أسطورة واحدة وأديان متعددة

حورس.. أوزير.. مارجرجس.. البدوي.. شي الله يا أسيادنا

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

في واحدة من اللوحات الفنية التي يحتفظ بها متحف اللوفر بفرنسا، ويرجع تاريخها إلى القرن الرابع الميلادي، يظهر الإله حورس، فوق صهوة جواده، ليغرس سيفه البتار في جسد التمساح المعبر عن الإله ست.

الإبداع الفني الظاهر في تلك الصورة، ليس هو السمة الوحيدة المميزة لها، بل هناك ملمح آخر أكثر أهمية، نقع عليه إذا دققنا النظر في أيقونة مارجرجس، المتواجدة بكثرة في شتى جنبات العالم المسيحي، ويظهر فيها البطل الروماني على جواده الأشهب وقد غرس حربته في جسم التنين.

الإله حورس- مارجرجس

هذا التشابه بين الصورتين، يظهر في مجموعة أخرى من الأقانيم والصور، تعود لعصور مختلفة من التاريخ المصري، فيمكننا ملاحظة اشتراك كل من إيزيس ومريم العذراء والسيدة زينب في تيمة الأم الرؤوم الحنون التي ترعى الابن الصغير، كما يمكن ملاحظة التطابق الذي يجمع بين شخصيات أوزير وسيرابيس والملاك ميخائيل وبعض الأولياء المتصوفة، في كونهم جميعا شفعاء للمصريين في السماء، ومصدر للبركة وزيادة الرزق.

كيف وقع هذا التشابه القوي بين تلك الشخصيات، رغم أن كل منها يعبر عن حقبة دينية متمايزة عن الحقب الأخرى؟

حابي ــ إله النيل
القيم الأصيلة للأسطورة المصرية

الأسطورة المصرية القديمة، كغيرها من الأساطير، تتوافق وتنسجم مع طبيعة وشكل البيئة، بكل ما فيها من خصائص وسمات ومميزات.

على سبيل المثال، عرفت الثقافة المصرية القديمة تقديس النيل، لكونه منبع الرخاء والخير، لكن في المقابل كان هناك خوف متجدد من الفيضان الذي ينذر بهدم البيوت وغرق الحقول، عانى المصريون الأمرين من تماسيح عاشت بالقرب من ضفاف نهر النيل قديما، ومن الثعابين التي اعتادت سكنى الأحراش والمناطق الرطبة، ونظروا برهبة إلى الصحراء التي تحيط بالوادي والدلتا. قدس المصريون الشمس، لكونها مصدر الدفء، واحترموا الحيوانات الداجنة التي تساعدهم في الحرث والحصاد، وكان من بين أبرز تلك الحيوانات البقرة.

في تلك الظروف، ظهرت مجموعة مختلفة من الآلهة، حمل بعضها صفة الخير، كالإله حابي إله النيل، ورع إله الشمس، وحتحور إلهة الأمومة والخصوبة التي تم تصويرها في شكل بقرة، كما حمل البعض الآخر، صفة الشر، كالإله ست إله الفوضى والصحراء الذي تم تصويره في صورة تمساح، والإلهة وادجت التي رُسمت على هيئة ثعبان.

تلك الرموز الدينية، لم تكن أكثر من محاولة بدائية للتعاطي مع الطبيعة المحيطة، وكأن المصري القديم، المُغرق في نزعته الدينية، آثر أن يدمج الرموز في بنية معتقداته، فتأصلت وازدادت رسوخا مع مرور الوقت، حتى صارت جزءا لا يتجزأ من المنظومة القيمية التي بُنيت عليها كامل الميثولوجيا المصرية القديمة.

مع مرور القرون، وتناقل السلطة في مصر بين الفرس واليونانيين والرومان والعرب المسلمين، كان من الطبيعي أن يتوارى الدين المصري القديم، ليفسح مجالا أمام الانتشار المسيحي، ثم الإسلامي، مع ذلك، ظلت الرموز القديمة حاضرة وبقوة في المِخيال الديني المصري.

ظهرت الرموز بصور شتى في الممارسات الدينية القبطية والإسلامية، لأنها لم تستمد قوتها وحضورها من الدين القديم، بقدر ما استمدته من الطبيعة المصرية نفسها، وإن كان الدين القديم قد قُدر له الزوال والتحلل، فإن الطبيعة المصرية بقيت قائمة وحافظت على وجودها وثباتها.

إذا كانت الآلهة القديمة (أوزير وحورس وست وبتاح وأمون وحتحور ورع… إلخ)، لعبت دور حماة المدن في العصور الفرعونية القديمة، فإن القديسين والشهداء المسيحيين (مريم العذراء ومارجرجس ومارمينا ودميانة)، قد لعبوا نفس الدور في العصور القبطية المسيحية، كما أن الأولياء والصوفية الذين علا صيتهم في العصور الإسلامية، من أمثال إبراهيم الدسوقي وأحمد البدوي وأبي الحجاج الأقصري وغيرهم من كبار رموز التصوف المصري، مارسوا نفس الأدوار في العصر المملوكي المُغرق في نزعته الصوفية.

