ثقافة وفنمختارات

أعاجيب مصر القديمة: هيرمس هو النبي إدريس

 

ماضي مصر مكتوب على وجهها الطبيعي، تراه في الأهرامات والآثار والكتابة الهيروغليفية والتحف، ومع ذلك، لم يتمكن العلماء إلا في وقت متأخر نسبيا -منذ 200 عام تقريبًا- من قراءة النصوص والرسائل التي خلفها قدماء المصريين وراءهم، بعد فكّ رموز حجر رشيد تحديدًا. فما الذي اعتقده العلماء المحليون حول هذا التاريخ خلال آلاف السنين التي سبقت فك شفرة هذا الحجر؟

كان الأشخاص الذين يعيشون في مصر العصور الوسطى منفصلين، من عدة نواحٍ، عن ماضيهم القديم، إ ذ لم يستطيعوا قراءة الهيروغليفية، وخمّنوا، بدلاً من ذلك، أصول هذه الآثار العظيمة المتناثرة في مدنهم وريفهم والغرض منها، وحتى مع وجود هذه الفجوة المعرفية، كان العلماء مهتمين بشدة بالماضي القديم، سواء لمصر ولغيرها من الأقاليم الأخرى الخاضعة للسيطرة الإسلامية، بما في ذلك بلاد فارس واليمن والجزيرة العربية واليونان وروما والأراضي النبطية.

وكان ماضي مصر مُهمًّا على نحو خاص بالنسبة إليهم بسبب بروز معالمه الأثرية، وموقع مصر المميز في قلب العالم الإسلامي، وبسبب العديد من الروايات والقصص التي وردت في التقليد الإسلامي والمعارف اليونانية والرومانية أو حتى الأساطير والخرافات الشعبية.. فكيف فهم العلماء المسلمون ماضي مصر القديم؟ هل كان ثمة أي وعي بالتراث؟ هل أحس الناس في العصور الوسطى بأن هذا هو ماضيهم؟ هل وُجِد شيء يمكن أن نطلق عليه “علم المصريات”؟

أبوالهول

أجادل بأن تنوع الطرائق والمناهج التي استخدمها العلماء المسلمون للتعاطي مع تاريخ مصر القديمة يحول دون وجود مجال موحد للدراسة، كما هي الحال لدينا اليوم، ومع ذلك، فإن حصر المناهج المتعددة التي سلكها علماء العصور الوسطى في مجال أو تخصص واحد فقط لا ينصف إبداعهم في تحليل الماضي الذي لم يتمكنوا من قراءة كتاباته وكان وجوده مُبهَمًا، رغم الآثار المتناثرة حولهم في البلاد.

ادّعى مصنِّفون أنهم استخدموا المصادر القبطية في كتاباتهم عن مصر القديمة، ولكن في كثير من الأحيان، فُقِدت هذه المصادر، أو التبس على المُصنِّف النص الدقيق.

نظر العلماء المسلمون القروسطيون إلى ماضي مصر القديمة بعدسة الأنواع الأدبية والأساطير التي كانت موجودة مسبقًا، وأحيانًا حاولوا فهم تاريخ مصر القديمة من خلال عدسة التاريخ الإسلامي، إذ بإمكاننا أن نأتي على ذكر فرعون، على الأقل، في قصص النبيين موسى ويوسف.

ومع ذلك، فإن القرآن أقل حديثًا عن الجوانب الأخرى من التاريخ، لذلك سيركز بعض العلماء على النوع الأدبي المسمى بـ”قصص الأنبياء” المستمدة من التراث اليهودي والمسيحي السابق، وعلى القصص الشعبي كذلك، وعوضًا عن ذلك، سيعتبر علماء آخرون أن دور مصر القديمة الأهم يكمن في تاريخها الفكري، بالنسبة إلى هذه الروايات يُنظَر إلى مصر القديمة كمبدعة لعلوم مثل الطب والفلك.

وجمع بعض العلماء الآخرين بين التقاليد الفكرية والإسلامية، خاصة من خلال الشخصية الأسطورية هيرمس مثلث العظمة، والتي تحولت إلى حكيم صوفي على مر القرون، وكان من قبل يُنسب إلى الإله اليوناني هرمس والإله المصري تحوت.

مقطع من مخطوطة قرآنية

لقد برع هيرمس في علوم الفلك والطب والخيمياء وتُنسب إليه مجموعة المتون الهرمسية، وهي مجموعة من أدبيات الحكمة. وبينما تباينت المعلومات الواردة عن تلك الشخصية في التراث الإسلامي، يذكر أبو القاسم صاعد الأندلسي المتوفى 1070 م العديد من “الهرامسة”. ففي أحد النصوص، يذكر الأندلسي أن هرمس هو النبي العبري/الإسلامي أخنوخ/إدريس، معلقًا على ذلك بأن هذا النبي كان أول من درس حركات النجوم، ومارس الطب، وكتب الشعر الموزون.

