أضرحة وموالد وحضرات.. التصوف المصري في ألف عام

الملخص

تعد الآداب والتقاليد والممارسات الصوفية من أهم  الموروثات الثقافية والدينية في مصر، بما شكلته من انتشار وتمدد عبر طبقات وشرائح اجتماعية واسعة  خاصة الشعبية منها حتى أضحت فلكلورا طقوسيا لا يمكن تجاوزه.

يسبر العمل أغوار المشهد الصوفي من الداخل، من خلال استعراض  بانورامى يرتحل في ماهية الآداب الصوفية وأنواعها وكينوناتها وإرث الطرقية الصوفية من مسلك ومشرب بات خصيصة وميزة تعبر عن هوية جامعة تمايزت بها عن غيرها من التيارات والمذاهب الدينية سلوكيا وعقديا، ابتداء من ثنائية الشيخ والمريد مرورا بالأضرحة والمقامات، الحضرات والتمايل داخلها والرقص الصوفى انتهاء إلى الموالد والليالي الكبيرة.

تقديم:

على مدار تاريخه الممتد من القرن الأول الهجري وحتى وقتنا الراهن ظلت الممارسات والطقوس الصوفية محل جدل وخلاف ما بين المنكرين للنهج الصوفي وممارساته من ناحية، وبين القانعين به والمعولين عليه في الوصول إلى الغاية القصوى في التعبد والمجاهدة من ناحية أخرى.

 

ليس الهدف من هذه الدراسة – بأي حال من الأحوال – هو تبرير ممارسات المتصوفة أو درأ الشبهات عنها، أو دحضها وبيان تهافتها الشرعي فذاك شأن الفقهاء وحدهم، ولكن مدار دراستنا هو إجراء مسح سسيولوجي للمارسات والتقاليد والآداب الصوفية المعاصرة في مصر، وهي مسألة من الصعوبة بمكان يبرر ندرة الدراسات العلمية التي تناولت هذا الحقل لعدة وجوه:

أولها: عدم وجود بيبلوجرافيا للطرق الصوفية المعاصرة في مصر تجعل من اليسير الوصول إلى الفروق العملية والاختلافات النظرية ما بين هذه الطرق كمدارس للتصوف المعاصر.

ثانيا: أن أغلب هذه الطرق تغيب عنها فكرة وضع مؤلفات تكون بمثابة دليل للباحثين والمهتمين بدراسة النهج الصوفي المعاصر، ومعرفة أسسه النظرية والعملية.

ثالثا: ندرة الدراسات العلمية الجادة التي تتناول آداب السلوك الصوفي المعاصر، باستثناءات قليلة تدور معظمها في فلك الخرافة الدينية والأساطير الشعبية، وتنحرف عن تقديم دراسات موضوعية يمكن الوثوق بها والرجوع إليها.

 ومع ذلك فإن الباحث لا يعدم وسيلة لاستبيان تلك التقاليد والآداب المعاصرة، لأن أكثر تلك التقاليد تأسست على مفاهيم وآداب صوفية قديمة حتى لو دخلت عليها بعض الانحرافات، والمبالغات والشطحات، لاسيما وأن التصوف ومنذ انتشار التصوف الطرقي في عهد الدولة المملوكية* لم يعد حكرا على فئة بعينها من الفقهاء والمحدثين والمتفلسفين والعباد، فحينما بدأت الطرق الصوفية في التشكل، انخرط فيها الناس فرادى وجماعات، وبلغ شيوخ التصوف من الاحترام والتقدير درجة التقديس، وشكلوا وسطاء بين الله وعباده، وكان تراجع مستوى الثقافة، وانتشار الخرافات من أهم العوامل التي كانت وراء هذا الإقبال، كما أن طغيان التصوف العملي سهًل للعوام الانخراط في هذه الطرق الصوفية، حيث لا يتطلب ذلك كبير عناء، ولا جهد لتحصيل مستوى محترم من الثقافة، وهناك عامل آخر لا يقل أهمية عما ذكر، ساهم بشكل حاسم وفعال في رفع منزلة أولئك المتصوفة بين العوام، وهو ما أشيع عنهم من كرامات.(2)

 فقد أصبح التصوف الإسلامي مع بناء الخنقاوات والزوايا والتكايا الصوفية بمثابة لونا من ألوان التدين الشعبي أضاف إليه العامة بقدر ما أضاف إليهم، على الرغم مما قد ينسب لتلك الزوايا والتكايا والخنقاوات من إيجابيات في بعض الميادين كالتكافل الاجتماعي، والمرابطة على ثغور الدولة الإسلامية.

 

⪡ المحور الاول

أولًا: الشيخ والمُريد

لا تزال ثنائية (الشيخ- المريد) هي العلاقة الحاكمة لبنية البيت الصوفي، فالشيخ هو المرشد وهو الهادي وهو الخبير بعلامات الطريق وتشعباته، وهو الذي يتلقى الأنوار الإلهية والمدد النبوي ويوزعه على مريديه بقدر طاقاتهم ومجاهداتهم، ولو لم يكن هناك شيخ للسالك كان الشيطان شيخه أو فاضت عليه أنوار الألوهية فأنطقته شططا وشطحا، “ولابد في التصوف من شرط جوهري هو (التأثير الروحي) أو بتعبير أدق (البركة) وهي لا تتأتى إلا بواسطة شيخ، ومن هنا كانت الطرق، ومن هنا كانت السلسلة، وهل السلسلة إلا بركات تنتقل من شيخ إلى مريد يوشك أن يصبح شيخا فيؤثر بدوره في مريد أو مريدين؟ (3)

