراء، وأفاض القدماء في فضائلها فهي مدينة الرباط وثغر المجاهدين المختار بالبشارات وانكسار الأعداء وهلاكهم.. دمياط بنت الماء ناسجة الأساطير، أنشودة الكد والكفاح الذي لا ينقطع.

اختلف العلماء والمؤرخون حول الموقع الحالي للمدينة؛ فذهب بعضهم إلى أنه يعود إلى عام 1260م، عندما أعاد الظاهر بيبرس بناءها على بُعد أربعة أميال جنوبي المدينة القديمة التي يرجح الرحالة الفرنسي “سافاري” الذي زارها عام1777، أنها كانت في موقع مدينة عزبة البرج الحالية على شاطئ البحر في الضفة الشرقية لنهر النيل، وكانت المدينة قد خُرَّبت قبيل انسحاب الجيش بقيادة فخر الدين بن شيخ الشيوخ منها أمام جيوش الحملة الصليبية السابعة بقيادة لويس التاسع عام 1249م، وفي خريف العام التالي هدم المماليك سورها وأتوا على معالمها خشية وقوعها في يد الفرنجة مجددا.

 موقعها الأقدم وفق بعض الروايات كان بالقرب من مدينة “تنِّيس” ناحية البحيرة التي عرفت بنفس الاسم على شاطئ البحر مباشرة غرب مدينة القلزم بنحو ثمانية وخمسين كيلو متر، وكان الملك الكامل الأيوبي قد أفرغ مدينة تنيس من أهلها ودمرها تماما قبل مغادرة القوات لها خشية أن تقع في يد الصليبيين، وكان ذلك عام1227م، ويبدو أن المدينة التي تعرضت دوما للغزو والإغارات المتلاحقة قد عرفت تغيير موقعها حتى صار ذلك أمرا اعتياديا.

 

دمياط موطن إدريس عليه السلام

“إدريس” عليه السلام أو أخنوخ أو أنوش التي معناها أنس الله، أتى من الجنوب مع النيل حتى بلغ البرزخ؛ ليضبط الفيضان الذي كان يُلجِئ المصريين إلى ذرا الجبال قبل أن يقتلع في طريقه كل شيء؛ ليلقي به إلى البحر وسط حسرات المشردين، وهذا ما أورده الإمام السيوطي في كتابه حُسن المحاضرة في تاريخ مصر والقاهرة.. وهو “هرمس الهرامسة” حكيم الحكماء الآتي من الشمال من بلاد اليونان؛ لينير العقول بأنوار الحكمة؛ فكان أول من أمسك بالقلم وخطّ به، لِيُعلِّم الناس الكتابة والحساب والفلك والنجوم والهندسة والهيئة وسائر العلوم، وهو أول من أقام المدن وأسس الحواضر وتحكي الأسطورة أنه ابتنى ما يربو على مئة وأربعين مدينة، وأنه أول من خاط الثياب مُعلما الناس فنون الحياكة.. وأيا كان المكان الذي أتى منه الرجل فما يعنينا هنا هو ارتباطه بالموضع المقدس عند التقاء مجمع البحرين.

منطقة اللسان

 

ورد ذكر نبي الله إدريس في موضعين فقط في القرآن الكريم في قوله تعالى: “وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَّبِيًّا (56) وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا (57)” سورة مريم، وفي سورة الأنبياء “وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِّنَ الصَّابِرِينَ (85)” ويذكر المقريزي نقلا عن سابقيه أن أول ما أنزل ذو القوة والجبروت، على إدريس عليه السلام:” أنا الله مدين المدائن. الفلك بأمري وصنعي. أجمع بين العذب والمالح، والنار والثلج، وذلك بقدرتي ومكنون علمي- الدال والميم والألف والطاء” قيل هي دمياط، وهي لفظة سريانية، وتعني بالعربية القدرة، في إشارة إلى التقاء العذب بالمالح عند مصب دمياط.