إيزيس ــ ربة القمر لدى المصريين القدماء
تيمة الأم الحنون: من إيزيس إلى السيدة نفيسة

تتحدث الأساطير المصرية القديمة عن إيزة/ إيزيس، التي تزوجت من أوزير/ أوزيريس، وتجشمت عناء رحلة طويلة في سبيل إعادة زوجها المتوفي إلى الحياة مرة أخرى بعد وفاته، فطفقت تسافر إلى أقاليم مصر الأربعين، وتبحث عن قطع جسد زوجها، حتى جمعتها كلها وتمكنت من إعادته إلى الحياة، لكنه اختار أن ينتقل إلى عالم الأموات.

في هذه الأسطورة، تظهر مجموعة من القيم المصرية القديمة، منها وفاء الزوجة لزوجها، وإخلاصها له، والترابط بين الأقاليم المصرية، التي تبدو وكأنها جسد واحد، بما يعمق من الشعور المُلح بالحاجة إلى الوحدة بين جميع الأقاليم المصرية.

أيضا، تبرز في قصة إيزيس، صورة الأم الرؤوم، التي تتعهد ابنها حورس بالرعاية والحنان، وتربيه في أحراش الدلتا، بعيدا عن أعين عدوهما ست المترصدة، حتى يصير رجلا كامل الرجولة، ويحقق الانتقام من عمه الشرير.

هذا المزيج المتناغم من الخصال الطيبة، الذي قدمته الأسطورة في شخصية إيزيس، كان في حقيقة الأمر بمثابة نموذجا يُحتذى به في الثقافة المصرية القديمة، لكل أم أو زوجة، ومن هنا انتشرت الأسطورة في جميع الأوساط الاجتماعية المصرية، لأنها كانت تتوافق بالأساس مع قيم المجتمع وطبيعته الغالبة.

بعد دخول المسيحية إلى مصر في القرن الأول الميلادي، بدأ المسيحيون في الجمع بين إيزيس، ومريم العذراء أم المسيح، لوجود تشابه كبير في سمات كل منهما.

من المشتركات أيضا، قصة الحمل الإعجازي بالمولود، وأن الاثنتين اشتهرتا بلقب العذراء، هذا بالإضافة إلى سمات الحنان والعطف والأمومة المفرطة في شخصية كل منهما.

هذا الدمج، سهل من تقبل المصريين للمسيحية ورموزها، إذ لم يجدوا مشقة تُذكر في الربط بين رموز الدين الجديد ورموزهم القديمة، بل وربما أضفوا على الرموز المسيحية الكثير من الخصائص المصرية القديمة، وأعادوا تصديرها إلى العالم القديم مرة أخرى.

مقام السيد زينب

بعد قرون، ومع دخول العرب المسلمين إلى مصر في القرن السابع الميلادي، أُعيد إحياء القيم الأصيلة المرتبطة بإيزيس، ولكن من خلال صورة تنسجم مع الواقع الإسلامي، وجرى ذلك من خلال شخصيتي السيدة زينب والسيدة نفيسة.

تعرضت السيدة زينب، حفيدة الرسول، وبنت الإمام علي بن أبي طالب، وأخت الحسن والحسين، كما هو معروف، لمحنة كبرى بعد مقتل أخيها الحسين في موقعة كربلاء (61ه)، وتم اقتيادها إلى الشام للمثول أمام الخليفة الأموي يزيد بن معاوية.

ورغم أن أغلبية المصادر التاريخية لا تذكر شيئا عن زيارة السيدة زينب إلى مصر، إلا أن المِخيال الشعبي المصري، بنى حكايته الخاصة عن تلك الزيارة، واستفاض في وصف أوجاع زينب، وحسرتها على أخيها المذبوح، وأظهرها في صورة الأم الرؤوم أو الأخت الحنون التي خاضت رحلة ملحمية في سبيل الدفاع عن أسرتها المنكوبة، ودافعت فيها بكل ما أوتيت من قوة عن ابن أخيها الصغير، علي زين العابدين، الذي كاد الأمويون أن يفتكوا به في ساحة المعركة، ومن ثم استحقت لقبها الأشهر “أم العواجيز”، وقد تشابه مع الأوصاف التي حظيت بها كل من إيزيس ومريم.