وعلى المريد أن يكون صاحب اعتقاد راسخ في شيخه، فلا تخطر عليه خاطرة إلا عرضها عليه، وعلى المريد أن يعتقد في شيخه العصمة ولو لم تثبت له شرعا، فمثل المريد مع شيخه كمثل موسى مع الخضر عليه السلام، فلا يصح للمريد مخالفته أو الاختلاف حتى لو بدر من الشيخ ما يخالف ظاهر الشريعة، يقول القشيري “قال الله تعالى في قصة موسى مع الخضر عليهما السلام (هل أتبعك على أن تعلمني مما علمت رُشدا). قال الإمام: لما أراد صحبة الخضر حفظ شرط الأدب، فأستأذن أولا في الصحبة، ثم شرط عليه الخضر ألا يعارضه في شيء، ولا يعترض عليه في حكم، ثم لما خالفه موسى عليه السلام تجاوز عنه في المرة الأولى والثانية، فلما صار إلى الثالثة، والثلاث آخر حد القلة وأول حد الكثرة، سامه الفرقة، فقال (هذا فراق بيني وبينك)”. (4)

وعليه فلا يصح للمريد الإنكار على شيخه أو مخالفته حتى لو صدر من الشيخ ما يخالف ظاهر الشريعة، فإن الشيخ أعرف من تابعه بحكمة الشارع ومقصده باطنا، لذلك ينقل القشيري قول شيخه أبا علي الدقاق قوله “بدء كل فُرقة المخالفة، يعني. من خالف شيخه لم يبقى على طريقته، وإنقطعت العلقة بينهما وإن جمعتهما البُقعة. فمن صاحب شيخا من الشيوخ ثم اعترض عليه بقلبه فقد نقض عهد الصحبة، ووجبت عليه التوبة، على أن الشيوخ قالوا: عقوق الأستاذين لا توبة عنه” (5)

 

و”الشيخ” المقصود في النص القشيري هو من تحصلت له الولاية على اختلاف درجاتها وطبقاتها، وهناك طريقان للولاية على ما يبين لنا الحكيم الترمذي، فثمة ولاية تكون بمثابة منحة واصطفاء إلهي لبعض خلقه، وولاية تكون ثمرة اجتهاد وإنابة وصدق مع الله في العبودية، وهما المشار إليهما في قوله تعالى “الله يجتبي من يشاء ويهدي إليه من ينيب”*. فطريق أهل المنة يتشعب من أجل ذلك شعبتين: شعبة لمن تناله المنة بادئ ذي بدء، فتجذبه جذبا، وهؤلاء هم المجذوبون أو المجتبون، وتخرج لهم المنة من المشيئة، وشعبة أخرى لمن بلغ غاية الصدق من أولياء حق الله، فشملتهم رحمته، وخرجت لهم منته، فنالوا مجالسهم في منازل قربته، وهؤلاء هم المنيبون الذين كانوا أولياء حق الله فأصبحوا أولياء الله”. (6)

وقد كان المريد قديما يتحصل على تبعية الشيخ بملازمة مجالسه، إذ كانوا في جملتهم أهل صدق وورع من المحدثين والفقهاء، غير أنهم كانوا يحافظون على مجالس خاصة لتعليم المريدين المثابرة على جهاد النفس، وتعليمهم الأحوال والمواجيد، فإذا صدق المريد في جلسات الشريعة، وحدث التلاقي الروحي مع شيخه نقل إلى مجالس طلاب الحقيقة، وأجيز في قراءة الأذكار والأوراد، وألبس على أيدي شيخه الخرقة الصوفية، أو تناول عنه مسبحته، وقد تكون الخرقة قميص من الصوف الخشن أو عمامة بيضاء توضع على رأس المريد على ثلاثة أنماط تناقلها الرواة.

مريدو الجعفرية

فإذا انتقلنا إلى واقع الصوفية المعاصرة في مصر وكثير من بلدان العالم الإسلامي، فإن ثمة طريق واحد للولاية والمشيخة، وهو “الوراثة أو التوريث”، فهم كنبلاء العصور الوسطى الأوروبية، حيث يرث الطريق أكبر الأبناء للشيخ، بما يحفظ للأسرة امتيازاتها ومكانتها ووقارها الاجتماعي، كما يحفظ لها نصيبها من صناديق النذور، حيث يخصص قانون الأوقاف المصري نسبة من أموال النذور تذهب للمشيخة العامة للطرق الصوفية يتم توزيعها ما بين الطرق التابعة للمشيخة.

وغالبا ما يكون “الشيخ” شخصية تقليدية إلى الحد الذي يجعل بعض الباحثين يتحدث عن انتهاء زمن الولاية، فهو لا يعرف علوم الأقدمين، ولا يجيد الحديث لدقائق في علوم المتصوفة ومواجيدهم ومكاشفاتهم وأحوالهم، فلم تعد المشيخة تعني الولاية والتلقي والمد الروحي للمريدين، بقدر ما أصبحت مهمة إدارية تقوم على تنظيم الاحتفالات الدينية، وإقامة الحضرات، والإشراف على الهيكل الإداري للطريقة في محافظات الجمهورية، وتمثيل الطريقة في المناسبات الرسمية، وكتابة الأحجبة والتمائم للمحتاجين، ومنح الأوراد المنقولة عن مؤسس الطريق للمريدين، وشحذ هممهم وتقوية انتمائهم بترديد قصص كرامات وخوارق الصالحين.

وينتسب المريد للطريق في أغلب الطرق الصوفية المعاصرة بما يسمى “العهد”، وهو بمثابة إجازة لقراءة أوراد الطريق على النحو الذي يبينه الشيخ، وقد يتلقى المريد عن الشيخ إجازته مباشرة أو من خلال من ينوب عنه، ويسمى “المرشد” أو “الخليفة”،  ويتم ترسيم الخليفة من قبل الشيخ بإلباسه خرقة صوفية خضراء أو بيضاء على اختلاف الطرق.

محمد زكي إبراهيم شيخ العشيرة المحمدية

 

يقول الشيخ محمد زكي إبراهيم شيخ العشيرة المحمدية: “وبحمد الله قد ألبسني شيخي -رضي الله عنه- الخرقة المحمدية البيضاء ثلاث مرات: فمرة لف بها رأسي، وأرخى لها ذؤابة ضخمة على الظهر، ثم مد يده فوضع الذؤابة –أعني العذبة- على كتفي وصدري، ومرة وضع رأسي في وسط الخرقة وغطى بها أذني، ثم ألقى بطرفيها إلى الخلف، كلاهما على صورة عمائم أهل المدينة، وأما المرة الأخيرة فلف بالخرقة رأسي، وجعل أحد الطرفين تحنيكا تحت ذقني، وبسط الطرف الثاني على ظهري، على صورة عمائم أهل المغرب”. (7)

وقد يمنح المريد شهادة من المجلس الأعلى للطرق الصوفية يسلمها له شيخ الطريقة التابع لها المريد، ثم يطاف بالخليفة على ظهر حصان في موكب رفعت فيه الأعلام والبيارق كالأخضر والأصفر والأبيض، وهي ألوان لها رمزيتها في التراث الصوفي.

أما الشيخ بالنسبة للمريد فهو الحماية والعدل والبركة في شئون الدنيا والدين، وللشيخ على المريد الطاعة الكاملة وعدم المخالفة، ومراقبة الشيخ في كل ما دق وجل، وإذا كانت الطاعة من المسائل المستقرة عند الصوفية قديما، فإنها لا تخلو في الوقت الراهن من بعض الاستخدامات والتوظيفات السياسية، فبعض المشايخ يعتمدون على ظهيرهم الشعبي من المريدين في خوض الانتخابات، وتحقيق المكاسب والتوازنات السياسية، ويتخذ التصوف الذي وصل تعداد أتباعه في مصر من ثلاثة عشر إلى خمسة عشر مليون نسمة وفق بعض الإحصاءات، شكلا من أشكال التحور التاريخي من طريق وتجربة روحية ذاتية، إلى كتلة مجتمعية واعية بذاتها تملك قدرة الحفاظ على ذاتها ومكتسباتها أمام هجوم خصومها التاريخيين من الفقهاء والسلفيين، ولقد كانت انحيازات جماعات المتصوفة في مصر في خريطة القوى السياسية الفاعلة منذ ثورة يناير 2011 خير برهان.

 

الشيخ علي جمعه ومريديه

ويوقر المريدون في كل طريقة صوفية مشايخ الطرق كافة، ففي اعتقادهم أن الجميع سالكون إلى الله، ومشربهم ومددهم ينتهي إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وباستثناءات قليلة يجوز للمريدين مخالطة مريدي طريقة أخرى في جلسات علمهم وحلقات ذكرهم، إذ تجيز بعض الطرق كالطريقة البرهامية الدسوقية الشاذلية، والعشيرة المحمدية لأتباعها حضور حلقات العلم، وترفض مخالطة غيرهم في جلسات الذكر.

 

 

⪡ المحور الثاني

ثانيًا: الأضرحة والمقامات

ويعتني الصوفية بمصر عناية خاصة بزيارة أضرحة أئمة أهل البيت على وجه الخصوص، ومزارات كل من نسبت له الولاية والصلاح على وجه عام، فقد ورثت مصر المعاصرة آلاف القباب للائمة والصالحين في مختلف أنحاء الدولة، ولكل واحد من تلك الأضرحة من يهتم بأمره ويعتني به، فخدمة الأضرحة مسألة تفخر بها الأسر وتتوارثها جيلا بعد جيل، حيث يقومون بإشعال الشموع، وتنظيف الضريح وإلقاء العطور، وتسهيل الزيارة للراغبين، وفتح المقامات للزيارة ليلة الجمعة من كل أسبوع.

وعلى الرغم من ندرة وجود أي إشارة في كتابات المتصوفة الأقدمين حول فكرة زيارة الأضرحة والأولياء والتبرك بهم، إلا إننا نجدها قد تحولت في وقتنا الراهن إلى طقس ثابت وأصيل في الآداب الصوفية، إلى الحد الذي جعل خصومهم يصفونهم ب”القبوريين” أي عباد القبور، أو “الشيعة” للتشابة بينهم وبين أتباع المذهب الشيعي في تلك المسألة.

والغالب أن السبب في انعدام الإشارة إلى هذه المسألة في كتابات المتقدمين من المتصوفة –وهي مسألة تدخل بشكل أساسي في تفسير الاهتمام المعاصر بالأضرحة-  لا يخلو من عدة أمور:

  • أن زيارة الأضرحة والتبرك، والدعاء في مراقد الصالحين كانت من الأمور البديهية التي لم تكن مسار جدل ولا موضع اتهام، ولذلك لم يهتم قدامى المتصوفه بتوجيه مريديهم إليها في كتاباتهم.
  • أن سبب الاهتمام المبالغ من قبل المتصوفة بالأضرحة جاء بمثابة رد فعل على الحملة الشرسة لأتباع الإمام محمد بن عبد الوهاب في الجزيرة العربية ومناطق نفوذهم على الأضرحة وهدمهم مزارات الصالحين في الجزيرة العربية.
  • أن يكون الاهتمام بالأضرحة ومقامات الصالحين هو ابتداع صوفي معاصر، ولم يكن يوما جزء من الآداب الصوفية القديمة.

وغالبا ما يوصي الشيخ بموضع دفنه بمنزله أو الموضع الذي كان يعقد فيه خلوته، وتبنى من فوقه القبه ليكون مزارا بعد وفاته، وفي الأضرحة يمارس المتصوفة العديد من الطقوس التي لا تزال محل جدل بينهم وبين مخالفيهم، بدءا من الزيارة وقراءة الفاتحة، والطواف بالمقام، واستلام أركانه، والتمسح بالمقام، والدعاء والتوسل بصاحب المقام، والإنشاد وإقامة حلقات الذكر حفاوة بيوم مولده أو وفاته، ففي اعتقادهم أن الأولياء هم مصابيح الأرض وأوتادها، وقبورهم محل لتنزل الرحمات والأنوار الإلهية، واستجابة الدعوات، فإذا كان القبر وفقا للحديث النبوي إما روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار، فمن باب أولى أن تكون قبور الصالحين رياض للجنة، وهل هناك أفضل من أن يدعو المؤمن ربه في روضة من رياض الجنة؟ وهم يسوقون على ذلك العديد من الأدلة الشرعية التي لسنا بصدد إثباتها أو نفيها.

وفي يوم مولد الولي صاحب المقام يتحول الضريح إلى كتلة مضاءة بالأنوار، وتذبح الذبائح، وتنذر النذور ويجتمع أبناء الشيخ من طريقته الصوفية، أو الطرق الأخرى للاحتفاء بيوم مولده بعقد الحضرات ومجاس الذكر وقراءة الأوراد.

لكن الأضرحة ليست حكرا على مريدي الطرق الصوفية وأتباعها الذين لا يزالون يتقيدون ببعض الضوابط الشرعية، فقد فتحت للعوام بابا واسعا من الأساطير والخرافات الشعبية، “فالمجتمع نفسه أمام حكايات كثيرة للأولياء يؤدي طقوسهم وشعائرهم، فهناك من يقوم بالعدل والقصاص، وآخر يمثل الحماية، وقضاء الحاجة النفسية والاجتماعية، فنجد المجتمع نفسه مطوقا بالعديد من الطقوس التي يؤديها مختارا لا مجبرا عليها” (8).

وتختلف طقوس العوام من شيخ لآخر بحسب الأساطير والكرامات التي اشتهرت عن الشيخ صاحب المقام، وبحسب حاجاتهم فقد يشتهر عن بعضهم الإخصاب والنماء لمن تعذر عليه الإنجاب، ويشتهر عن الآخر الحماية، وعن الثالث رد الضالة وإرجاع المفقود، أو الانتصار للحق والدفاع عن المظلومين والقضاء بين الناس.

 

 

وقد أجرى أحد الباحثين دراسة ميدانية عن حكايات الأولياء وطقوس محبيهم في إحدى المحافظات ليقرر أن هناك عددا من الطقوس الخاصة بالعوام، وأن هذه الطقوس تتعلق من ناحية بشهرة الولي وما عرف عنه من كرامات، وحاجات الناس النفسية والاجتماعية من ناحية أخرى، ويعدد الباحث عدد من الطقوس يأتي على رأسها:

  • كنس مقام الولي:  وهو طقس يمارسه الشخص عندما يشعر بالظلم، ويكون متضررا من سرقة أو سحر، فيقوم بكنس مقام الولي بمفرده بمقشة من جريد النخل، ويجعل التراب يتطاير من حوله لأنه يغشي عيون الظالمين مع ترتيل بعض المسجوعات الشعبية، ولذلك اشتهر القول الشعبي “كنست عليك السيدة”.
  • تخضيب مقام الولي بالحناء: وهو طقس يمارسه الشخص عندما يفقد شيء من ممتلكاته الشخصية، فيقوم بدهن مقدمة الضريح بالحناء، اعتقادا بأن للحناء بعض الوظائف السحرية التي تساعد على كشف المختبئ ورد الغائب
  • الاستحمام بالماء والملح: حيث يتهم أحد الأشخاص شخص آخر بظلمه عند صاحب المقام، فيكون على المدعى عليه الاستحمام بالماء والملح، فإذا كان بريئا كان الماء عليه بردا وسلاما، وإذا كان كاذبا حرق جسده.
  • المظلمة: وهو طقس يبغي منه المظلوم ترك الأمر بمجمله للولي، خاصة إذا أدى الطقوس الثلاثة السابقة، فيكتب ما يريده في ورقة يتم دثرها داخل تراب مقام الولي (تسمى مظلمة) اعتقادا بأن الولي يخرج ليلا فيطلع عليها ثم يرد برسالة عاجلة بها الخبر اليقين مع خادم المقام.(9).

وهكذا يسترسل الباحث في ذكر أنواع لطقوس التي تتم داخل الأضرحة، حتى يصل إلى طقس ثقب أذن الأطفال خلال الحضرات الصوفية، والتي كان الباحث نفسه في طفولته أحد ضحاياها، ويمكنني أن أضيف إلى الباحث أنه حتى زمن قريب كانت النسوة في قريتنا ترسل من يحضر “التراب” من ضريح أحد الأولياء ويدعى (سيدي أبو العمران)، حيث يقمن بوضعه على مناطق الألم  والشكاية في الجسم، وسرعان ما يشعرن بتحسن.

 

لكن الباحث يسرف في نقده- فيما نعتقد- فيذهب إلى أن المريدين عقب الطواف بضريح الشيخ، وأكل ما نذر لصاحب المقام من طعام، يتأهبون لعقد حلقات الذكر والإنشاد الديني بشرب الخمر وشرب نبات الحشيش والأفيون، ويزعم أنه طالع هذه التجربة بنفسه، وقد سأل حينها أحد المريدين عن ذلك، يقول “ويعلل بعض الصوفية احتساء الولي للخمر حتى يسكر بأنه مجرد فعل يستتر به على الناس حتى لا تكتشف كراماته، ذلك أن الولي يستحي من كراماته كما تستحي البنت البكر من دم الحيض، وأن السكر لا يكون إلا مع الله… ثم يقول: ومن ثم يشرب المنشدون في حلقة الذكر الخمر ويتعاطون النباتات المخدرة مثل (الحشيش والأفيون) وعندما سأل الباحث عن هذه الظاهرة أجابة أحد المنشدين أن أول من اكتشف الحشيش كان متصوفا ورعا، ويعلق: “ولعل امتداد هذه الفكرة ترجع إلى ما ذكرة المقريزي، من أن رجلا من الهند اكتشف الحشيشة، وكان اسمه البيروتز وكان زعيما لإحدى الطرق الصوفية واستعملها بعده الصوفيون”. (10)

وسواء أصدقت تلك الدعاوى أم كذبت فإن هذا مما لا يليق شرعا ولا عقلا بمن يدعون التحقق بمقام العبودية لله، والمجاهدة في تخليص النفس من شهوات الحلال، فما بالكم بإتيان المحرمات في موطن ذكر ووجد وسماع.

 

⪡ المحور الثالث

ثالثًا: بين السماع والحضرة

 قد يخلط البعض في محاولة استخلاص حكم شرعي “للسماع” ما بين الأحكام الشرعية المتعلقة بالغناء على إطلاقه، وما بين مفهوم “السماع الصوفي”، وهو ما يوقعهم في تحصيل استنتاجات وأحكام فقهية في غير موضعها، كحكم فقهاء المذاهب الأربعة في “الغناء” ، فالغناء أمر والسماع أمر آخر، لذلك يعلق القشيري بعد أن يستعرض حكم الشافعي في سماع الغناء بقوله “وليس كلامنا في هذا النوع من السماع، فإن هذه الطائفة جلت رتبهم على أن يستمعوا بلهو، أو يقعدوا للسماع بسهو، أو يكونوا بقلوبهم مفكرين في مضمون لغو، أو يستمعوا على صفة غير كفء”(11)

 فالسماع الصوفي ممارسة تعبدية صوفية لها قواعدها وضوابطها الأخلاقية والسلوكية والصوفية كذلك، وهناك العديد من التعريفات التي سيقت لمفهوم السماع على ألسنة المتصوفة أنفسهم، فالسماع كما يعرفه أبو نصر السراج: “أهل السماع على ثلاث طبقات، طبقة منهم يرجعون في سماعهم إلى مخاطبات الحق لهم فيما يسمعون، وطبقة منهم يرجعون فيما يسمعون إلى مخاطبة أحوالهم ومقاماتهم فهم مربوطون بالعلم ومطالبون بالصدق، وطبقة منهم الفقراء المجردون الذين قطعوا العلايق ولم تتلوث قلوبهم بمحبة الدنيا والجمع والمنع فهم يسمعون بطيبة قلوبهم، ويليق بهم السماع، فهم أقرب الناس إلى السلام وأسلمهم من الفتنة، وكل قلب ملوث بحب الدنيا فسماعه سماع طبع وتكلف”.(12)

فالسماع حالة تعبدية يستجمع فيها المريد الصوفي خلاصة تحصيلة النوراني، وترقياته ما بين الحال والمقام، وشوقه الوجداني لمحبوبه ومعبوده، في الدخول إلى عالم من الاتصال الروحي بالحقيقة المطلقة، ويتحصل إلى سماعه بقدر طاقته ومقامه من ربه عل ما يبين السراج، فهناك من يسمعون إلى مخاطبات الحق بلا كيفيه، وهناك من تتحصل لهم الفيوض الربانية على قدر أحوالهم ومقامهم فهم لم يفنوا عن ذواتهم بعد، وإنما مربوطون بالعلم ومطالبون بالصدق، وآخرين قطعوا العلائق بالدنيا وصدقت قلوبهم في طلب الحق تعالى، وتطهرت قلوبهم من دنس الدنيا وشهوات النفس (فهم يسمعون بطيبة قلوبهم) فهؤلاء تتحقق لهم حالة من اللذة الشعورية، والحنين إلى المحبوب نتيجة الشعور بالقرب والاتصال.

أما الصنف الأخير من أصحاب السماع، فقلوبهم لا تزال ملوثة بالدنيا، وهؤلاء وأحوالهم الظاهرة عليهم أثناء الدخول في الحضرات ومجالس الذكر طبع وتكلف، فهم مدعون وليسوا أصحاب أحوال حقيقية.

ولقد وضع المتصوفة العديد من القواعد التي تحكم ممارسة “السماع” بدءا بمن يحق له ممارسة هذا النوع من التعبد، ومرورا بالقواعد التي يخضع لها المريد أثناء ممارسته لها، “فالسماع حرام على العوام لبقاء نفوسهم، مباح للزهاد لحصول مجاهداتهم، مستحب لأصحابنا لحياة قلوبهم”.(13)

كما بينوا للمريدين العديد من الآداب التي أوجبوا الالتزام بها، ومن بين هذه الآداب مراعاة المكان الذي تجري فيه جلسة السماع، فلا يكون السماع في شارع مزدحم أو في مكان مطروق، وإنما يتم في زاوية مخصصة لذلك، ولا يدخل فيها من ليس من أهل الطريق، أما المنكرون ومدعو الزهد من أهل الدنيا فإنهم يستبعدون من هذه المجالس لما يسببونه من أضرار ومتاعب، وهذا ما يوضحه ابن عربي بقوله (تجري جلسة السماع في زاوية ولا يدخل فيها من ليس له شيخ) (14).

وكذلك يقول ابن عطاء الله السكندري: “إنما أمروا في حال السماع بغلق الباب لئلا يحضر معهم من يتجنب حضوره من الأحداث والعوام والنساء وغير ذلك مما لا يليق حضوره، لأن مجلس السماع إذا كان ربانيا فهو كمجلس الذكر والمذاكرة، ومجلس الذكر والمذاكرة، غذاء الأرواح ورضاع القلوب”.(15)

وإذا كان المتصوفة يراعون المكان في السماع، فإنهم كذلك يراعون الزمان، فلا يتم السماع وقت الصلاة، أو وقت حضور الطعام أو وقت النوم أو أي وقت يكون انتباه المريد فيه مشغولا بشاغل يجذب انتباهه، ويقلل من حضوره، كما يجب مراعاة الصحبة والإخوان المشاركين في السماع، فلا يكونوا من أدعياء الحال أو من المنكرين للطريق، كما ينبغي أن يكون السماع في حضور الشيخ، وأن يقوم المريد بخدمة الإخوان، لأن فيها فائدتين: إشاعة المحبة ما بين الإخوان، ومغالبة هوى النفس في التكبر والكسل وغيرها من الصفات المذمومة، كما ينبغي للمريد البعد عن التكلف وتصنع الحالة والوجد، أو الوقوع في الغيبة والنميمة، ولا يسمح بإدخال الموسيقى في الحضرة إلا آلات بعينها كالدف.

 

⪡ المحور الرابع

رابعًا: الحضرة والمتصوفة المعاصرون

ويشتهر السماع ما بين المتصوفة المعاصرين في مصر بـ”الحضرة” ويقصدون بها الحضور مع الله، وتلتزم أغلب الطرق بعقد الحضرات في زواياها الخاصة بشكل دوري منتظم كأن تعقد كل أسبوع أو شهر أو في أضرحة الأولياء، وأثناء الاحتفال بموالد الصالحين وأئمة أهل البيت حيث تعقد حضرات جامعة لكل أبناء الطريقة في محافظات مصر.

الطريقة الرفاعية

وفي الحضرة يجلس الشيخ على رأس صفين أو أكثر من المريدين، وإلى جواره يجلس “المنشد” أو المستفتح الذي يتغنى بقصائد شيخه في الزهد والوروع والتقوى أو الحب الإلهي والمدائح النبوية، وقد يلجأ المنشد إلى استدعاء بعض قصائد القوم الشهيرة في المدائح النبوية أو الشوق إلى المحبوب كنهج البردة للبوصيري، وقصائد سلطان العاشقين عمر بن الفارض أو بعض قصائد الإمام الحسين الشهيرة، إلا أن بعض الطرق الأكثر التزاما تؤكد ضرورة الالتزام بقصائد شيخ الطريق لأنه صاحب المدد.

 ويتوسط الصفوف شخص أو أكثر يقومون بالتصفيق بأيديهم فيحدثون ايقاعات منتظمة يمكن للمريدين على ايقاعاتها الاهتزاز في حركات منتظمة، فإذا كانت الحضرة تبدأ من وضع الجلوس والثبات في البداية مع حركة بسيطة كاهتزاز الرأس والكتفين تعبيرا عن الوجد، فإنها ما تلبث أن تتحول إلى حالة من الحركة العامة من وضع الوقوف يتحرك فيها الجسد يمنة ويسرى مع التلفظ ببعض عبارات الذكر من قبيل (لا إله إلا الله) أو لفظ الجلالة مفردا (الله)، وقد تتحول تلك الحركة العامة إلى حالة من الهرج والمرج مع تزايد سرعة وقوة الإيقاع وتعالي صيحات المتواجدين أو ادعاءاتهم بحصول حالة من النشوة والغياب الزمني في مقابل الحضور في حضرة الحق سبحانه وتعالى، فإذا فرغوا من سماعهم وتواجدهم مدت مأدب الطعام، فأكلوا واستراحوا وألقي على مسامعهم بعض من صنوف علوم شيخهم تلك التي تندرج تحت ما يسمونه بعلوم الحقائق.

 

فالمراقب لموقف الصوفية المعاصرة من السماع يجدهم على شاكلتين، فمنهم المريد الملتزم بتعاليم شيخه وورد طريقته، وهو يراعي أغلب الآداب السابقة، باستثناء تكلف البعض واصطناع وجدهم، وإقبال بعضهم على مخالطة كل مجالس السماع التي تشتهر بـ”الحضرة” دون حضور شيخه أو الاكتفاء بمخالطة أقرانه من أبناء طريقته، جهلا بآداب الحضرة أو قضاء لمنفعة كالطعام في آخر الحضرة، أو قراءة الفاتحة لأصحاب الحاجات في مقابل يسير من المال يوزع بالتساوي بين الحضور، وهو ما يعني حضور الدنيا بقلب الذاكر لا حضور المذكور.

أما الصنف الثاني فهو تعبير عن خروج الحضرة من حظرة التصوف إلى فسحة العوام، وهنا تسقط الآداب، ولم تعد هناك قواعد تحكم عملية السماع، فتنصب السرادقات في الشوارع وعلى قارعة الطريق، وتوضع السماعات والميكروفونات والآلات الموسيقية، وتفتح الحضرة لكل من أراد فلا شيخ ولا طريق ولا شرط ولا قيد، فتختلط الأصوات بعبارت مختلفة من الذكر، وتتعالى الصيحات والصرخات المطالبة بالمدد أو التأوهات كلما تعالى صوت المنشد بما يستنطق القلوب.

 وتتنوع فئات الحضور ما بين عوام وأطفال ونسوة يطلقون الزغاريد ابتهاجا بالمناسبة والحال، وتكثر نداءات ودعوات المدد من الأقطاب والصالحين على اختلاف مشاربهم كالدسوقي، والشاذلي، والقناوي، والبدوي، والجيلاني، والرفاعي وغيرهم، ويشتهر هذا النوع من الحضرات في القرى والمناطق الريفية التي اعتادت إقامة الولائم والذبائح في المناسبات كختان الأبناء، وخروج أحد أفراد الأسرة للحج أو الوفاء بالنذور أو الاحتفاء بمولد أحد الأولياء المحليين، ودعوة المتربحين من أبناء الطرق والمدعين لإقامة (الذكر)، وغالبا ما يكون الغرض منها هو التبرك وإطعام الفقراء، كما يشتهر هذا النوع من الحضرات في موالد أئمة أهل البيت كمولد السيدة زينب، والإمام الحسين رضي الله عنهما.

 

⪡ المحور الخامس

خامسًا: الموالد والليالي الكبيرة

الليلة الكبيرة- مولد الحسين

يمتلك أبناء الطرق الصوفية أجندة سنوية موسمية للاحتفال بموالد أئمة أهل البيت، وينظر المتصوفة إلى الاحتفال بموالد الأولياء والصالحين باعتبارها أيام خير وبركة ونفحات، ويقيسون الاحتفاء بموالد الصالحين على الاحتفاء بالمولد النبوي الذي جرت عادة المصريين على الاحتفاء به منذ عهد الدولة الفاطمية وحتى وقتنا الراهن.

ويتمثل الاحتفاء بإقامة ليالي الذكر والحضرات، ونذر الذبائح والأضاحي، وإطعام الفقراء والمساكين، غير أن ذلك الاحتفاء قد اتخذ طابعا شعبيا فلكلوريا فلم تعد مجرد مناسبة دينية، وإنما احتفاء شعبي موسمي لاسيما في المناطق الريفية، ففيه تذبح الذبائح من باب الوفاء بالنذور، وتقام الولائم، وتنصب فرشات باعة الحمص والفول والعسلية وأصناف من الحلوى التقليدية، وتباع أدوات الزينة والحلي من المسبوكات غير الذهبية، والتي عادة ما ينتقيها بعض الزوار كهدايا رمزية، يستمر الاحتفال على مدار عدة ليال وحتى ما يسمى بالليلة الكبيرة (الختامية)، وهي الليلة التي توافق ليلة ميلاد أو وفاة الولي صاحب المقام والذي يقام المولد على شرف ذكراه.

أما عن احتفال الطرق الصوفية بموالد كبار أئمة أهل البيت كمولد الإمام الحسين، ومولد السيدة زينب، وكبار الأولياء والصالحين كالإمام ابراهيم الدسوقي، والسيد أحمد البدوي، وأبو الحسن الشاذلي وغيرهم من كبار مشايخ القوم- فلهم في ذلك  شأن آخر.

 

مريدو الطريقة الرفاعية

إذ عادة ما يشد أبناء الطرق الصوفية الرحال من مختلف محافظات مصر إلى موضع المقام، فينصبون سرادقات رفعت عليها شعارات الطرق وأصحابها، ويسمونها (الخدمة)، فتجد السردقات وقد وضع عليها لافتات كتب عليها (خدمة الطريقة الرفاعية) أو (خدمة الطريقة البرهامية) أو خدمة (أبناء السادة الشاذلية)، ومهمة تلك الخيام هي إعداد الطعام للفقراء والمساكين، واستقبال زوار صاحب المقام من الأماكن البعيدة وتقديم الطعام والمأوى طوال مدة المولد، واستقبال النذور والأضاحي المقدمة على شرف صاحب المولد، كما تعقد فيها حلقات الذكر لأبناء الطريقة  ومختلف المحبين على اختلاف مشاربهم الصوفية.

غير أن تلك الخيام عادة ما لا تثير ارتياح كثير من الزوار نتيجة الاختلاط ما بين الجنسين، والأدخنة المتصاعدة من الخيام التي تختلط فيها أدخنة مواقد طهو الطعام، مع أدخنة الأرجيلة (الشيشة) التي لا يتورع بعض أبناء الطريق عن تدخينها داخل خيام الخدمة، بالإضافة إلى ما يؤكده باحثون من أن بعض هؤلاء يحتسون نبات الحشيش وغيره من أنواع الأدخنة المحرمة شرعا وقانونا.

