دراسات وتحليلات

أسطورة الاستقرار.. لماذا يعاني “الحوثيون” في مناطق نفوذهم باليمن؟

بعد ست سنوات من بداية حربها على الرئيس اليمني عبد ربه منصور هادي وحكومته، عزّزت جماعة أنصار الله (الحوثيين) قبضتها على شمال اليمن، حيث أحكمت السيطرة على نحو 70٪ من سكان البلاد. وشنت خلال عام 2020 هجمات عسكرية جديدة في الجوف ومأرب والحديدة.

وعلى المستوى الداخلي، قمع الحوثيون المعارضة سعياً للسيطرة على ما تبقى من الدولة اليمنية، فعيّنوا الموالين لهم في الهيئات المدنية والعسكرية، ونقلوا الصلاحيات من المؤسسات الحكومية إلى شبكة غامضة من المشرفين الحوثيين، وهو ما ساعد الحوثيين على استعادة الأمن والاستقرار في مناطقهم –كما يتفاخرون– بعكس الوضع في المناطق الحكومية.

إلا أنه ورغم هذه الجهود القمعية، لا تزال التوترات تتصاعد في شمال اليمن.. من الانتفاضة الفاشلة التي حرضها علي عبد الله صالح، إلى التمردات القبلية المتفرقة، والاقتتال الداخلي داخل صفوف الحوثيين. وفي هذا السياق نشر “مشروع بيانات مواقع وأحداث النزاع المسلح” تقريرًا حول أنماط الاقتتال الداخلي والقمع في المناطق اليمنية الخاضعة للسيطرة الحوثية.. فوراء الإسقاط المزعوم للوحدة في مواجهة “العدوان”، تنتشر صراعات محلية داخل جماعة الحوثي، وبين الحركة والقبائل، في جميع أنحاء المناطق الواقعة تحت سيطرة الحوثيين، لكن هذا الانتشار الجغرافي لم يترجم إلى جبهة موحدة ضد الحوثيين، بل يعكس مقاومة موضعية لهيمنة الحوثيين وتعدياتهم على المناطق القبلية التي لم تقف أمام آلة القمع التابعة للحوثيين.

الحوثيون في اليمن

الاقتتال الداخلي

على الرغم من التماسك الظاهري للقوات المسلحة الموالية للحوثيين، فإنها في حقيقة الأمر تتكون من تشكيلة غير متجانسة من المسلحين والجنود المحترفين، حيث تتألف هذه القوات من جيش نظامي مكون من نحو 200 ألف جندي، تم تجنيد ثلثيهم منذ بداية الحرب، بجانب وحدات عسكرية خاصة وميليشيات مسلحة تحت قيادة كبار المسؤولين الحوثيين وشيوخ القبائل الموالين وشخصيات بارزة أخرى قادرة على حشد الدعم محليًا.

ويوجز التقرير تحليل دور القادة المحليون في التزامهم الأيديولوجي الحوثي من جهة، والاستقلالية النسبية التنظيمية من جهة أخرى، حيث يجمعون الأموال ويجندون المقاتلين، وهو ما يقف وراء التناحر بين كبار المسؤولين الحوثيين المتنافسين على السلطة والسيطرة، ما يلعب دورًا في عملية تخصيص مناصب وموارد النظام.

وقد نشأت التوترات في مناطق سيطرة الحوثيين بينهم وبين قادة ميليشيات اليمن الشمالي ردًا على زحف هذه الميليشيات في وسط اليمن على حساب النخب الحوثية المحلية التي تواجه تهميشًا متزايدًا في المؤسسات السياسية والأمنية، وشاركت في المواجهات داخل المعسكر الحوثي منذ 2015 مجموعة من الأطراف منهم قوات الجيش النظامي، وجنود الحرس الجمهوري الموالين لعلي عبد الله صالح وابن أخيه طارق – الذي يقود الآن القوات المناهضة للحوثيين على الجبهة الغربية –  والحوثيين المحليين، وغيرهم. وقد كانت محفزات هذا الصراع الداخلي منذ ذلك الحين هو التنافس على ملكية الأرض، ومراقبة نقاط التفتيش، والضرائب.

ووفقًا لبيانات ACLED فإن الاقتتال الداخلي داخل صفوف الحوثيين وصل إلى ذروة جديدة في عام 2020 بتسجيل أكثر من 40 معركة مميزة بين قوات الحوثيين في 11 محافظة مقارنة بـ15 معركة موزعة على ست محافظات في عام 2018، و31 معركة في سبع محافظات في عام 2019.