إضافة إلى ذلك، يرتبط ذكر هيرمس/إدريس مباشرة بمصر، إذ يدعي صاعد الأندلسي أنه بنى المعابد القديمة والأهرامات للحفاظ على المعارف قبل الطوفان الكبير، وهكذا، تجمع هذه الروايات بين الأساطير اليونانية والرومانية والمصرية القديمة وأنبياء الكتاب المقدس والإسلام والتقاليد الفكرية، من أجل تقديم تفسير لسبب بناء الأهرامات. وتظهر روايات مماثلة، مع وجود  بعض الاختلافات في نصوص أخرى.

واستندت التفسيرات الأخرى للآثار المتناثرة في أرجاء مصر إلى الأساطير المحلية. أيضًا شاعت الأحداث المعجزة التي وقعت قرب الآثار أو تفاعل معها الناس على نحو خاص. يصف المقريزي المتوفى عام 1442 في خططه، وهو عمل طوبوغرافي، أن الخليفة العباسي المأمون، المتوفى عام 833، زار مصر وجعل عماله يحاولون نقب أحد الأهرامات، عندئذ، بحسب روايتين متنافستين، وجد العمال وعاءً رائعًا كانت قيمته تتعادل تمامًا مع تكلفة التنقيب أو بقايا مومياوات فقط.

كما يعلق أيضًا على العديد من الأساطير المنسوجة حول “أبي الهول”، بحسب التقاليد الشعبية، لعل أبا الهول كان طلسمًا للنيل أو مسؤولاً عن صد رمال الصحراء، حتى إن المقريزي يقدم لنا تفسيرًا لتحطيم أنف أبي الهول، مدعيًا أن أحد الأفراد قد غضب من تقديم العوام القرابين لأبي الهول، لذلك حطم أنفه، وكانت عملية تشويه الوجوه طريقة تقليدية لسلب قوة الشخصيات التصويرية، كما نرى ذلك أيضًا في المخطوطات.

الصورة المحتملة لهيرميس

انخرط بعض العلماء أيضًا في تفسير الماضي القديم من خلال نوع أدبي آخر يسمى “الأدب العجائبي”.. وتركز هذه الأدبيات على الجوانب العجائبية لمختلف الأماكن وتتضمن روايات عن الآثار والأساطير المرتبطة بمواقع مختلفة في منطقة أو حتى مدينة بعينها، وكما لوحظ في رواية المقريزي عن أنف أبي الهول، قلق بعض الناس من حالة تبجيل آثار الماضي الشِّرْكية، فقد صنّف أحد العلماء، وهو الإدريسي (المتوفى عام 1251)، أطروحة خاصة عن الأهرامات، مجادلاً بأنها تستحق السفر إليها والحفاظ عليها، وعلق على جماعة متنوعة من الشخصيات المشهورة من التاريخ الإسلامي ممن زاروا الأهرامات، من بينهم بطل الحروب الصليبية صلاح الدين الأيوبي.

عن الأهرامات تتضمن العديد من الأساطير الساحرة.. في إحدى هذه القصص، اختفى رجل كان دخل هرمًا، ليُعثر عليه لاحقًا عاريًا ويبدو أنه قد جُنّ.. وكان تفسير ذلك يرجع إلى روح شريرة داخل الهرم. كما يصف السيوطي أيضًا الأرواح الشريرة الأخرى التي تعيش في الأهرامات أو لعلها تحرسها، بمن في ذلك امرأة عارية ذات شعر طويل ورجل طاعن السن يرتدي مسوحًا مثل الرهبان، وليس مستغربًا أن تُنسب روايات الأحداث غير المبررة والأشخاص الأسطوريين إلى هذه الآثار، التي هي أشياء غامضة وعجيبة في حد ذاتها.

تُظهر كل هذه المقاربات إحساسًا بالتواصل في ما بينها، أو ربما على نحو أكثر دقة، تظهر محاولة لجعل تاريخ مصر منسجمًا مع إطار قائم بالفعل، سواء أكان ذلك عن طريق الأعاجيب أم التاريخ الإسلامي أم التراث الفكري أم الأساطير المحلية، ورغم أنهم يناقشون الموضوع ذاته، فإنهم لم يشكلوا نوعًا أدبيًّا واحدًا متماسكا، ويختلفون على نحو كبير في أهدافهم عمّا نعتبره اليوم “علم المصريات”.

حجر رشيد

 

ويعتبر ابن وحشية (القرن العاشر الميلادي) أحد الاستثناءات المحتملة في هذا الصدد، وهو الذي وُصف بالتناوب على أنه عالم ثقة أو راوية أو محتال في ما يتعلق بنصوصه عن قدماء المصريين والأنباط، بما في ذلك النصوص التي تقدم ترجمات للهيروغليفية. وفي حين أن “ترجماته” تعد غير دقيقة إلى حد كبير، كما أن أهدافه في كتابة العمل غير واضحة، فإنه يمكن للمرء أن يجادل بأن ابن وحشية كان عالم مصريات إسلاميًّا في العصور الوسطى، أو لعله يدعونا ببساطة للتساؤل عن ذلك.

 

المصدر
ASOR

مصطفى الفقي

مترجم مصري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى