أطباء الامتياز وكورونا

أشبال على خط النار

لم يرَ “أحمد جلال”، طبيب الامتياز بجامعة عين شمس، أسرته منذ شهر ونصف الشهر، إذ يعيش بمفرده في عزل صحي بمنزل آخر يبعد كيلو مترات قليلة عن منزل أسرته بحي الهرم بمحافظة الجيزة.

قضي “جلال” 24 ساعة في استقبال الحالات الطارئة بمستشفى الشيخ زايد، الذي يؤدي فيه فترة التدريب العملي من قبل الجامعة، ثم يدخل في عزل صحي إجباري في منزله حتى موعد ورديته المقبلة، بعيدًا عن أسرته وأصدقائه.

“أعيش في سجن حقيقي منذ بداية انتشار فيروس كورونا، بلا أسرة أو أصدقاء، خوفًا من نقل العدوى إليهم بسبب تعاملي مع حالات مشتبهٍ في إصابتها بالكورونا في فترة الاستقبال”، يتحدث “جلال” لـ”ذات مصر”.

حال “جلال” ككثيرين ممن تزامنت سنة امتيازهم، تلك الفترة الإلزامية التي يقضيها طلاب الطب في التدريب السريري عقب إتمام تخرجهم، مع عام جائحة كورونا التي نشرت سحبًا كئيبة على الكرة الأرضية منذ أوائل 2020.

وبينما تتسارع معدلات انتشار (كوفيد-19) في مصر خلال الفترة الأخيرة، وجد أطباء امتياز أنفسهم يخوضون معركة لا يعلمون عنها شيئًا، بلا استعداد طبي حقيقي، من حيث الخبرة العملية أو التجهيز النفسي لمكافحة وباء عالمي كهذا.

تلك الظروف لم تخطر على بال “جلال”، فمخططه كان قائمًا على قضاء سنة امتياز هادئة بعد السنوات الست التي قضاها في دراسة الطب البشري، وهو ما يجعله يشعر بالإحباط في تلك الأيام: “أمي تبكي لي يوميًّا، وترجوني تأجيل عام الامتياز سنة إضافية، لكنني أريد الانتهاء منها للتفرغ للتجنيد وحياتي العملية”.

تقتصر مهمة “جلال” على استقبال الحالات في مدخل الطوارئ، وتشخيصها قبل رفع تقرير إلى الطبيب المباشر.
وخلال عمله يستقبل نحو 40 حالة يوميًّا جميعها لا تخلو من الأعراض الشائعة للفيروس، كارتفاع الحرارة وضيق في التنفس، لكنه لا يملك إلا قرار التحويل إلى مستشفيات الحميات في حالة تطابق وضعه مع الفيروس بعد إجراء تحليل دم وأشعة مقطعية على الصدر.

خصصت مستشفى الشيخ زايد 4 غرف لعزل المشتبه في إصابتهم بالفيروس، وهناك يخضع المرضى لكشف سريع قبل إرسالهم إلى الحميات، وهو ما يقبله البعض ويرفضه آخرون، حسبما يقول “جلال”.

يحكي “جلال” أنه تعرض لحالات مختلفة في المستشفى، فهناك من يرفض إجراء مسح الـpcr خوفًا من الوصمة الاجتماعية بالإصابة بالفيروس, وشاهد أسرًا تترك أبناءها على أبواب المستشفى وترحل خوفًا من العدوى، وأمهات تبكي دموعًا خشية على حياة أبنائها من الإصابة، وهو ما أكسبه خبرة نوعًا ما في التعامل نفسيًّا مع المصابين.

أحمد جلال، طبيب امتياز

يشكو “جلال” من قلة الإمكانيات المتاحة لأطباء الامتياز، حيث يتسلم كمامة واقية واحدة في الوردية الخاصة به، ولا تُعقم المستشفى إلا مرة واحدة أيضًا.

وبلغت نسبة الإصابة بفيروس كورونا بين القطاع الطبي حوالي 13% من الإصابة بالفيروس في مصر، حسبما أعلن ممثل منظمة الصحة العالمية بمصر “جون جبور”.

وقرر مجلس الوزراء المصري في وقت سابق تدبير مليار جنيه بشكل عاجل لوزارة الصحة، لتوفير الاحتياجات الأساسية من المستلزمات الوقائية في ضوء ما يتم اتخاذه من إجراءات لتنفيذ خطة الحكومة لمواجهة انتشار فيروس “كورونا المستجد”.

أيام العزلة

على عكس “جلال”، لم ينفصل “أحمد القلشي”، طبيب امتياز بجامعة بنها، عن أسرته، لكنه يفرض عزلًا صحيًّا على نفسه يمتد لأيام خلال عودته من مستشفى بنها الجامعي.

“أعود من المستشفى إلى غرفتي مباشرة، أخلع ملابسي لتطهيرها، واستحم، وأظل في غرفتي بدون احتكاك مع أسرتي لمدة 3 أيام، حتى أتاكد من عدم ظهور أعراض الإصابة بالفيروس”، يقول “القلشي” عن الإجراءات التي يتبعها لوقاية أسرته من الإصابة بـ(كوفيد-19).

أحمد القلشي، طبيب امتياز بجامعة بنها

على مدى شهر ونصف الشهر، تعوّد “القلشي” على استقبال حالات مشتبهٍ في إصابتها بالفيروس في أقسام العزل بالمستشفى الجامعي، حيث استقبل نحو 5 إصابات بينهم ممرضتان، وتوفيت حالة أخرى جراء الفيروس.

يشعر الشاب بالهلع كلما تطابقت أعراض زوار بنها الجامعي مع أعراض الإصابة بالفيروس، وهو ما يجعله في حيطة من التعامل معهم خلال إجراء الكشف، لتقليل فرصة إصابته بالفيروس.

“هذا قدرنا، ومسئوليتنا أن نكون في هذا المكان في هذا التوقيت الصعب، جميع الطقم الطبي في مصر يعاني من قلة الإمكانيات وإجراءات التعقيم”، يُضيف الشاب في حديثه لـ”ذات مصر”.

بدا لافتًا أن الإجراءات الوقائية تسللت إلى المستشفيات الجامعية تدريجيًّا، فـ”القلشي” كان يتكفل في البداية بشراء المستلزمات الطبية الوقائية كالكمامة والقفاز الطبي، حتى لاحظ مؤخرًا إحضارها لهم في التدريبات العملية وأيام النوبتجية التي يقضيها بعد زيادة الشكاوى من الطاقم الطبي.

لكن يبقى الوضع مقلقًا حتى الآن، حيث يتناوب نحو 350 طبيبًا بامتياز بنها على 12 قناع رأس الذي يغطي العين والفم، وهو ما قد يتسبب في نقل العدوى بين شباب الأطباء في حالة عدم التطهير المستمر، وفقًا للقلشي.

وفي غرفة أخرى بالمستشفى ذاتها، يجلس “محمد عواد”، أحد أطباء الامتياز، لالتقاط الأنفاس بعد انتهاء يوم طويل، تنوعت خلاله الحالات الطارئة التي تقرر لها الذهاب إلى الحميات.

محمد عواد، طبيب امتياز

يوضح “عواد” أن زملاء دفعته توزعوا جميعًا على الطوارئ في ظل إغلاق العيادات الخارجية، وهو ما جعله في صِدام مباشر مع المشتبه في إصابتهم بالفيروس، لكن بمرور الوقت اكتسب الشاب خبرة وسارت الأمور بسهولة نوعًا ما.

يُشير إلى أن المستشفى لا تتمتع بالإمكانيات الكافية لإجراء الفحوصات الكافية، فهم لا يملكون جهاز كشف الحرارة عن بعد، بل يعتمدون على الترمومتر الرقمي، وهو ما يتسبب في قلق أبناء دفعته وذويهم كذلك على حياتهم.

تلك الشكاوى الفردية لا يتعامل معها المجلس الأعلى للمستشفيات الجامعية إلا في حالات تسجيلها بشكل رسمي، وفي الحالات المخالفة لدليل استخدام الواقيات الشخصية، حسبما يوضح الدكتور “حسام عبدالغفار”، الأمين العام للمستشفيات الجامعية بوزارة التعليم العالي.

وطالب “عبدالغفار”، في تصريحات لـ”ذات مصر”، أطباء الامتياز الذين يعانون من نقص في الأدوات الوقائية برفع شكاوى عاجلة للبت فيها، مع الوضع في الاعتبار أن الوزارة لا تفرض أعباء إضافية على هذه الشريحة، حيث يتلخص دورهم في التواجد بأقسام الاستقبال مع المتخصصين.

"خليك مستعد"

أعلنت وزارة التعليم العالي مؤخرًا عن بدء تدريب أطباء الامتياز وطلاب كليات الطب بالجامعات المصرية، من أجل تكوين خط دفاع ثانٍ للجيش الأبيض، لمواجهة فيروس كورونا المستجد، ولكي يكونوا جاهزين لأي تكليف لدعم القطاع الصحي، وذلك من خلال مبادرة “خليك مستعد”.

وتتزامن مبادرة “خليك مستعد” أيضًا مع إعلان وزارة المالية عن رفع مكافأة أطباء الامتياز التي تُصرف لهم خلال فترة التدريب لتصبح ٢٢٠٠ جنيه شهريًّا، بدلًا من 400 جنيه، وذلك اعتبارًا من خريجي كليات الطب دفعة ديسمبر ٢٠١٩، ما يعكس اهتمام الدولة للاستفادة من تلك الشريحة خلال المرحلة المقبلة.

حسام عبدالغفار، الأمين العام للمستشفيات الجامعية

وشرح “عبدالغفار” أن المبادرة التي بدأت هدفها تقديم دورات توعوية لحوالي 20 ألف طالب امتياز وتمريض للتعريف بفيروس (كوفيد-19)، وأبرز أعراضه الظاهرية، وتقديم بعض الجلسات العملية للتعامل مع الأمراض الصدرية وضعف الجهاز التنفسي، وتشمل أيضًا طريقة التعامل مع ضحايا الفيروس وكيفية الوقاية منه.

ويشير أمين عام المستشفيات الجامعية إلى أن الدولة تضع في حساباتها السيناريوهات الأسوأ، لذا تسعى من الآن إلى تطوير كفاءة الأطقم الطبية بجميع مراحلها، تحسبًا للوصول إلى مرحلة قد نحتاج فيها إلى كل من لديه خبرة طبية، لذا من الطبيعيّ الدفع بأطباء الامتياز في أقسام الاستقبال ومستشفيات العزل إن أمكن لكسر حاجز الرهبة لديهم وصقل مهاراتهم.

إلا أنّ “أحمد جلال” ينفي تلقيه أية تدريبات من قبل وزارة التعليم العالي خلال الفترة الماضية، موضحًا أنه تسلّم فقط البروتوكول الصحي الذي تُنفذه المستشفيات الحكومية في التعامل مع الأعراض العامة للفيروس، والذي يتمثل في ارتفاع درجة حرارة المريض عن 39 درجة مئوية، بجانب التعليمات العامة الخاصة بالتباعد الاجتماعي، والالتزام بارتداء الكمامة الواقية والقفازات.

هل استعد أطباء الامتياز للعزل؟

يخشى “جلال” نقله إلى مستشفيات العزل في الفترة المقبلة، حال تفاقم الوضع الصحي، لعدم اكتسابه الخبرة الكافية في مزاولة المهنة، فهو لا يزال طبيبًا تحت التدريب يخطو أولى أيامه في القطاع الصحي، يقول: “لسنا مؤهلين الآن، ولن يستفيدوا منا، فلماذا يحتاجوننا؟”.

أما “ابتهال الخولي”، طبيبة امتياز بكلية علاج طبيعي، فتبدو متحمسة، وتنتظر دورها للانضمام للمعركة ضد كورونا. تقول لـ”ذات مصر”: “ينقصنا الكثير من الخبرات، ولسنا مؤهلين في الوقت الحالي، ولكننا نريد أن نكون جزءًا من الحدث إذا تطلّب الأمر، شريطة الحصول على تدريب جيد من المتخصصين”.

لا تخشى “ابتهال” على حياتها، بل مصدر قلقها الوحيد هو نقل العدوى إلى أسرتها، لذا تراجعت خطوة إلى الخلف كلما اقتربت من المشاركة في التدريب.

فكرت “الخولي” جديًّا في التطوع لمساعدة الطاقم الطبي في تشخيص المصابين والمشتبه فيهم، كما أنها خططت للانتقال إلى منزل تابع للأسرة لقضاء فترة العزل الصحي حتى لا تتسبب في إصابة أسرتها؛ إلا أنها ترددت كثيرًا في الفترة الأخيرة بسبب وقائع التنمر التي تعرّض لها أهالي الأطباء، بعد إقدام بعض الأهالي على منع دفن أطباء أُصيبوا بالفيروس.

هل يصلح أطباء الامتياز للمهمة؟

تبدو خطط المستشفيات الجامعية بالاعتماد على أطباء امتياز مثالية إلى حدٍّ كبير، من وجهة نظر “محمد عبدالحميد”، عضو مجلس نقابة الأطباء، بدعوى أنهم لم يصبحوا أطباء بعد، فهم لا يمتلكون تصاريح لمزاولة المهنة، ولا يقدرون على تقديم تشخيص كامل لأي حالة طارئة، فهم ما زالوا مجرد طلبة طب في سنوات دراستهم العملية، ولم تكتمل لديهم صفة الأطباء.

“ليس معقولًا أن نضع أطباء الامتياز في الصفوف الأولى أو الخلفية حتى لمكافحة الوباء العالمي، فهناك فرق بين الدراسة الأكاديمية والتطبيقات العملية”، يواصل “عبدالحميد” حديثه لـ”ذات مصر”.

غير أن الاستعانة بأطباء امتياز الآن يعني حرمانهم أولًا من الدراسة العملية، والحصول على تدريبات كافية في تلك المرحلة المهمة في مسيرتهم، بجانب أنهم سيكونون الأكثر عرضةً للإصابة والعدوى، كونهم الأقل خبرة في التعامل مع المرضى واتخاذ الإجراءات اللازمة.

وزاد عضو مجلس نقابة الأطباء: “من الأولى الاستعانة بجميع أفراد الطاقم الطبي المتاحين في المنظومة، والتفكير في الأطباء المتقاعدين وكذلك المفصولين عن العمل، فهؤلاء أولى بالدورات التدريبية التي توفرها الوزارة عن طرق مكافحة الفيروس بدلًا من أطباء امتياز في الوقت الحالي”.

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

قصة

أحمد البرديني

صحافي مصري

مشاركة

أحمد بيكا

رسوم وجرافيك

Start typing and press Enter to search

Visit Us On FacebookVisit Us On TwitterVisit Us On Instagram