وقد لُقبَ بمثلث العظمة لأنه كان النبي الثالث بعد آدم وشيت الذي قيل إنه كان والده أو جده، وأنه كان ملكا على المعمورة قبل الطوفان، وكان رفعه إلى السماء على ما سيأتي ذكره إيذانا بفساد الأرض، وهو حكيم الحكماء كما تقدم. ومن العجائب ما يتعلق بنهاية حياته على الأرض عندما رُفع إلى السماء الرابعة طالبا أن يمد في عمره فتوفاه فيها ملك الموت. وتشير بعض الروايات إلى أنه عاش في زمن آدم ما يزيد على الثلاثمائة عام، وعمَّر بعده طويلا حتى بلغ سنه أربعمائة وثلاثين عاما، وأن مقامه المختار كان عند التقاء النيل بالبحر.

جاء في كتاب البداية والنهاية، أن الله أوحى إليه: أني أرفع لك كل يوم مثل جميع عمل بني آدم في زمانك، فأحب أن يزداد عملا، فأتاه خليل له من الملائكة، فقال إدريس: إن الله أوحى إلي كذا وكذا ، فكلم ملك الموت فليؤخرني حتى أزداد عملا فحمله بين جناحيه، ثم صعد به إلى السماء، فلما كان في السماء الرابعة تلقاه ملك الموت منحدرا؛ فسأله: كم بقي من عمر إدريس؟ فقال: لا أدري حتى أنظر؛ فنظر فقال: إنك لتسألني عن رجل ما بقي من عمره إلا طرفة عين؛ فنظر الملك إلى تحت جناحه إلى إدريس فإذا هو قد قُبِضَ.

 

شطا بن الهاموك.. أول من أسلم من المصريين

أصلح ابن العاص وضع مِغْفَرِه، وضم قِراب سيفه وهو يخطر فوق حصانه بعد أن غادر الفرما لتوه متجها إلى الجنوب، محتميا بالصحراء، تجنبا لملاقاة عسكر الروم.. كان يود لو أكمل الجيش الصغير المسير على شاطئ البحر إلى دمياط؛ لكن الأنباء أتت بأن تحصينات المدينة قوية وأسوارها منيعة، ولا سبيل لاقتحامها إلا بعد حصار قد يطول، وبأعداد من الرجال أضعاف جنده، وبعتاد لا يتيسر له.. قرر عمرو أن تكون وجهته حصن بابليون، أما دمياط فلتنتظر قليلا ولكل حادث حديث.

 

خريطة دمياط أثناء الحملة الفرنسية- وظهور قرية شطا

تتضارب الروايات التاريخية حول الفتح العربي لمصر، خاصة ما يتعلق بفتح المدن الكبرى، وهل كان صلحا أم عنوة؟ وقد شاعت الحكايات حول بطولات فرسان الجيش الفاتح، فيروي الواقدي البغدادي أن حاكم دمياط في تلك الفترة كان يُدعى الهاموك، وأنه كان خالا للمقوقس “قيرس” وكان الهاموك يلقب بـ”البامرك” وأن حكيم المدينة كان يدعى “الديرجان” وقد استشاره “الهاموك” في أمر القتال لصد العرب عن المدينة، فأخبره الحكيم أنه لا سبيل لديه سوى مهادنتهم والتسليم لهم صلحا، وبذلك يضمن لنفسه الأمن ولأهل المدينة؛ لكن الحاكم غضب وقتل الحكيم الذي كان له ولد مقرب تلميذه ومكمن سره؛ فأظهر الولد الخضوع للهاموك، حتى اطمأن له، ثم ذهب ذات ليلة فنقب السور وأرشد العرب إلى النقب.

 دخل العرب المدينة خلسة، وكمنوا حتى تمكنوا من احتلالها وإرغام البامرك على الاستسلام، وكان له ولد يسمى شطا أسلم وانضم للجيش العربي بقيادة المقداد بن عمرو، وقيل إن شطا كان سببا في دخول أبيه الإسلام،  وأنه كان أول من أسلم من أهل مصر.. ورُوي أنه جمع أتباعه من البرلس ودميره وطناح وبعض البلاد لقتال حاكم تنيس الذي نقض العهد مع المقداد بن عمرو، وقاد شطا قوات المسلمين لفتح جزيرة “تنيس” واستشهد بعد قتال باسل أردى فيه اثنى عشر فارسا من الأعداء قبل أن ينال الشهادة ليلة النصف من شعبان لعام31هـ.

