أسقاس أمقاس..

الأمازيغ يحتفون بالانتصار على فرعون

بحلول السنة الأمازيغية الجديدة 2971 في الثاني عشر من شهر يناير/ كانون الثاني 2021، تجدد الجدل بين الناشطين الجزائريين على مواقع التواصل الاجتماعي، حول هذا التقويم، بين مؤيد للاحتفال به كتراث إنساني غير مادي، يُعبر عن عراقة الأمازيغ، وبين من يعتبره “خرافة” لا تستحق الاهتمام، وربط ذلك بالخلفية الدينية، واعتباره مناقضًا للمقدسات التي يدين بها غالب الجزائريين، خاصة أن الدستور الجزائري ينص في مادته الثانية على أن “الإسلام دين الدولة”، على الرغم من أن ذات الدستور يقر بأن “الأمازيغية” جزء من مكونات الهوية الوطنية، بجانب الإسلام واللغة العربية، فما قصة هذا التقويم؟ ولماذا تحول إلى عامل للتجاذبات السياسية والثقافية؟

احتفالات رأس السنة الأمازيغية في الجزائر

نشوة الانتصار الأمازيغي القديم

توجد رواية رائجة في الوسط الأمازيغي (في الجزائر والمغرب وتونس وليبيا) عن أن هذا التقويم يبدأ من تاريخ انتصار الملك الأمازيغي ششناق (950 ـ 929 ق.م) على فرعون مصر، وحسب أنصار هذه الرواية فإن التقويم الأمازيغي مرتبط بتاريخ انتصار الأمازيغ على المصريين القدامى، واعتلاء زعيمهم “شيشناق” العرش الفرعوني، ويؤكدون أن بداية التقويم الأمازيغي يعود إلى سنة 950 قبل الميلاد، وهو ما يتزامن مع  انتصار الملك الأمازيغي “شيشناق” على رمسيس الثالث، وكان ذلك تحديدا يوم 12 يناير/ كانون الثاني.

لذلك -وفقًا لهذه الرواية- بدأ الأمازيغ وضع تقويمهم وفقًا لتاريخ انتصارهم واعتلائهم عرش الحكم في الدولة المصرية القديمة، ورغم عدم توافر دلائل تاريخية دامغة تؤكد صحة هذه الرواية، فإنها تظل الأكثر رواجًا في الأوساط الأمازيغية، خاصة في الجزائر، ما يجعل سيرة الملك “شيشناق” الأكثر حضورًا في الاحتفالات التي أقيمت بمناسبة كل رأس سنة أمازيغية، والتي تُعرف بعيد “يناير”!

وما جدد الجدل هذه السنة بالذات، هو أن قررت ولاية تيزي ووزو (بمنطقة القبائل) الجزائرية، وضع نصب تذكاري يجسد شخصية الملك شيشناق بطول 4.5 متر، أنجزه النحاتان الجزائريان حميد فردي وسمير سالمي في حاضرة الولاية، تزامنًا مع انطلاق أعياد يناير والسنة الأمازيغية الجديدة 2971، الثلاثاء الماضي، الأمر الذي أثار الكثير من النقاش واللغط في وسائل التواصل الاجتماعي بين مؤيد للفكرة ومعارض لها، خاصة أن تزامن وضع النصب التذكاري مع السنة الأمازيغية يوحي بتكريس الرواية الرائجة حول ارتباط التقويم الأمازيغي بالانتصار على فرعون مصر.

وذهب البعض في معارضته إلى اعتبار ششناق نفسه جزءًا من التراث الفرعوني القديم، ونشر عدد كبير من المغردين دلائل تؤكد عدم صحة الربط بين انتصار شيشناق والتقويم الأمازيغي من جهة، وروايات تاريخية من جهة أخرى تشير إلى أن موطن شيشناق الأصلي يقع في ليبيا الحالية وليس في الخارطة الجزائرية الراهنة!

رمسيس الثالث

ذكرى انتصار أم موسم فلاحة؟

على الجانب الآخر ظل ناشطون ومؤرخون جزائريون ومغاربة يرجحون ارتباط التقويم الأمازيغي بالسنة الفلاحية، وليس بذكرى معارك قادها شيشناق، وتؤكد هذه الرواية أن التقويم أساسًا هو موعد منظم لموسم الفلاحة، سواء أكان في بدايته أم ارتباط تسميات أشهُره بمراحل الزراعة والحصاد… إلخ، وأن لا علاقة لانتصار شيشناق ببداية التقويم حتى لو تزامن ذلك في ذات التاريخ المذكور (950 ق م).

وعلى الرغم من وجاهة هذا الطرح، وإمكانية اعتباره فرضية قابلة للنقاش والتحقق، فإن ارتباط هذا الطرح بتيارات سياسية وفكرية وثقافية، لا تخفي سعيها الدؤوب لإنكار أو تقزيم “التاريخ الأمازيغي” في دول شمال إفريقيا، ومحاولاتها الحثيثة لإحداث إسقاطات تاريخية متخيلة للراهن السياسي، جعل الطرح في مرمى التجاذبات السياسية والثقافية ذات البعد الهوياتي، خاصة في الجزائر التي ظلت تشهد حراكًا سياسيًّا، يتكئ على البعدين الثقافي والتاريخي لعقود طويلة، ما أخرج الطرح من طابعه البحثي والتاريخي إلى دائرة الاستقطابات السياسية، وقد صار واضحًا أن في كل شيء تيارين سياسيين متصارعين، حتى في قراءة وفهم التراث الحضاري للأمة.

