أسطورة لا تعرف الخطأ

محمد السيد الطناوي

Mohamed.altanawy1@gmail.com

معروفة للجميع أسطورة “سِت” وأوزوريس، كيف حقد إله الشر على أخيه فتربص به حتى اهتدى إلى حيلة التابوت الشهيرة، وكيف استطاعت إيزيس، الزوجة المُحبة، 

تعقب جثمان زوجها لتعيده للحياة وتنجب منه ابنها حورس ليكبر ويدخل صراعًا مريرًا مع عمه من أجل استرداد عرش أبيه. لكن ما ليس مشهورًا عن “سِت” أنه أقدم الآلهة المصرية قاطبة، فكان المعبود الرئيس للسكان الأصليين قبل عصر الأسرات، ثم تغير الوضع تدريجيًّا عند دخول الألف الثالثة قبل الميلاد، مع وفود جماعات بشرية جديدة من سوريا، أتت بآلهتها مزاحمة “ست” إله الشر.

خفض الوضع الجديد مرتبة “ست”، لكن ليس كثيرًا، فاستمر واحدًا من أبرز الآلهة، وانعكس هذا في الأسطورة السابقة، حين احتكم حورس إلى مجلس التاسوع (مجلس الآلهة الأعلى)، فانحاز “رع”، إله الشمس، إلى “ست” على اعتبار أنه الأقوى، لكن المجلس مال إلى حورس، عندها هددهم “ست” بأنه سيحمل سيفه ويقتل واحدًا منهم كل يوم حتى يُفنيهم جميعًا، ورغم إعلان انتصار حورس في النهاية وتسليمه تاج مصر، استأذن “رع” المجلس لتعويض “ست” بأن يجعله ابنًا له ويهديه الرعد صوتًا حتى لا يفقد هيبته، وبصورة من الصور شارك “ست” حورس في الحكم ليُعتبر كل منهما مكملاً للآخر، وجسدت تماثيل ورسومات ترجع إلى عصر ما قبل الأسرات هذا المعنى بأن جمعت حورس و”ست” في جسد واحد.

دللت الأسطورة المصرية على مكان ومكانة الشر، يعكسهما احتفاظ “ست” بعضويته في المجمع الإلهي، واستمراره كإله معبود يشيّد له المصريون المعابد، في مقابل حورس، رمز الخير والعدل، الذي كانت له مكانته أيضًا. 

نحن أمام قوتين متعارضتين ومتعاونتين في ذات الوقت، وبعبارة فراس سواح: “لا يصل التناقض بينهما إلى إلغاء واحدة وسيادة الأخرى، لأنه لا غنى عن صراعهما وعن تعاونهما من أجل صيرورة العمليات الجارية على مستوى الكون ومستوى الحياة الطبيعانية”. 

نقع على وضعية مشابهة في الثقافة اليونانية القديمة، فرغم عدم وجود إله للشر لدى الإغريق، كانت الآلهة ترتكب الشرور وتندم عليها، محاولةً تصحيح ما صدر عنها.

تعترف الميثولوجيتان المصرية واليونانية إذًا بالشر وبضرورة وجوده، أي تعترف بقيمة الخطأ، في المقابل لا نجد مثيلاً لهذه الصورة في ميثولوجيا الديانات التوحيدية، الإسلام والمسيحية تحديدًا، فالشر ممثلاً في إبليس طُرد من الجنة، فلا مكان أو مكانة له، ونفيه جاء نتيجة عصيان إبليس، أي بسبب خطأ، وفي هذا نفي للخطأ وعدم اعتراف بأي قيمة له.

هذه الدلالة تستطيع تعقبها أيضًا في أسطورة آدم، المطرود من الجنة بفعل خطأ مشابه، والإشارة التي ترد للذهن بعدها وتصم الثقافتين الممثلتين للميثولوجيتين هي “الانغلاق”، من ثمّ يمكن أن تتفهم موقف الغرب في تجاوزه للثقافة المسيحية وإعادة اتصاله مع جذوره الإغريقية من أجل تحقيق حداثته، لكن قبلها من المهم التعرف على مدى متانة ارتباط المفترض ما بين الميثولوجية والثقافة من ناحية، والميثولوجية الإغريقية والحداثة من ناحية أخرى.

عن هذا الاقتران، ادعى الفيلسوف والمؤرخ الإيطالي جيامباتيستا فيكو (1668 ـ 1744) أن الأساطير الإغريقية كانت البنية الأساسية للحداثة الغربية، فالميثولوجية عامةً فاعلةٌ في “الجانب الاجتماعي اللا شعوري”، الذي يتشكل منه النظام المجتمعي، وفي حالة الثقافة الغربية ظهر أثر استحضارها للميثولوجية الإغريقية واضحًا، كذلك في مركزية الإنسان بمختلف نواحي الثقافة، ونسب الفيلسوف والميثولوجي إديث هاملتون إلى الميثولوجيا الإغريقية أنها وجّهت الإنسان الغربي نحو تحقيق أهدافه دون أن تقيده بقيد أو تلزمه بضابط.

قريب من هذا المعنى، قاله فيلسوفا مدرسة فرانكورت، ثيودور أدورنو وماكس هوركهايمر، أن الميثولوجية اليونانية “تضمنت برنامجًا تنويريًّا يناظر البرنامج التنويري الغربي”، فالأساطير، مثلما نبّه رائد الأنثربولوجيا الاجتماعية البولندي برونيسلاف مالينوفسكي، تحتوى على أصول وقواعد عملية ومبادئ أخلاقية، وبتوصيف الميثولوجي الأمريكي جوزيف كامبل هي “قوانين مفهومة وغير مكتوبة يعيش الناس في ظلها” لتبسط نفوذها بدءًا من كيفية تعامل الناس في ما بينهم حتى طريقة إمساكهم بالسكين.

وحتى يصبح للميثولوجيا الإغريقية هذا النفوذ وجّه كثير من الباحثين -في المقدمة منهم “الإنسانيون”- جهدهم شطر الثقافة الهلينية بداية من القرن الرابع عشر، وذلك هروبًا من الهيمنة الفكرية للكنيسة، فاهتموا بجمع المخطوطات اليونانية ثم انتقلوا لدراستها ونشرها بمجتمعاتهم ليكون لها ذلك الأثر الجذري في تشكيل الحداثة.

وحول طبيعة تأثير الميثولوجية أو “الميثولوجية الخفية” بتعبير كامبل، في ما يتعلق بالمثال المذكور، وضعية الشر في الأساطير الإغريقية، يمكن تتبع بصمته واضحة على أحد جوانب الثقافة الغربية. 

مستعيدًا ما ذكرته، من أنه رغم عدم وجود إله للشر لدى اليونان القديمة -مثل ست في الميثولوجية المصرية- فالآلهة الإغريقية عامة ارتكبت الأخطاء لتندم وتصحّحها.. هذه الصورة تبصرها منعكسة على المعرفة العلمية الحديثة، في ما وصفه الفرنسي جاستون باشلار بإجابته عن سؤال حول كيفية انتقال البشرية من “ما قبل العلمية” إلى “الروح العلمية”، من أن الفكر العلمي “ليس إلا حقيقة منسوجة على أرضية من الخطأ”! وأن تاريخ العلم هو تاريخ الخطأ، فالخطأ بذلك ليس عيبًا أو نقصًا بل هو نقطة انطلاق نحو المعرفة.

نفس المعنى ذهب إليه الإنجليزي كارل بوبر من خلال وضعه أسس لـ”عقلانية جديدة غير سلطوية”، مسلمًا بالخطأ كمصدر للحقيقة، ومؤكدًا أنه لا يمكن تجنبه مطلقًا.

تلك القيمة للخطأ حرضت عليها الميثولوجيا الإغريقية، وهي قيمة حاضرة أيضًا في الميثولوجيا المصرية، لكن لم تعرفها كل من الميثولوجيتين المسيحية والإسلامية، فالخطأ -كما بينت في قصة إبليس وأسطورة آدم- هو شر لم يكن ثمة إمكانية للتسامح معه، لهذا نُفِي لينتفي معه الشك والنقص ويحل محلهما اليقين والاكتمال في دعوة للتسليم والانقياد بديلاً عن التأمل والتفكر، وهي سمات طبعت كلا الثقافتين الإسلامية والمسيحية.    

وإذا كانت للميثولوجيا الإغريقية هذه الفاعلية في تأسيس الحداثة الغربية، فقد كانت نظيرتها المصرية مؤهلة للعب دور مماثل، لما بين الاثنتين من تشابه وصل حد ادعاء عدد من المختصين أن “الآلهة اليونانية تمصّرت”، وأن الإغريق أدمجوا أساطير مصرية في ميثولوجيتهم، واقتبسوا حتى أسماء بعض آلهتهم من الآلهة المصرية، غير أن الميثولوجية اليونانية عثرت على من يستدعي مخطوطاتها ونصوصها ويروّج لها لتكون قاعدة مكينة انطلقت منها الحداثة الغربية، ولم تجد “المصرية” من يخصّها بهذه العناية.

ثمة عامل آخر فارق، وهو أن الثقافة في مصر القديمة كانت من أدوات التسلط والسيطرة، فاقتصرت على قصور الحكام ومعابد الكهنة ولم يكن لها طابع الديمقراطية المطبوعة به الثقافة الإغريقية، لهذا توارت دون أن تخلف وراءها تقريبًا سوى مقولات تتحدث عما بلغته من تقدم وتفوق حتى على الثقافة اليونانية، وصعبت بذلك مهمة كل من حاول تتبع أثرها. 

حتى اليوم هناك من لا يزال يعتقد أن الحداثة ترويج لقيم الحرية والديمقراطية والليبرالية.. أو يخلط بين الحداثة والتحديث، بينما هي مسار طويل شقه الغرب، منه ما كان بأرض الأساطير، بدءًا من القرن الرابع عشر مع “الإنسانيين”، وصولاً إلى أسماء مثل: نيتشه ومالينوفسكي وجوزيف كامبل، وهذا الأخير عندما سُئل ماذا لو كانت ميثولوجيتي الخاصة بعيدة عن الميثولوجية السائدة، أجاب: “ستحاصرك المنغّصات، وإذا أجبرت على العيش وأنت تحمل هذا العبء فأنت معرّض للفصام”. 

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

Start typing and press Enter to search

Visit Us On FacebookVisit Us On TwitterVisit Us On Instagram