 

ونقل المقريزي وابن إسحق الأموي وغيرهما هذه الرواية وحققها الدكتور جمال الدين الشيال في كتابه مجمل تاريخ دمياط ورجّح أن يكون شطا قائدا رومانيا انضم للمسلمين، وقاتل معهم، ونفى وجود شخصية حكمت المدينة باسم الهاموك، استنادا إلى تاريخ يوحنا النقيوسي الذي ذكر أن حاكم دمياط أثناء الفتح كان يدعى يوحنا، بينما ذهب نقولا يوسف في كتابه تاريخ دمياط على مر العصور أن شطا كان شابا قبطيا شجاعا ذا مروءة وكان ينقم أشد النقمة على حكم الرومان، وأنه انضم للجيش العربي بعد أن أسلم وقاتل حتى استشهد في فتح تنيس، وله ضريح ومسجد بناحية شطا شرق المدينة، وقد تعددت محاولات المتطرفين لهدم الضريح مستغلين تداعي المسجد، لكن أتباع الطرق الصوفية بالمدينة تصدوا لهم؛ ثم صدر قرار بهدم المسجد وإعادة بنائه منذ نحو عام ومازال تحت الإنشاء.

 

خبيئة الشيخ محمد معين الدين

تحكي الأسطورة أن المعيني كان شابا فقيرا جاء والده من “فارسكور” واستقر بالمدينة وعمل بالتجارة وكان حسن السمعة حسيبا ذا وجاهة، وعمل مشرفا على قاعدة تجار المدينة؛ لكنه لم يغتن، أو ربما وصل حدا من الغنى لم يدم طويلا؛ فمات ولم يترك لابنه شيئا، وكان معين الدين قد حفظ شيئا من القرآن وربما ارتزق به لبعض الوقت قبل أن يعثر على خبيئة -كنز- حولته بين عشية وضحاها إلى عين من أعيان تجار المدينة.

 وتتعدد الروايات عن كنز المعيني ومنها أنه كان مرصودا وأن فك الرصد كان على يد فتاة صغيرة مرت مع والدتها على دكانه، وقد كان من عاداته أنه إذا قتل حشرة علقها بخيط على باب الدكان، فرأت الفتاة تلك الحشرات تتلألأ كقطع من الذهب؛ فأخبرت أمها بذلك على مسمع من الرجل، ويبدو أن معين الدين التقط الإشارة فسارع إلى طلب يد الفتاة –رغم فارق السن- وتم الزواج واستخرج الرجل الخبيئة وصار من الأثرياء.

 

عُمّر الرجل طويلا حتى قيل إنه جاوز المئة، وترددت قصة عن أن الخبيئة حوت جوهرة كبيرة نادرة لم يفرط فيها الرجل، بل وضعها في حجرة سرية بإحدى ملحقات الجامع، مرصودة في حراسة حية عمياء هائلة، وقيل إن الرجل أمر خلصاءه أن يوضع جثمانه في تابوت في إحدى الحجرات أسفل الجامع، تكون له قبرا؛ ففعلوا.. فلما ذهب أحدهم بعد فترة إلى تلك الحجرة لقراءة الفاتحة له، لا حظ انزياح غطاء التابوت وخروج إحدى رجلي الجثمان منه، فأعادها وأغلق التابوت؛ لكن الأمر تكرر معه كلما ذهب للزيارة، وروي أن لصا متهورا حاول سرقة الجوهرة لكنه لاذ بالفرار عندما رأى الحية.. وقد أغلق الجامع لفترات طويلة وهُجر؛ فزعم بعض الناس أنهم كانوا يسمعون به أصواتا بالليل، وحكى آخرون أنهم شاهدوا بداخله أعدادا كبيرة من الأرانب تتقافز هنا وهناك.

 وكان المعيني قد أتم بناء جامعه في منتصف القرن التاسع الهجري تقريبا، وألحق به مدرسة لتعليم الفقه والعلوم الشرعية، ويستطيع المار بمنطقة وسط المدينة القديمة اليوم أن يرى الجامع بواجهته الحجرية الضخمة وبابه الرئيس الذي تعلوه القبة التي كانت تتوسط منارتين لم يعد لهما وجود الآن، وقد أنشئ الجامع على الطراز المملوكي، ويتكون من الداخل من أربعة إيوانات أكبرها إيوان القبلة، ويوجد بالجامع خلوات للصوفية وحجرات كان يسكنها طلاب المدرسة من غير أهل المدينة، ويُلحظ من ضخامة البناء وارتفاعه وروعة تصميمه أنه تكلف أموالا طائلة، لا يمكن أن تتوفر لرجل من العامة مهما بلغت درجة ثرائه.