وظلت محافظة إب بؤرة الاقتتال الداخلي في المناطق الحوثية في عام 2019 – رغم الانخفاض النسبي عن عام 2020 – حيث شهدت المدينة ربع المعارك والعمليات القتالية.

وشهدت محافظات أخرى زيادة ملحوظة في أعمال العنف الداخلي في عام 2020، ففي محافظة البيضاء، كانت بلدة رداع – التي وقعت تحت سيطرة القاعدة عام 2012 – موقعًا للعديد من المواجهات العنيفة بين الفصائل الحوثية المتناحرة المرتبطة بالشبكات القبلية المحلية، في ظل المظالم القبلية والنزاعات على الأراضي والقتل الانتقامي والأعمال العدائية بين الفصائل وزعماء الحوثيين، بينما اندلعت اشتباكات في محافظة الحديدة بسبب توزيع الرسوم على قادة الحوثيين المحليين، ما أدى إلى تأليب القادة المحليين من سهل تهامة ضد مشرفي الحوثيين من عمران وبعضهم.

وبذلك فإن تمركز السلطة في أيدي دائرة داخلية مؤلفة من الموالين للحوثيين يواجه معارضة من الفصائل المحلية التي تخاطر بفقدان السلطة.

وقد اندمج الاقتتال بين الفصائل مع الخلافات الطائفية، مما دفع زعماء الحوثيين المحليين إلى محاولة حشد مؤيديهم القبليين. في ظل تزايد التوترات بين الحوثيين والقبائل في معظم شمال اليمن، مع ارتفاع مستويات المقاومة القبلية وقمع الحوثيين.

الحوثيون

الاضطراب القبلي

قادت القبائل اليمنية منذ عام 2015 الحملة العسكرية ضد الحوثيين على العديد من جبهات القتال، رغم الإحباط الناجم عن عدم كفاية أو تقطع الدعم المقدم من القوات المسلحة الحكومية، والتحالف الذي تقوده السعودية. فقد قدّمت قبيلة مراد خلال العام الماضي مقاومة شرسة ضد هجوم الحوثيين في مأرب وسط فشل ذريع للجيش في تنسيق وقيادة القتال، كما تم تجنيد مقاتلين وشيوخ القبائل للانضمام إلى الألوية المرتبطة بالحكومة والتحالف مثل لواء العمالقة الثاني القوي المنتشر على الجبهة الغربية الذي تهيمن عليه قبيلة الصبيحة.

وإلى جانب العمليات القتالية، نجحت الوساطة القبلية أيضًا في تحقيق العديد من عمليات تبادل السجون بين الحكومة والحوثيين، وغالبًا ما تفوقت على جهود الوساطة التي قامت بها الأمم المتحدة.

ويشير التقرير إلى حالة من التعايش بين القبائل والحوثيين في المناطق التي تسيطر عليها الحركة.. كان التعايش القبلي مع أنصار الله مختلطًا، فتحت مظلة هيئة الشؤون القبلية، مكّن التحالف مع علي عبد الله صالح الحوثيين من تأمين الدعم – أو على الأقل القبول – لشيوخ القبائل الذين اختارهم الرئيس السابق،؟ حيث عُرض على المشايخ مناصب في مؤسسات حكومية وطنية ومحلية، وكان لهم دور أساسي في الحفاظ على استقرار التحالف على المستوى المحلي.

وبعد الانقسام بين صالح والحوثيين في ديسمبر 2017، ازدادت مؤشرات الفوضى القبلية في وسط وشمال اليمن. فمن جهة، فشل الرئيس اليمني السابق في حشد شبكته القبلية حينها بسبب تحول بعض هذه القبائل نحو الحوثيين. إلا أنه – ومن جهة أخرى – حافظ صالح على تماسك شبكة واسعة عابرة للطوائف من التحالفات القبلية التي امتدت إلى ما وراء المناطق الجغرافية والطائفية التقليدية لنفوذ الحوثيين، ما أبرز الانقسام والاضطراب والفوضى القبلية.

وتشير بيانات المشروع إلى أن المواجهات العنيفة بين قوات الحوثي والقبائل المسلحة بلغت ذروتها في عام 2019، حيث زادت ثلاثة أضعاف عن عام 2018، الذي بدأت فيه الزيادة بالفعل بعد الانقسام بين صالح والحوثيين، قبل أن تنحسر هذه المواجهات قليلاً في عام 2020، كما تكشف البيانات تزايد أعمال العنف ضد أفراد القبائل العزل والجماعات الطائفية بشكل كبير خلال العامين الماضيين، ما يعكس تزايد القمع الحوثي.