أيضا، تم تصوير السيدة نفيسة بنت الحسن بن زيد بن الحسن بن علي بن أبي طالب، التي عاشت بمصر وماتت بها، على أنها امتداد لبيت النبوة الطاهر، وعلى أنها الأم والأخت. يذهب إليها المصريون ليرتموا على جنبات عتبات مقامها المقدس، فهي “شفيعة المصريين”، وأمهم التي اعتادت أن تمسح همومهم وتجبر بخواطرهم.

من هنا نستطيع أن نفهم، السبب الذي حدا بالسيدة نفيسة المتوفية في أول القرن الثالث الهجري، لتكون متواجدة في السيرة الشعبية للظاهر بيبرس المتوفى في القرن السابع الهجري، فهي التي أرشدته وووجهته وساعدته في كل موقف، ووعدته بالملك والسلطنة، وررققت قلبه على المصريين البسطاء، لتلعب نفس الدور الذي لعبته إيزيس من قبل مع حورس، ولعبته مريم مع ابنها والشهداء اللذين تعرضوا للاضطهاد والتعذيب.

حورس ــ إله الشمس
تيمة الابن المنتقم: من حورس للدسوقي

تبين الصورة الشهيرة لحورس وهو يقتل ست قيمة الانتقام وروح الثأر الذي لا يهدأ لدى المصري، وحتمية انتصار الحق على الباطل في نهاية المطاف.

في العصر المسيحي، وقع التداخل بين شخصيتي حورس (ابن إيزيس وأوزيريس) من جهة، والبطل المسيحي الشهيد مارجرجس من جهة أخرى، وشاءت الأقدار أن يشتهر أمر مارجرجس في عموم المدن المصرية، لدرجة أن ما يزيد عن 370 دير وكنيسة تحمل اسم هذا القديس في شتى أنحاء المحروسة.

رغم ندرة المصادر التاريخية التي تتحدث عن شخصية مارجرجس، وغياب التفاصيل عن حياته، إلا أن الوجدان الشعبي المصري نسج قصة أسطورية له، تتشابه كثيرا مع قصة حورس، وتحكي أن تنينا هائلا سكن بجانب أحد الأنهار، وقام التنين بقطع طريق النهر ليمنع الناس من الانتفاع به، وفي سبيل إرضائه، تعود أهل المدينة على تقديم فتاة عذراء جميلة في كل عام ليلتهمها، مقابل أن يسمح لهم بالوصول للماء.

وفي أحد الأعوام، وقعت القرعة على بنت حاكم المدينة، ورغم المحاولات المضنية التي قام بها الملك العجوز لإنقاذ ابنته الوحيدة، إلا أن شعبه أصر على تنفيذ القرعة وتقديم الفتاة لمصيرها المحتوم.

هنا ظهر مارجرجس في صورة فارس شجاع مقدام ذائع الصيت، لدرجة أن الملك اليائس تمنى أن ينجده من الشر المحدق به وبابنته، وبالفعل لبى مارجرجس النداء، وقدم على حصانه ومعه سيفه ورمحه، ووصل للنهر في الوقت الذي كانت فيه بنت الملك تنتظر مصيرها المرعب.

بحسب ما ورد في القصة فإن جرجس نادى على الفتاة وطمئنها، ثم تقدم للأفعوان الضخم، وغرس رمحه الطويل بين عينيه، وبذلك خلص الفتاة من الموت، كما قضى على الشر الذي عانت منه المدينة لسنوات طويلة.

البطولة كانت القيمة المشتركة في أسطورتي حورس ومارجرجس، بعدما رفع المصريون مقام مارجرجس وتعلقوا بقصته، خصوصا إثر ما لاقوه من اضطهاد كبير في عهد الإمبراطور الروماني دقلديانوس، والذي ضيق على المسيحيين ونكل بهم وبالغ في تعذيبهم، مما دفع الأقباط لتخيل مارجرجس في صورة الفارس المغوار الذي سيخلصهم من التنين، رمز الشر والوثنية.

في العصور الإسلامية، بقي المصريون المسلمون في حاجة إلى رمز يجسد توقهم إلى الشجاعة والبطولة، وقد وجدوا بغيتهم في مجموعة من شيوخ الصوفية المشهورين بالكرامات وخوارق العادات، فعلى سبيل المثال، يلاحظ الزائر لمسجد إبراهيم الدسوقي في مدينة دسوق، ذلك الصندوق الزجاجي المُعلق فوق أحد الأبواب الداخلية للمسجد، وتقبع فيه فقرة من عنق تمساح.

بحسب ما هو متواتر في الثقافة الشعبية الصوفية، أن هذا التمساح التهم طفلا، فلما ذهبت أمه باكية شاكية إلى الدسوقي، استدعى التمساح وأمره برد الطفل، فخرج حيا، ثم وضع الدسوقي يده في فم التمساح و انتزع فقرة من عنقه، لتحفظ في المسجد أمام أعين الزوار، في إشارة لحماية الولي القطب لمدينته ورعايته لها.