 

ملاعيب شيحة

شيحة شاب فدائي اسمه جمال الدين ولد بإحدى قُرى الشام؛ شكَّل مجموعات من الفدائيين لمهاجمة معسكرات الصليبيين على امتداد الساحل السوري، قيل إنه حضر إلى مصر بعد استدعائه منتصف القرن الثالث عشر الميلادي للاستعانة به في صد الصليبيين عن البلاد، وتروي الأسطورة أن شيحة قاد المقاومة الشعبية ضد الفرنجة لكنهم استطاعوا كسر شوكة المقاومين واحتلال دمياط.. لكن شيحة نجح في لم شمل المقاومة بالتعاون مع الشيخ فاتح الأسمر التكروري، وشكل مجموعات هاجمت قوات الصليبيين بالليل والنهار، حتى صار مطلوبا بالاسم لدى قائد الفرنجة مقابل مبلغ كبير من المال، ما اضطره للتنكر في زي شخصيات عديدة مثل بائع لبن، صانع أحذية متجول، راعي غنم، درويش طاعن في السن.

كان يخرج من المدينة ويدخلها بطرق عديدة نقلا للأخبار وجلبا للسلاح والعتاد للمقاومين داخل المدينة.. ولقد صار مجرد ذكر اسمه مصدر رعب لجنود الحملة؛ بسبب عمليات خطف الجنود التي كان ينفذها بطرق مبتكرة وعجيبة.. وكان بيبرس البندقداري هو قائده المباشر، وروي أنه كان من خلصائه الذين يعتمد عليهم في المهام الخطرة؛ لذكائه وسعة حيلته.

ويروى أنه قد مر وقت طويل دون ورود أخبار عما يجري في دمياط من المواجهات بين الفرنجة والفدائيين؛ فتلمَّس بيبرس الأخبار فعلم أن شيحة قد أصيب بمرض نادر لا يُعرف له دواء؛ فأراد تدبير أمر إخراجه من المدينة؛ لعلاجه بالمحروسة؛ لكن يد القدر كانت أسبق.. ليموت البطل شيحة ويدفن إلى جوار مسجد الفتح حيث أقيم له ضريح هناك كما يوجد مسجد يحمل اسمه يؤمه الناس إلى يومنا هذا.

ضريح شيحا بالقرب من مسجد الفتح بدمياط

 

وقد عرفت المقاهي المعروفة بـ”الظاهرية” في المحروسة سيرة البطل الشعبي شيحة، التي كان المنشدون يروونها متضمنة في سيرة الظاهر بيبرس.. وقد اختلطت قصة شيحة بقصة علي الزيبق في المخيال الشعبي بصورة كبيرة، حتى ذهب البعض إلى أنهما شخص واحد كان من “الشُّطار”.. وقد استخدم ذكاءه الحاد في خداع البسطاء، وهذا ما أكده الباحث محمد أبوقمر، مضيفا إلى أن الضريح الموجود بالقرب من الجامع الكبير ليس لجمال الدين شيحة كما يزعم البعض؛ بل هو للشيخ جمال الدين الساوجي المتوفى بدمياط نحو عام630هـ وكان من مشايخ الصوفية، وقد ورد في كتاب مرآة الزمان في تاريخ الأعيان أنه قدم إلى مصر من الشام، واستوطن دمياط وكان له كرامات ومكانة عظيمة لدى العامة.

 كان من المستغرب أن تخلو المدينة على قدمها من المواقع الأثرية، اللهم إلا ما يُعَدُّ على أصابع اليد الواحدة، وقد أرجع المؤرخون ذلك إلى كثرة الحادثات ومنها التخريب الكامل، أو تفكيكها حجرا حجرا ونقلها أكثر من مرة، لكنها احتفظت بأساطيرها التي تخلد ذكرها على مر الأيام، ففي أحيان كثيرة ولظروف شديدة القسوة، تصبح الأساطير هي المتاع الوحيد الذي يمكن نقله.. والله أعلم.

بمشاركة

رسوم

أحمد بيكا

قصــة

ماهر الشيال

There are no reviews yet.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *



Start typing and press Enter to search