وقد انتشر الاضطراب والقمع في المناطق القبلية التي يسيطر عليها الحوثيون على نطاق واسع بين عامي 2015 و2020، حيث ظهرت مقاومة هيمنة الحوثيين في محافظتي حجة وصنعاء استجابة لدعوة عبد الله صالح وتضامناً مع القبائل الأخرى التي تواجه القمع الحوثي العنيف، بالإضافة إلى النزاعات المحلية المتعلقة بالأراضي والعادات القبلية، فقد أدى تطبيق الحوثيين لقواعد اعتبرتها القبائل غير شرعية، فضلاً عن الاعتقال القسري لأفراد القبائل، إلى حمل السكان المحليين السلاح ضد الحوثيين في عدة محافظات شمالية، كما زادت بكثرة خلال العامين الماضيين أعداد رجال وزعماء القبائل الذين قُتلوا أو اختطفوا على أيدي المشرفين الحوثيين بعد رفضهم دفع الضرائب أو الانضمام إلى جبهة القتال. بجانب العنف الموجه إلى القبائل كشكل من أشكال الانتقام، لمعاقبة المقاومة ضد الحوثيين.

وفيما كان الاضطراب القبلي أكثر حدة في حجة والبيضاء، اللتين شهدتا انتفاضتين قامت بهما قبائل الحجور والعوض في عامي 2018 و2020، وجمعتهما قواسم مشتركة، مثل انحياز شيوخ القبائل إلى الحوثيين عقب التدخل العسكري بقيادة السعودية في عام 2015، قبل أن يتم – بعد مقتل صالح- توظيف السخط من التوغلات المتكررة في المناطق القبلية وانتهاك العادات القبلية لحشد القبائل ضد الحوثيين، وهو ما ردت عليه الحركة باتهام زعماء القبائل المؤثرين المتحالفين مع المؤتمر الشعبي العام بالتحريض على الفتنة والتواطؤ مع القوات الأجنبية.

وتمكنت القدرات العسكرية الحوثية في نهاية المطاف من عزل القبائل وسحق الانتفاضات، بالإضافة إلى أنباء نهب وقصف القرى القبلية بشكل عشوائي، فضلًا عن تدمير الحوثيين للمنازل القبلية التي تعد -حسب العادات القبلية- مكانًا مقدسًا يجب التعويض عن أي انتهاك أو إهانة لطبيعته المقدسة، ويعد هدمه إذلالًا جسديًا ورمزيًا يمكن أن يحرم شيخ القبيلة من السلطة والاحترام بين مجتمعه.

وقد حدث التدمير المتعمد للمنازل القبلية عادةً استجابة لظهور المعارضة المحلية لحكم الحوثيين، بهدف إخضاع المتمردين وترهيب المعارضين المحتملين.

إجمالًا، رغم أن مناطق سيطرة الحوثيين نجت من التشرذم والتمرد الذي يميز معظم جنوب اليمن، فإنها عانت من الاقتتال الداخلي والقمع، الذي يمثل تحديًا محتملًا لبقاء نظام الحوثي في ​​السنوات المقبلة، في ظل الاستياء من الاتجاهات المركزية التي ترعاها قيادة الحركة. كما أدى اختيار شيوخ القبائل كمسؤولين أمنيين أو سياسيين في الهياكل الحكومية المحلية إلى حدوث نزاعات طائفية حول عمليات القتل الانتقامية أو ملكية الأراضي داخل الحركة نفسها.

وبشكل عام، ساءت العلاقات بين الحوثيين والقبائل إلى حد كبير منذ اغتيال علي عبد الله صالح في ديسمبر 2017، ما أشعل دائرة من الثورات والقمع، إلا أن هذا الاضطراب المنتشر على المستوى المحلي لم يتصاعد إلى انشقاقات جماعية عن النظام، حيث تمكنت الحركة من التغلب على هذه الاضطرابات دون أن يلحق بها أذى تقريبًا بفضل استراتيجية “فرِّق تسد” التي اتبعتها عبر الاختيار الانتقائي لشيوخ القبائل في هياكل الحكم، وكذلك الاعتبارات البراجماتية للقبائل المتخوفة من استعداء الحركة.

ووفقًا للتقرير فإن فرص تحول هذه الانتفاضات إلى تحدٍ أوسع للنظام ضعيفة في ظل استبعاد حدوث انتفاضة جماعية ضد حكم الحوثيين، أو دعم خارجي للجماعات المحلية، في ظل السياق الحالي لحرب استنزاف طويلة، وعلى الأرجح، سيستمر الاقتتال الداخلي والقمع في اختراق العلاقات بين الحوثيين والجماعات الأخرى على المستوى المحلي.

المصدر

عبد المجيد أبو العلا

باحث مساعد بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى