أطفال مستشفيات العزل

براءة في مواجهة الوباء

“حصلي حالة انهيار عصبي لما عرفت إن أطفالي اتصابوا وهيروحوا مستشفى تانية بعيد عني”.. بهذه الكلمات شرعت الطبيبة “منار سامي” في حديثها لـ”ذات مصر”، لم تكن قادرة على تحمل خبر إصابة طفلتيها “أروى” (6 سنوات) و”مريم” (4 سنوات)، فعند استقبالها خبر إصابتهما، سقطت مغشيًّا عليها، وعندما فاقت ظلت تصرخ من غرفتها في مستشفى الباجور التي خصصتها وزارة الصحة لعزل مصابي فيروس كورونا بمحافظة المنوفية شمال مصر.

منذ 7 سنوات لم تتردد “منار سامي” في تأدية مهمتها كطبيبة للأمراض الصدرية بمستشفى الأحرار التعليمي بمحافظة الزقازيق، وعند دخول وباء كورونا إلى مصر عكفت على تأدية مهمتها باستقبال المشتبه في إصابتهم بالفيروس، ورغم اتّباعها جميع سبل مكافحة العدوى، إلا أنها تعرضت للإصابة من إحدى الحالات التي باشرت الكشف عليها وثبتت إيجابية إصابتها.

“مع أول كحة ناشفة وصداع حسيت بيه وأنا خارجة من المستشفى بعد نهاية عملي، شكيت إني اتصبت، رجعت تاني وعملت تحاليل وأشعة، وفضلت يومين عازلة نفسي في غرفة لوحدي أول ما روحت البيت”.. تقول الطبيبة الشابة.

الطبيبة منار سامي وزوجها وطفلتيهما أروى ومريم

في تمام الثانية عشرة وخمس دقائق ليل الخميس الموافق 30/4/2020، تلقت الطبيبة الثلاثينية مكالمة هاتفية أخبرتها أن عينة التحاليل الخاصة بها “إيجابية”، وعليها إعداد ما يلزمها من أغراضها لتذهب في سيارة الإسعاف.

كان الخبر بمثابة الصاعقة على سمعها، أمسكت هاتفها الخلوي لتوصي زوجة أخيها برعاية صغارها، وكذلك المعلمة التي كانت تُحفّظ أطفالها القرآن “خلي بالك من بنتي.. دي وصيتي ليكي”، لم يفارق أطفالها ذهنها قط، ولم تشغل بالها آلام الفيروس: “كنت بفكر طول الطريق في بناتي، وبدعي ربنا من كل قلبي ألا يصيبهم مكروه”.

لم تمر أولى ليالي العزل عليها مرور الكرام، باتت تنتظر نتيجة التحاليل لأسرتها، وتدعو الله ألا يصيبهم مكروه، لكنها علمت بوصول الفيروس لزوجها وأطفالها وجدتهم، وأنه نظرًا لعدم وجود أماكن في المستشفى سيوزع أفراد الأسرة على مستشفيات عزل مختلفة.

لم تتحمل الطبيبة الصدمة، وظلت تناشد المسئولين عبر صفحتها الشخصية على موقع “فيسبوك” بضرورة التدخل ليلحق بها أطفالها في نفس المستشفى “عشان أنا طبيبة وعارفة كويس الأعراض الجانبية للعلاج، خصوصًا على الأطفال، كان صعب عليّا أبقى بعيدة عن بناتي، كان ممكن أموت فيها وهما بعيد عني”.

سرعان ما أجهشت بالبكاء عند تذكرها لحظة استقبالها أطفالها في المستشفى “كان وشهم أصفر وهزيل، وباين على ملامحهم الإجهاد، خدتهم في حضني وفضلت أعيط، بس هما فرحوا أول ما شافوني”.

أخفت الأم على أطفالها الصغار حقيقة إصابتهم، وأخبرتهم أن لديها نزلة برد شديدة، وفضّلت أن يظلوا معها في المستشفى أمام عينيها لتطمئن عليهما، وأوصتهما بأن يحافظا على التباعد بينهما، وارتداء “الكمامة”.

طالما تحدثها نفسها بالذنب تجاه أطفالها وأنها هي سبب إصابتهما بالفيروس، وتسهر ليلًا لتقرأ القرآن داعيةً المولى عز وجل أن يشفي أطفالها، فلا ذنب لهم من تحمل هذه الأوجاع سوى أن والدتهم طبيبة، ما يدفعها للتهرب طيلة الوقت من أسئلة أطفالها “ماما هنخرج امتى.. إحنا زهقنا”.

تحدثنا إلى الطفلة “أروى إبراهيم” (6 سنوات)، ورغم صغر سنّها إلا أنها أخذت على عاتقها تهدئة شقيقتها الأصغر سنًّا ذات الأعوام الأربعة، ودائمًا ما تقول لها: “متعيطيش عشان نلعب كرة مع بعض”. وتتمنى الصغيرة أن تعود إلى سابق حياتها بعيدًا عن “حبسة الغرفة”، وكثيرًا ما تمتنع عن تناول وجبتها من المستشفى لفقدانها الشهية: “ماما على طول بتعيط، وبقولها متزعليش، وهنسمع الكلام، وبكرة عيد ميلادها وهجبلها ورد”.

تعبر الصغيرة عن مدى فرحتها عند رؤية والدها، فهو في الغرفة المجاورة لهم، وكانت المرة الأولى التي سُمح لهم برؤيته “صرخت من الفرحة أول ما شوفته”.. تقولها بسعادة.

حكاية أصغر مُصاب في العالم
أصغر مصاب بكورونا

منذ أيام أعلنت مستشفى “تمي الأمديد” بمحافظة الدقهلية شمال شرق مصر، شفاء أصغر طفل مصاب بفيروس كورونا على مستوى العالم، حيث لم يتجاوز عمره 35 يومًا. يروي “إسلام بهجت”، أخصائي الأطفال وحديثي الولادة (33 عامًا) لـ”ذات مصر”، كواليس رحلة علاج المصاب الصغير.
ظل الطفل في “حضانة خاصة”، ومع تدهور حالته الصحية وعدم استجابته للأدوية وظهور أعراض كضيق التنفس وزرقة الشفايف، خضع للتحاليل الطبية، وأثبتت إصابته بالفيروس فتم نقله لمستشفى العزل.

في تمام العاشرة مساء السبت 25/4/2020، استقبل الفريق الطبي الطفل “خيري محمود خيري”: “مكناش مستوعبين الخبر، وكنت قلقان جدًا خصوصًا أننا لم نسمع في العالم إصابة في هذه السن، ومناعة الطفل تكاد تكون منعدمة ويعاني تشنجات، غير أنه تم نقله وحيدًا دون وجود أحد من أسرته، فقط أسطوانة غاز”.

يحكي الطبيب “إسلام بهجت”: “تم وضع الطفل داخل حضانة المستشفى، واتبعنا البروتوكول العلاجي الخاص بالأطفال المصابين وفقًا لمنظمة الصحة، واستطاع فريق طبي مكون من أربعة أطباء و6 أفراد من طاقم التمريض، الاستغناء عن استخدام الأكسجين في اليوم الثاني، وتمت زيادة عدد الرضعات تدريجيًّا، ومع مرور اليوم الخامس اختفت جميع التشنجات، واستقرت حالته الصحية في اليوم الخامس، وأخذنا مسحة في اليوم السادس ظهرت النتيجة سلبية، وبعدها بـ48 ساعة تم أخذ مسحة أخرى وظهرت سلبية أيضًا، دا كان أول تحدي لينا، وإنجاز حقيقي”.

منذ سبع سنوات يتعامل “بهجت” مع الأطفال، لكن في ظل الوضع الحالي فإن التعامل مع الأطفال دون الخامسة فأقل يزداد صعوبة، فهذه السن صغيرة للغاية ولن يستطيع أحد أن يسيطر على الطفل ويجعله حبيس غرفته، أو يجعله يلتزم بالحفاظ على مسافات التباعد الاجتماعي، أو ارتداء الكمامة، فضلًا عن بكائهم المستمر، خاصة عند رؤية أحد أفراد الأطقم الطبية وهو بكامل زيه الواقي “كأنهم بيشوفوا كائنات فضائية”.

لم يكن التعامل مع الأطفال سهلًا للغاية، أساليب خاصة كان على الأطباء انتهاجها لتحسين تلك العلاقة بينهم وبين الصغار: في أطفال كنا لازم نغنيلهم ونلعب معاهم عشان يرضوا ياخدوا العلاج، ونجيب كذا حد من الطقم الطبي ونغني ونرقص، ونشغل أغاني على المايك الداخلي للمستشفى، ونتصور معاهم ونعملهم فيديوهات، عشان ياخدوا العلاج بنفس راضية “فالعامل النفسي مهم خاصة مع هذا المرض، والأطفال أكثر عرضة للأذى النفسي بسبب الحبسة”.. يقولها “بهجت” بعبارات ضاحكة.

"طفل المسدس".. رعاية أكثر من الكبار
طفل المُسدس

يُضيف الطبيب: “طفل (س.م) عنده سنتين ونص، وكان لازم أول ما أدخل الغرفة، يمسك مسدسه اللي بيصدر طلقات مطاطية لتلتصق بوجهي، وفي حالة عدم التصاقها ممكن أعيد دخولي للغرفة تاني لحد ماتيجي عليا، عشان يرضى ياخد العلاج”.

الطبيب “عصام عبدالمنعم”، أخصائي أطفال مبتسرين، كان أيضًا أحد أعضاء الفريق الطبي المعالج لأصغر طفل بالعالم مصاب بكورونا، إذ يشير إلى أن التعامل مع الأطفال يحتاج احتياطات واهتمامًا ورعاية أكثر من التعامل مع الكبار، خاصة أنه مع بداية ظهور الفيروس كان يستهدف كبار السن وأصحاب الأمراض المزمنة، لكن بداية ظهوره في الأطفال وبأعداد كبيرة يتطلب منهم مجهودًا كبيرًا كـ”أطباء للأطفال”، للوصول لأفضل النتائج في أقل وقت، لا سيما وأن الأطفال لا يمكنهم التعبير عن شكواهم مثل الكبار.

بحسب البروتوكول المخصص للأطفال في تلقي العلاج، فإنهم يحصلون على علاج شامل لخمسة أيام، بعد ذلك يتم أخذ مسحة من الطفل لمعرفة إلى أي مدى تحسنت حالته، وبعدها بـ48 ساعة يتم أخذ مسحة أخرى “لازم يكون في مسحتين متتاليتين ويكون نتيجتهم سلبية”، بحسب الدكتور “عصام”.

مشهد الإسعاف.. لا يمكن نسيانه

اتّبعت “ولاء علي” (35 عامًا) جميع الطرق الوقائية للحفاظ على صحتها من الإصابة بالفيروس، حرصت على تنظيف نفسها وبيتها بالماء والكلور، وغسل يديها بشكل مستمر، ودفعت أسرتها إلى الاهتمام بنظافتهم الشخصية، غير أن القدر كان له رأي آخر، إذ أصيبت هي وعائلتها فتفرق شمل عائلتها الصغيرة فوضعت في الرعاية الصحية بمستشفى قها التابعة لمحافظة القليوبية جنوب القاهرة، بينما تلقى زوجها الرعاية في مستشفى آخر.

تلقّت “ولاء علي” خبر إصابة ابنتها “ملك” التي لم تتجاوز عامها السابع، وكذلك طفلها الرضيع في عامه الثاني، وشقيقتها وابنة شقيقتها “شهد”، البالغة من العمر أحد عشر عامًا، بكل حسرة.

لم تستطع “شهد شريف” (11 عامًا) أن تمحو مشهد سيارة الإسعاف التي وقفت تنتظرها أسفل منزلها القائم بمنطقة شبرا الخيمة التابعة لمحافظة القليوبية، يرتعش صوتها عند تذكرها أول مرة تصعد فيها سيارة إسعاف بصحبة ابنة خالتها “ملك” (7 سنوات) وحيدتين: “فضلت أعيط أنا وبنت خالتي وكنا خايفين، مكانش في حد معانا في سيارة الإسعاف”.

كل ما تعلمه الطفلة عن طبيعة الفيروس “لما بييجي لحد بيخليه يقعد لوحده بعيد عن الناس”. تقضي “شهد” يومها داخل غرفة العزل بين تناول جرعة الدواء أو النوم، أو الحديث مع أشقائها الأصغر منها عبر الهاتف، فهي المرة الأولى التي تبعد عنهم كل هذه المدة.

تنصح الطفلة إخوتها بالحفاظ على غسل أيديهم بشكل مستمر، وتحذرهم في الوقت ذاته “اللي مش هيغسل إيده، هيتعب”، بعبارات حزينة تقول الطفلة: “أول رمضان ييجي عليا وأنا مش مع بابا وماما، ومش عارفة أصوم”.

لم تستطع الطفلة رؤية والدتها عند خروجها من المستشفى بعد أن تم شفاؤها، تجنبت الأم لحظة وداع طفلتها، واكتفت بمكالمة هاتفية تخبرها بأنها ستخرج اليوم من المستشفى، وعليها أخذ الدواء في وقته وأن تأكل جيدًا حتى تلحق بها ويتم شفاؤها وعليها سماع كلام خالتها.

نظرات خائفة وجسد هزيل

بنظرات خائفة وجسد هزيل ترتعش “رنا محمد” (9 سنوات)، تهرول ناحية والدتها لتلتصق بها وتتوارى خلفها ممسكة بطرف جلبابها عند رؤية الطبيب يرتدي بدلة العزل. هكذا وصفت الأم “نهى عبدالجيد” حالة طفلتها في الليلة الأولى لها في مستشفى كفر الدوار بمحافظة البحيرة (تبعد 150 كم عن القاهرة). 

رنا وشقيقها معاذ

لم تكن “نهى عبدالجيد” بحالة نفسية جيدة، ليس لكونها أُصيبت بالعدوى لكن لملامح الخوف التي تظهر على أطفالها الثلاثة (رنا “9 سنوات”، وأحمد “6 سنوات”، ومعاذ “9 أشهر”)، وذلك في كل مرة يأتي وقت أخذ المسحات، ومعاناة أطفالها بسبب الفيروس “سخونة وإسهال ودوخة وممكن ترجيع”، فضلًا عن صراخ طفلها الرضيع “أصغر مُصاب في مستشفى العزل بكفر الدوار”.

تشكر الأم جهود الأطباء في التعامل مع حالتهم النفسية، فهم يلعبون ويضحكون مع الأطفال، ويجلبون لهم الألعاب المفضلة، حتى يشعروا بالأمان.

تقول الطفلة “رنا” في حديثها معنا: “نفسي أخرج أنا زهقت، وكل شوية بسأل الدكتور ماما عاملة إيه يقولي كويسة، طب هنخرج امتى؟”.. لم تخبر الأم طفلتها الكبرى بحقيقة إصابتهم، فكل ما تعلمه الصغيرة هو إصابة والدتها بنزلة برد، وهم معها بالمستشفى حتى لا يمكثوا بمفردهم في منزلهم، وعليهم أخذ العلاج حتى لا ينقل لهم نزلة البرد: “ولادي وحشوني جدًّا، بس بعتبر الأطفال في المستشفى كلهم أولادي”.

ممرضة أسرت قلوب الأطفال
الممرضة مي عبدالرحمن

منذ 4 سنوات تمارس “مي عبدالرحمن” (27 عامًا)، مهنة التمريض، ورغم انتهاء مدتها الأولى في مستشفى عزل “قها المركزي” بمحافظة القليوبية، إلا أنها تطوعت للمرة الثانية لتؤدي واجبها مع زيادة حالات الإصابة بالفيروس الغامض (كوفيد-19).

تقول الممرضة لـ”ذات مصر”، إن أصعب المهام التي تقوم بها هي تعاملها مع الأطفال، فرغم حبها الشديد لهم؛ إلا أن إعطاءها جرعة دوائية لأي طفل صغير يتطلب منها مجهودًا كبيرًا “بغني يا صباح الخير يالي معانا…”، تبدأ دخولها في الصباح لغرف الأطفال بالضحك واللعب، وكذلك قد يتطلب الأمر تشغيل أغانيهم المفضلة للرقص عليها، وتصفيق جميع من في الغرفة، لينصاع الطفل لأخذ الجرعة.

سرعان ما تعلّق الأطفال بالممرضة، حتى إنهم رفضوا تناول الدواء إلا بوجودها “كانوا بيطلبوني بالاسم وخاصة الطفلة جنى (9 سنوات)”. بعد أن أنهت “مي عبدالرحمن” مدّتها الأولى وهمت بمغادرة المستشفى، علمت أن الطفلة رفضت تناول العلاج من أي شخص في الطاقم الطبي، فقررت العودة مرة أخرى لتكمل واجبها تجاه الطفلة. 

الممرضة مي

أصابت حالةُ الوباء الأطفال بأزمات نفسية متعددة، ما دفع الطاقم الطبي للتعامل معهم بكل حذر، تقول الممرضة: “أُصيب طفل ذو 3 أعوام بصدمة عند رؤيته الطبيب ببدلة العزل، وكذلك رؤيته لوالدته وهي ترتدي الكمامة، ومن شدة الصدمة لم يبكِ أو يتحدث، بل ظل جالسًا على كرسي في الغرفة منكمشًا، وإذا حملته والدته لتضعه على سريره يبكي بشدة، ولا يهدأ إلا بوضعه على الكرسي ليعود لوضعه المنكمش”.

اختلفت أعمار هؤلاء الأطفال، وباتت أمانيهم واحدة، وهي الخروج من تلك الغرفات المُغلقة داخل مستشفيات العزل إلى مكان يسع فطرتهم، حيث اللعب والصراخ والمرح، فباتت تلك الأحلام الصغيرة أسمى ما يطلبونه الآن في زمن الوباء.

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

قصة

هاجر محمد

صحافية مصرية

مشاركة

أحمد بيكا

رسوم وجرافيك

Start typing and press Enter to search