وفي تلك الموالد عادة ما يحضر كبار المنشدين كالشيخ ياسين التهامي، وابنه محمود ياسين التهامي والمنشد أحمد التوني ليحيون ليالي المولد بحضرات الذكر والإنشاد، ولكل من هؤلاء معجبيه وسميعته الذين ينتظرون المولد كل عام للاستمتاع بالذكر على نغماتهم الشجية التي تنتزع منهم التأوهات، فهؤلاء المنشدون وإن كانوا يتغنون بقصائد (ابن الفارض)، و(ابن عربي)، و(الجيوشي) و(البوصيري) وغيرهم ممن أبدعوا في مدح النبي أو التعبير عن شوقهم للمحبوب الذي اتخذ عندهم بعض الإشارات مثل (ليلى) و(هند) و(سلمى)، وقد خرجوا جميعا من حاضنة الطرق الصوفية- إلا أنهم يمثلون لونا من ألوان الغناء الشعبي الذي طالما وجد حظوته عند المصريين، فهم يمتلكون تختا موسيقيا كاملا ولا يلتزمون بما يلزم به المتصوفة أنفسهم من آلالات، والسرادقات التي يقيمونها غالبا ما يكون جمهورها من العوام، بالإضافة إلى بعض  أبناء الطرق.

مسيرة للصوفية

وعلى بعد أميال من موضع الضريح تنتصب عربات، وخيام الباعة، وتتلألأ الأضواء من فوق المسجد، وعادة ما يقوم أبناء الطرق بزيارة صاحب المقام وممارسة طقوس الزيارة من قراءة الفاتحة، والتمسح بالضريح من باب التبرك، والطواف بالمقام، والدعاء والتوسل بالولي صاحب المقام، ثم تصطف الصفوف وتنشد القصائد والمدائح النبوية ليتمايل عليها الذاكرون كما تتمايل أغصان الشجر، ويظل ذلك الحال مستمرا حتى الليلة الختامية للمولد والتي تسمى بالليلة الكبيرة، بعدها ينصرف المجاورون، وترفع الخيام في انتظار مولد آخر.

وقد أنبتت تلك الموالد على حاشيتها بعض الفئات الشعبية المتدنية اجتماعيا وأخلاقيا والتي تقتات على موائدها، وتحاول بقدر استطاعتها تحصيل أكبر قدر من الفائدة في المولد بصرف النظر عن شرعية ممارساتها، كالباعة الجائلين، والمتسولين، والمجاذيب، وأدعياء الأحوال، واللصوص، وحتى بعض أبناء الطرق الصوفية الذين يقضون أعمارهم في الانتقال من مولد إلى آخر بصرف النظر عن صاحبه.

 

⪡ الصفحة الرئيسية

بمشاركة

رسوم وجرافيك

أحمد بيكا

فيديوجرافيك

محمود أسامة

فيديوجرافيك

طه حسين

دراسة

بلال مؤمن

– يذهب البعض إلى أن نشأة الطرق الصوفية تعود إلى ما قبل عهد الدولة المملوكية، ويدللون على ذلك بأسماء عدد من الطرق الصوفية كالطريقة الختمية التي تنسب للحكيم الترمذي، والأكبرية التي تنسب للشيخ الأكبر محي الدين بن عربي، إلا إننا نعتقد أن نشأة الطرق الصوفية على النحو الذي نعرفه الآن ترجع بداياتها إلى زمن الدولة المملوكية، لاسيما مع ظهور فكرة الزوايا والتكايا والخنقاوات، والمتتبع لسلسلة المشايخ في أغلب الطرق المعاصرة يجد أن بداياتها تعود إلى تلك الفترة.

1)- بوداوود عبيد. ظاهرة التصوف في المغرب الأوسط مابين القرنين السابع والتاسع الهجريين- دراسة في التاريخ السوسيو ثقافي.. دار الغرب للنشر والتوزيع. وهران.2003م. ص248

2)- عبدالحليم محمود. المدرسة الشاذلية الحديثة وإمامها أبو الحسن الشاذلي.. دار الكتب الحديثة.. القاهرة بدون تارخ. ص238

3)- القشيري، الرسالة القشيرية. تحقيق عبدالحليم محمود، محمود الشريف الجزء الثاني –  .. القاهرة. دار المعارف 1995م. ص501

4)- نفس المرجع السابق ص501.

5)- عبد الفتاح بركة. الحكيم الترمذي ونظريته في الولاية.. مطبوعات مجمع البحوث الإسلامية. القاهرة. الجزء الثاني ص78.

6)- محمد زكي إبراهيم، كلمة الرائد، افتتاحية مجلة المسلم لأكثر من خمسين عاما. مطبوعات ورسائل العشيرة المحمدية. الطبعة الأولى 1424ه. الجزء الثاني ص236

7)- سيد عويس، الأولياء، الهيئة المصرية العامة للكتاب .القاهرة ص 98.

8)- إبراهيم عبد المنعم حنفي، تحت القبة شيخ.. حكايات الأولياء. الهيئة المصرية العامة للكتاب 2013. ص92،91

9)- نفس المرجع السابق ص105

10)- القشيري. الرسالة ج2. باب السماع ص505.

11)- فاطمة فؤاد.. السماع عند صوفية الإسلام. الهيئة المصرية العامة للكتاب 1997. ص36.

12)- القشيري. الرسالة ج2 ص509

13)-  فاطمة فؤاد. السماع ص114

14)- نفس المرجع السابق ص 117

There are no reviews yet.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *



Start typing and press Enter to search