مقصورة السيد البدوي
تيمة الأب صاحب البركات: من أوزير إلى البدوي

فيما يخص الضلع الثالث من أضلاع مثلث المعبودات المصرية الأشهر، المتمثل في الأب، أوزير، كان هو الضحية الذي قتل على يد أخيه ست، وتم تقطيع جسده لأربعين قطعة، وبعد أن تمكنت زوجته إيزيس من جمع جثمانه واحيائه بطقوس سحرية، رفض العودة للحياة، وصار إلها للعالم السفلي.

شخصية أوزير في الثقافة المصرية القديمة، ارتبطت بالبركة والمعجزات، حتى كان مدفنه الرمزي (القريب من مدينة قنا حاليا) في عربة أبيدوس هدفا لرحلات الحج، ويقدم فيها المئات من المصريين طلبا لبركة وشفاعة هذا المعبود المقدس، وكان بمثابة الشفيع الإلهي للمصريين، فهو الذي طالما لبى دعواتهم وحقق لهم أمنياتهم.

بعد غزو الإسكندر الأكبر لمصر في القرن الرابع قبل الميلاد، قام خلفاؤه من البطالمة، بالربط بين أوزير وأهم آلهة جبال الأوليمب، زيوس، وذلك بهدف إحكام سيطرتهم على البلاد، والتقرب من المصريين، مرت قرون، ووقع الربط بين أوزيريس والملاك ميخائيل، صاحب الأهمية البالغة والمكانة المُعتبرة في الدين المسيحي، والذي شاع في الثقافة المسيحية، أنه المسؤول عن التسبيح والشفاعة للمؤمنين أمام الله.

بحسب ما ذكر “السنكسار القبطي”، وهو كتاب دونت فيه أخبار الشهداء والمعجزات والقديسين، فإن البابا إسكندر، في القرن الثالث الميلادي، وجد أن أغلب أهل الإسكندرية قد انشغلوا بالاحتفال بعيد الإله سيرابيس، إله الشمس، في 12 هاتور، لهذا حاول استثمار هذا الانشغال ولكن من خلال طقس مسيحي الصبغة، من هنا فقد أعلن هذا اليوم عيدا للملاك ميخائيل، وحول هيكل سيرابيس في الإسكندرية إلى كنيسة باسم رئيس الملائكة ميخائيل.

ومع مرور الوقت نسي المصريون السبب الأصلي للعيد في هذا اليوم، ولم يبق في ذاكرتهم سوى عيد الملاك ميخائيل.

أيضا، حددت الكنيسة عيدا ثانيا للملاك ميخائيل لسبب مشابه، فالمصريون كانوا يحتفلون في ١٢ بؤونة بفيضان النيل، واعتبروا أن الفيضان إنما يتم بفضل ونعمة من الإله حابي، الذي يصعد إلى السحاب ويتسبب في نزول الأمطار ومن ثم يمتلئ النيل ويفيض بمياهه، ويتسبب في انتشار البركة بالبلاد.

البابا ثاؤفيلس في القرن الرابع الميلادي، قرر أن يحتفل بالعيد الثاني للملاك ميخائيل في نفس اليوم، باعتباره صاحب الصلوات الذي يشفع للمؤمنين ويدعو بزيادة النيل وكثرة خيراته أمام العرش السماوي.

وإذا كان أوزير/ سيرابيس/ الملاك ميخائيل، كانوا جميعا رموزا عبر بها المصري عن تقديس النعمة وشكر الله على الأمان والخير الممثلين في الشمس/ النيل، فإن تلك الرمزية تجلت في العصور الإسلامية من خلال عدد كبير من الأولياء والصوفية، نُسبت إليهم القدرة على المباركة وإكثار الأرزاق والشفاء من الأمراض، بل وفي بعض الأحيان الإحياء من الموت، ولعل من أشهر هؤلاء الصوفية، السيد أحمد البدوي المتوفي 675ه، والمدفون في مدينة طنطا في الدلتا.

المصادر
  • فجر الضمير لجيمس هنري بريستد
  • ديانة الساميين لروبرتسن سميث
  • قصة الحضارة لويل ديورانت
  • مصر القديمة لسليم حسن
  • السنكسار القبطي
  • معجم الأساطير ماكس شابير و‎رودا هندريكس
  • مارجرجس بين التاريخ والتقليد الشعبي لجوزيف ممدوح توفيق
  • الطبقات الكبرى لعبد الوهاب الشعراني ت974ه
  • السيرة الشعبية للظاهر بيبرس
  • طبقات الشرنوبي لأحمد بن عثمان الشرنوبي ت 994ه

قصة

محمد يسري أبوهدور

كاتب وباحث مصري

بمشاركة

أحمد بيكا

رسوم وجرافيك

Start typing and press Enter to search