الملك الأمازيغي "شيشناق"

الإسلاميون على خط الصراع

من المعروف أن الجزائر ظلت لوقت طويل تعاني أزمة تعريف الهوية، ففي حين سعت الأنظمة التي أعقبت الثورة التحريرية لتبني مشاريع “التعريب”، وصار إلى حد التيار السياسيّ الأساسي في مرحلة الجزائر ما بعد الاستقلال، نما على هامش المشاريع الرسمية تيار ثقافي وفكري معارض، تبنت لاحقًا بعض مطالبه أحزاب سياسية معروفة بانتمائها إلى منطقة القبائل، منها: التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية، وحزب القوى الاشتراكية، وغيرهما، ممن دافعوا لصالح الطرح الثقافي الأمازيغي، وعارضوا ما اعتبروه مشاريع قسرية لتعريب المجتمع، ولعل أهم المطالب التي تبناها التيار الأمازيغي ككل “الاعتراف باللغة والثقافة الأمازيغية، كإحدى مكونات الهوية الجزائرية، وترسيم اللغة الأمازيغية كلغة وطنية وإدراجها في مناهج التعليم والإعلام، وحماية التراث الأمازيغي المادي وغير المادي من التلف والانقراض إلى غيرها من المطالب.

وكان التيار الثاني -القريب غالبًا من السلطة- يسعى للحفاظ على اللغة العربية كلغة رسمية وحيدة للبلاد، فضلاً عن سعيه لتحويلها من “رسمية الدستور” إلى فعلية التعاطي في الدواوين الحكومية والمعاملات الرسمية (حيث ظلت اللغة الفرنسية الأكثر حضورًا في هذه الدوائر) علاوة على الإعلام والتعليم، وبجانب ذلك ظل هذا التيار يعارض مطالب تفعيل الأمازيغية وترقيتها، معتبرا ذلك “خصمًا من حضور الثقافة العربية”.

وقد خفَّت حدة الصراعات والتجاذبات بين التيارين في العقدين الماضيين، خاصة بعد إقرار نظام الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة اللغة الأمازيغية كلغة وطنية في الدستور، واعتبارها أحد مكونات الهوية الوطنية في المادة الثانية من الدستور الجزائري، بجانب تشكيل مجلس أعلى لرعاية وترقية الثقافة الأمازيغية، والاعتراف بالأعياد الأمازيغية، كعيد يناير، ومنح إجازات مدفوعة الأجر في هذه المناسبات.

الأمازيغ في الجزائر

إلا أن الطارئ الجديد في معادلة الصراع يتمثل في تيار الإسلام السياسي الذي يحاول الآن جاهدًا إعادة إنتاج الأزمة، عبر قراءات دينية مستحدثة للتراث الجزائري السابق للإسلام أساسًا!

وقد بدا واضحًا أن هذا الطرح بات يكتسب مساحات جديدة بين الناشطين الجزائريين على مواقع التواصل الاجتماعي، فيوجد شبه تحالف فضفاض تمكن ملاحظته بين التيار العروبي والتيار الإسلاموي، في سعيهما الدؤوب لرفض كل ما يمكن أن يحيل إلى الانتماء الأمازيغي، سواء أتمثل في رموز أم طقوس أم أعياد أم حتى سرديات تاريخية، وبدا الوافد الجديد لساحة الصراع يُغرِق السوشال ميديا بفتاوى دينية تُحرم الاحتفال بعيد يناير، بحجة أنه “عيد وثني”،  وأخرى ترفض النصب التذكاري الجديد للملك شيشناق، إما بدعاوى أنه فرعوني وليس جزائريًّا، وإما على اعتباره تكريسًا لفكرة “التصنيم”!

ولأكثر من أسبوع صار تمثال شيشناق موضوع النقاش الرئيس في مواقع التواصل الاجتماعي ليس من الخلفية التاريخية، أو الحس الجمالي للمنجز الفني (التمثال)، بل من خلفية التحريم والتأثيم الديني!

والمفارقة أن ذات التيار كان من المدافعين عن إقامة نصب تذكاري للشيخ عبدالحميد بن باديس (مؤسس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين) في مدينة قسنطينة منذ عدة سنوات مضت!

هذا يعني أن قضية التحريم هنا تأتي في سياق صراع سياسي وثقافي، يُستخدم فيه المقدس كأداة للمواجهة، وليس من واقع إيماني يتعلق بتحريم التماثيل المجسدة للأشخاص.

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

قصة

محمود أبوبكر ​

صحفي وكاتب إريتريّ

مشاركة

أحمد بيكا

رسوم

Start typing and press Enter to search

Visit Us On FacebookVisit Us On TwitterVisit Us On Instagram